البرلمان البريطاني يطّلع على الصورة القاتمة للأوضاع في تركيا

استضاف البرلمان البريطاني ندوة تسلط الضوء على واقع تركيا اليوم، ضمن مشهد ينبئ بتحول هذا البلد النصف أوروبي إلى بلد يحكمه رئيس بصلاحيات مطلقة وسياسات تكشف التجارب المماثلة أن لا نهاية لها غير انفجار الفوضى. تحدث عن هذا الواقع الصحافي التركي ياوز بيدر رئيس تحرير موقع أحوال تركية، مقدما صورة متشائمة لكنها حقيقية لتركيا في عهد رجب طيب أردوغان، الذي يمضي قدما نحو ترسيخ سلطاته من خلال قمع الحريات وتكميم الأفواه ضمن سياسة تؤثر سلبا على سمعة تركيا في الخارج وتضر بعلاقتها مع الدول الغربية والعربية.
الجمعة 2018/02/09
بيدر: الحياة السياسية في تركيا تموت

لندن - إلى حد سنوات قليلة ماضية، كان ينظر لتركيا باعتبارها دولة “هادئة” في سياستها الخارجية ونموذجا أثار الإعجاب بـ”معجزته الاقتصادية”. فجأة، بدأت ملامح صورة تركيا أخرى تظهر على السطح، دولة قمعية تتدخل في شؤون الدول الأخرى متهمة بتمويل الإرهاب وتتصدر مؤشرات الفساد العالمية وترتيبها يتراجع على مؤشر حرية الرأي والتعبير واحترام حقوق المواطنين.

وأكّد على صحة هذه الحقائق ياوز بيدر رئيس تحرير موقع أحوال تركية الذي يصدر بثلاث لغات هي العربية والتركية والإنكليزية، خلال ندوة استضافها البرلمان البريطاني ونظمها مركز الدراسات التركية للوقوف على واقع تركيا وما تعانيه من أزمات في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية.

تأتي أهمية شهادة بيدر، خلال الجلسة التي ترأسها سفير بريطانيا السابق لدى أنقرة سير ديفيد لوغان، انطلاقا من تجربته كإعلامي تركي واجه كنظرائه من الإعلاميين الكثير من التضييق والترهيب ضمن سياسة نظام يعتبر الديمقراطية وسيلة للوصول إلى الهيمنة المطلقة. وذكّر الصحافي التركي الحاضرين تحت قبة البرلمان، من مسؤولين ووسائل إعلام غربية وعربية، بمقولة أردوغان “الديمقراطية مثل القطار الذي نركبه حتى نصل إلى وجهتنا ثم نغادره في أقرب محطة”.

وحذّر من أن هذه المقولة تحمل إشارات كبيرة لما ستؤول إليه البلاد في حال حقق أردوغان الانتصارات التي يرغبها لفرض سلطته في البلاد، مشيرا إلى أن تحول النظام في تركيا إلى مزيج من الإسلام السياسي والقوميين المتشددين يجعل البلاد تعاني من كابوس حقيقي.

انكشاف الصورة

يحاول النظام التركي برئاسة رجب طيب أردوغان أن يبيض هذه الصورة ويخفف من حدة الصدمة التي تثيرها الحقائق المكتشفة، لكنه في كل مرة يفضح نفسه بنفسه بممارسته وسياساته.

ورغم أن هذه السياسة ليست وليدة التطورات في المنطقة منذ الربيع العربي في 2011، إلا أن هذه الأحداث صعّدت على السطح ما كان مكتوما وكانت تخفيه تلك الصورة الهادئة لبلاد الأناضول.

ووصف بيدر هذه المراحل التي تمكن من خلالها أردوغان من فرص نفوذه المطلق بـ”الانقلاب المدني”؛ فهيمنة أردوغان على كل مواقع السلطة هي شكل من أشكال الانقلاب على مؤسسات الدولة، وبحكم كونه انقلابا دون دور للجيش، فيمكن وصفه بالانقلاب المدني، حسب وصف بيدر.

تحركات الدول الأوروبية لا تساهم في تحسين الوضع في تركيا بل تصب في مصلحة الحكومة والرئيس، لأن أردوغان سيوظف تلك الإجراءات الأوروبية عبر خطاباته الشعبوية

واستعرض أبرز المراحل الزمنية لهذا الانقلاب الذي بدأ في 2011 ويتواصل حتى اليوم لاستكمال الهيمنة المطلقة. ففي 2011، قرر حزب العدالة إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وجعلها وفق نظام مركزي موحد يسهل تطويعه لصالح الحزب الحاكم. وفي 2012، قامت الحكومة بإعادة هيكلة القطاع الإعلامي عبر إعطاء أوامر إلى إدارات المؤسسات الإعلامية لطرد بعض الإعلاميين غير المرغوبين من السلطة.

كما تحدث بيدر عن ظاهرة الزج بالصحافيين المعارضين وأصحاب وجهات النظر المخالفة للدعاية السياسية السائدة في السجون وهي ظاهرة لم يسبق لها مثيل في تاريخ تركيا الحديث.

ووصف بيدر المراحل التالية بأنها حالة موت للحياة السياسية في تركيا، فقد أصبحت الأحزاب المعارضة غير قادرة على مواجهة الحكومة التي تهيمن على السلطات الرئيسية وأصبحت المعارضة التركية منقسمة على ذاتها.

وأشار إلى أسلوب الحكومة التركية في اضطهاد من تريد عبر إلصاق تهم الإرهاب به، حيث يتم نعته بأنه عضو في حركة فتح الله غولن أو التنظيمات الكردية التي تصفها السلطات بأنها انفصالية و”إرهابية”. وبعد عدة مراحل من العمل المنظم لإبعاد أي منافس حقيقي أصبح أردوغان صاحب الكلمة الأولى والأخيرة.

وأكد ياوز أن حالة الطوارئ المفروضة حولت الوضع من سيء إلى أسوأ في الداخل التركي.

العضوية الأوروبية

كانت تركيا دائما تجد في “إسلامها” حجة تقنع بها نفسها والعالم بخصوص رفض عضويتها في الاتحاد الأوروبي. ونجحت أنقرة إلى حد ما في أن تقنع بهذه الحجة، لكن ليس لوقت طويل، فسرعان ما تبين أن سياسات نظام حزب العدالة والتنمية هي التي تبعده عن عضوية الاتحاد الأوروبي الذي يقوم نظامه الأساسي على احترام الحريات وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى وضمان حقوق الأقليات، وغير ذلك من الشروط التي يتبين يوما بعد يوم أن النظام التركي يخالفها.

تركيا اليوم لديها مشاكل وتعقيدات في علاقاتها مع العديد من الدول الأوروبية المهمة. وتبعد تصرفات حكومة العدالة، أنقرة عن الاتحاد الأوروبي، بل وتهدد بطرد تركيا من منظمات ومؤسسات دولية هامة، منذ حلف شمال الأطلسي، خاصة مع تطبيق قانون الطوارئ الذي ضرب حقوق الإنسان الأساسية واستمرار اعتقال السياسيين والصحافيين والموظفين الحكوميين بالإضافة إلى طرد أعداد كبيرة من وظائفهم ضمن عملية تطهير واستيلاء على مختلف مؤسسات الدولة وزرع الموالين فيها، وهي عملية جارية منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في صيف 2016.

سياسات أردوغان تقمع الجميع

بالإضافة إلى تلك السياسات القمعية، اتخذ النظام التركي مواقف استفزازية تضرب الأعراف الدبلوماسية بعرض الحائط، في رده على الرفض الأوروبي لسياساته القمعية.

وجرّت هذه المواقف البلاد إلى مقاطعات وتصعيد بينها وبين دول أوروبية عديدة، حيث أبدت ألمانيا رغبتها بالابتعاد عن تركيا وخصوصا عدم السماح لتركيا بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى إعلان هولندا سحب سفيرها من أنقرة وتوتر في العلاقات مع النمسا وغيرها. ورغم أن واقع الحال يؤكد أن فرص تركيا في الانضمام للاتحاد الأوروبي تتضاءل يوما بعد يوم، إلا أن بيدر يرى أن تحركات الدول الأوروبية لا تساهم في تحسين الوضع في تركيا بل تصب في مصلحة الحكومة والرئيس، لأن أردوغان سيوظف تلك الإجراءات الأوروبية عبر خطاباته الشعبوية، مؤكدا أن كل التطورات التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة تشير إلى أن تركيا دخلت مرحلة تفكك “مفاهيم الجمهورية التركية الديمقراطية” والانتقال إلى دولة الرجل الواحد.

معركة طويلة

عن توقعاته عن مستقبل الأوضاع في تركيا خاصة مع وجود انتخابات قادمة في العام 2019، قال بيدر إن حزب العدالة والتنمية ماض في توسيع قاعدة النفوذ رافق ذلك الصلاحيات الواسعة التي تم منحها للرئيس من خلال الاستفتاء الدستوري، وكل ذلك يمنح فرصة كبيرة للحزب الحاكم في التغلب على الخصوم السياسيين.

واعتبر بيدر أن نجاح حزب الشعوب الديمقراطي ذي التوجه الكردي في الانتخابات السابقة ودخول البرلمان شكل ضربة كبيرة لأردوغان وحزبه.

ولكن بعد فترة تم امتصاص هذه الصدمة وبدأ أردوغان بقمع أعضاء هذا الحزب. وما معركة غصن الزيتون التي تخوضها القوات التركية في مدينة عفرين السورية إلا جزء من معركة داخلية ضد الأكراد.

ويعتقد بيدر أن عملية عفرين ستساعد أردوغان للبقاء في السلطة أكثر عبر إعلان حالة حرب ستعطيه المزيد من القوة مقابل إضعاف السلطات التشريعية وجعل كل ذلك في خدمة رفع شعبيته عبر الحديث للإعلام عن انتصارات وهمية في معركة عفرين.

وحذر من أن الصراع مع الأكراد الذي انتقل إلى الخارج من خلال التوغل في شمال سوريا عسكريا مرشح لأن يتحول إلى أزمة من المستبعد أن تكون قصيرة الأجل كما تصرح بذلك الحكومة التركية، بل إنه صراع عسكري مرشح أن يمتد لزمن أطول ستنتهي معه تركيا تلك الدولة التي صعدت على أنقاض الإمبراطورية العثمانية واختطت لنفسها سياسة مبدؤها “صفر مشاكل” مع الجيران.

7