البرلمانات العربية: واقعها أفضل من سمعتها

تسلّط دراسة صدرت، حديثا، عن معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية الضوء على دور البرلمانات في الدول العربية، والتغييرات التي طرأت على الكثير منها منذ اندلاع أحداث الربيع العربي. وتشير معدّتا الدراسة الباحثتان بياتريس بيرتون وفلورانس غوب إلى أن الإصلاحات التي شهدتها العديد من الدول العربية بعد 2011، أعطت دورا أقوى إلى المؤسسات التشريعية، ولم تعد أغلب البرلمانات العربية تبدو وكأنها "أصداف فارغة" تصادق شكليا على قرارات الحكومة.
السبت 2015/07/04
رقابة البرلمان على الحكومة تجعله المؤسسة الأقدر على ترسيخ الديمقراطية والحكم الرشيد

القاهرة – يشهد العالم منذ العقدين الأخيرين من القرن الماضي تعاظما في دور المؤسسات التمثيلية، وفي مقدمتها البرلمانات، التي تمثل السلطة التشريعية، وأساس الممارسة الديمقراطية في كل بلد. وفي المنطقة العربية، وبعد عقود من تجميع أصحاب السلطة التنفيذية للسلطة البرلمانية، بدت سنة 2011 وكأنها نقطة تحول في اتجاه “فترة تشريعية” في العالم العربي، ومنحت الانتخابات اللاحقة الحرة والشفافة بدرجة كبيرة في كل من مصر وتونس وليبيا والمغرب والأردن، سلطات أكبر للمؤسسات التشريعية وبدأت مسيرة الانفتاح الديمقراطي.

لكن حلّ البرلمان المصري في سنة 2012 وانقسام نظيره الليبي، بعد سنتين، وضعت هذه التطورات موضع تساؤل. ففي لمحة أولى، تبدو البرلمانات العربية حاليا وكأنها رجعت إلى لعب دورها، تصادق شكليا على قرارات الحكومة ولا تتعدى أن تكون دكاكين للحديث. لكن بمجرد إلقاء نظرة عن كثب ينكشف لنا وضع مغاير لحقائق الأشياء.

لماذا البرلمانات أصلا

يعتبر البرلمان ميزة أساسية للنظام الديمقراطي، وقد ولد الشكل الحديث من البرلمان في أوروبا القروسطية كوسيلة للحد من سلطة الملك. لكن اليوم أصبحت البرلمانات تتجاوز مجرد كونها حلاّ لوجستيا لكون أغلب الدول مترامية الأطراف ولا يمكن حكمها عن طريق الديمقراطية المباشرة. وبوصفه وسيطا بين النظام والمواطنين، تتمثل مهمة البرلمان في تقييد سلطة الفرع التشريعي لمصلحة الشعب، وتتضمن أهم مهامه تاريخيا سن القوانين وضمان قابلية الحكومة للمساءلة والمصادقة على ميزانية الدولة.

وتأتي عبارة برلمان من كلمة “برليه” الفرنسية (أي تكلم) وتعني بالدرجة الأولى مكانا تجرى فيه النقاشات. وهذا المفهوم غالبا ما يؤخذ حرفيا في الأنظمة غير الديمقراطية، إذ تلعب البرلمانات الضعيفة دورا رمزيا.

ولا تملك كل المجالس التشريعية الدرجة نفسها من السيطرة حتى في الأنظمة الديمقراطية ففي أنظمة الحكم البرلمانية يتم تعيين الجهاز التنفيذي من قبل البرلمانات، بينما في النظام الرئاسي أو الشبه رئاسي لدى البرلمانات سلطة محدودة في تعيين الوزراء بالرغم من أنها قد تراقب بعض نشاطات الجهاز التنفيذي (مثلا الميزانية). ومن ثمة تخدم البرلمانات غايات متنوعة وتختلف فيما يتعلق بالتمثيلية وتمارس مستويات مختلفة من التحكم حسب السياق الوطني.

ترتفع نسبة المشاركة عندما يشعر المواطن بأن لصوته تأثيرا حقيقيا بينما تدل النسب الضعيفة على نفور من النظام

مشكل البرلمانات العربية

يفترض المواطنون العرب عموما أن برلماناتهم ليس لها تأثير يذكر على العملية السياسية، إذ يرى 48 بالمئة فقط منهم أن البرلمانات تراقب أنشطة الحكومة، بينما يعتقد 63 بالمئة فقط بأنها جديرة بالثقة. وبالرغم من أن هذا الرقم أعلى من أولئك الذين يثقون في الأحزاب السياسية (23 بالمئة)، فهو أقل بدرجة ملحوظة من مستويات الثقة التي تحظى بها القوات المسلحة (77 بالمئة)، والقضاء (57 بالمئة)، والشرطة 55 بالمئة، وحتى الحكومة نفسها (47 بالمئة).

وهناك عدة أسباب تقف وراء غياب هذه الثقة؛ أولا غالبا ما يرتبط البرلمانيون في العالم العربي ارتباطا وثيقا بالنخب السياسية ومن ثمة بالأنظمة الاستبدادية. ثانيا، يتهمون بأنهم يرشون الناخبين بالمال والوظائف وغير ذلك من الامتيازات. ثالثا، بمعدل أعمار يصل إلى 55 عاما، يعتبر أعضاء البرلمان العرب من أكبر البرلمانيين على وجه الأرض سنا.

نظرا إلى ارتفاع نسبة الشباب (في مصر على سبيل المثال ثلثا السكان دون سن الثلاثين) وهذه الحقيقة تعكس وتزيد في الآن نفسه تفاقم صراع الأجيال بين السياسيين والناخبين. ونتيجة لذلك تنخفض نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية، ففي مصر ومنذ إعادة الانتخابات في سنة 1976 تراوحت بين 18 بالمئة و30 بالمئة، وحتى الانتخابات الحرة التي جرت في سنة 2011 جذبت 65 بالمئة فقط ممّن يحق لهم التصويت.

وفي تونس بقيت نسبة المشاركة بين 50 و65 بالمئة منذ الثمانينات من القرن العشرين، ونجد نسبا مماثلة في لبنان. وبصفة عامة ترتفع نسبة المشاركة عندما يشعر المواطنون بأن أصواتهم لديها تأثير حقيقي بينما تدل النسب الضعيفة على نفور المواطنين من النظام.

وفي سنة 2014 كانت المشاركة في الانتخابات التشريعية الليبية الثانية منذ سقوط القذافي لا تتعدى 16 بالمئة، بينما تراوحت في الأردن بين 26 و44 بالمئة منذ الشروع في الانتخابات البرلمانية في 1989.

أما العراق الذي يتميّز بشدة استقطاب المجتمع فقد شهد نسبة مشاركة عالية نسبيا خلال انتخابات السنة الماضية وصلت إلى 77 بالمئة. لكن حدث ذلك بعد مقاطعة السنّة للانتخابات الأولى في سنة 2005، ليكتشفوا فيما بعد أن ذلك حرمهم من أي تأثير على العملية السياسية.

أسباب غياب الثقة بين البرلمانيين والمواطنين العرب:
غالبا ما يرتبط البرلمانيون في العالم العربي ارتباطا وثيقا بالنخب السياسية.

يتهم أعضاء البرلمان بأنهم يرشون الناخبين بالمال والوظائف وغير ذلك من الامتيازات.

أعضاء البرلمان العرب من أكبر البرلمانيين سنا في العالم، بمعدل أعمار يصل إلى 55 عاما.

كل الدول العربية اليوم لديها شكل من أشكال البرلمان بالرغم من أن أعضاء البرلمانات ليسوا كلهم منتخبين بطريقة ديمقراطية. والبرلمانات في دول الخليج العربي شبيهة أكثر بمفهوم الشورى الذي لا يعني بالضرورة الانتخابات. ونتيجة لذلك نجد أعضاء المجالس إما معينين بالكامل (المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان) أو نصفهم (الإمارات العربية المتحدة) من قبل النظام ولهم دور استشاري.

وأقوى برلمان في منطقة الخليج هو البرلمان الكويتي المسمى مجلس الأمة، إذ يتم انتخابه بطريقة مباشرة وله الحق في سن القوانين التشريعية ويراقب ميزانية الحكومة. ويمكن لأغلبية برلمانية أن تعزل الوزراء من مناصبهم وحتى رفض العمل مع رئيس الوزراء، ومن ثم إجبار الأمير على إقالة الحكومة أو حل البرلمان.

في أماكن أخرى من العالم العربي كان مصير أولى المجالس المستقلة إما الإلغاء أو تحويلها إلى هياكل استشارية على إثر موجة من الانقلابات وتركيز أنظمة استبدادية بعد الحرب العالمية الثانية، لكن خلال العقدين الماضيين جمعت هذه البرلمانات المزيد من السلطة تدريجيا.

تجارب عربية

انتهت الحرب الأهلية اللبنانية باتفاق بين البرلمانيين الناجين في سنة 1990، وحسب هذا الاتفاق السياسي تم تخصيص كل المقاعد في البرلمان لممثلين عن طوائف دينية (وهي حالة من الديمقراطية ‘التوافقية’ بامتياز).

أما في الأردن فيمكن للغرفة الدنيا في البرلمان الآن سحب الثقة عن الوزراء وممارسة الضغط على تركيبة المجلس الوزاري، وقد أسقطت حكومتين إلى حد الآن.

وفي المغرب قوى دستور سنة 2011 البرلمان إذ يتولى أكبر حزب تعيين رئيس الوزراء ويجب أن تحصل الحكومة على موافقة المجلس ولديه إشراف أوسع على الحقوق المدنية والمسائل الانتخابية.

باستثناء التجربة المصرية واللييبة، أثبتت التغييرات والإصلاحات الأخيرة الطارئة على المؤسسات التشريعية في مختلف الدول العربية توجّها جديدا وملموسا نحو تفعيل دور البرلمان

وفي العراق، حيث أدى الصراع الداخلي إلى إضعاف ما يفترض أن يكون على الورق مجلسا تشريعيا قويا، يزداد نفوذ النواب مما يمكنهم من تأدية أدوارهم الحقيقية. وفي خطوة كبرى للبلاد تراقب لجنة الدفاع السلطة التنفيذية في معركتها ضد داعش.

بيد أن البرلمانات عندما تتمتع بنفوذ كبير يمكن أن تتسبب في عدم استقرار البلاد. وليبيا هي أحد الأمثلة على ذلك، إذ كان التفويض الذي تمتع به برلمانها الانتقالي لسنة 2012 قويا جدا إلى درجة أن النواب كانوا قادرين على إضعاف الحكومة.

وفي مصر (حيث نشأ أول برلمان عربي في سنة 1866) تم تأجيل الانتخابات البرلمانية إلى نهاية سنة 2015. والآن بعد ثلاث سنوات من آخر انعقاد للمجلس الوطني، أصبح البرلمان المصري القوي لسنة 2011 يبدو ذكرى بعيدة.

ومع ذلك، وباستثناء التجربة المصرية واللييبة، أثبتت التغييرات والإصلاحات الأخيرة الطارئة على المؤسسات التشريعية في مختلف الدول العربية توجّها جديدا وملموسا نحو تفعيل دور البرلمان وتشجيعه على أن يكون ذا تأثير فعال في المعايير الشفافية والنزاهة والحكم الرشيد.

6