البرلمان التونسي يحقق في تصنيف بلاده ملاذا ضريبيا

لجنة برلمانية تتعهد بمحاسبة المسؤولين عن تصنيفات اللائحة السوداء، وضعف الإمكانيات والمصالح الحزبية يعيقان التقصي.
الخميس 2018/04/19
تونس قادرة على استعادة ألقها وتحسين صورتها بالخارج

تونس – أعلن مجلس نواب الشعب (البرلمان) في تونس عن تكليفه لجنة تحقيق برلمانية جديدة تدرس تصنيف تونس ملاذا ضريبيا من قبل الاتحاد الأوروبي. وأكد رئيس البرلمان محمد الناصر، الثلاثاء، أن اللجنة وظيفتها رقابية بالأساس وستباشر أشغالها في آجال قريبة. ويترأس اللجنة النائب عن حركة النهضة محمد بن سالم، ويضطلع النائب رياض جعيدان بخطة نائب الرئيس مع ثلاثة مقررين هم لمياء المليح ومروان فلفال وليلى الوسلاتي بوصلاح.

وتهدف اللجنة إلى التحقيق في أسباب تصنيف تونس كملاذ ضريبي من قبل مجلس وزراء مالية الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي، رغم سحب الاتحاد هذا التصنيف يناير الماضي عقب موجة احتجاجات رسمية وجهود دبلوماسية وجدل محلي.

أوضح محمد بن سالم رئيس اللجنة لـ“العرب” أن “مهمتنا الرئيسية التقصي في ظروف الداخلية لهذا التصنيف ومحاسبة المسؤولين عن تشويه سمعة البلاد”. وحسب بن سالم ستقوم اللجنة بتوجيه رسائل إلى جميع الجهات المتداخلة في هذا الملف، التي لها علاقة مباشرة به، وهي وزارة المالية والبنك المركزي ولجنة التحاليل المالية ورئاسة الحكومة، وسيتمّ طلب المراسلات التي تملكها سواء التي أرسلها الاتحاد الأوروبي أو المرسلة من تونس.

وسيتمّ الاستماع إلى بعض المنظمات على غرار الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية (منظمة أرباب العمل) لكن ليس بصفة إلزامية، بوصفها متضرّرة من هذه التصنيفات، كما سيتمّ الاستماع إلى كل من له رؤية في هذا الخصوص أو له معطيات يريد أن ينير بها الرأي العام أو يساعد بها اللجنة في أعمالها مثل منظمات المجتمع المدني والخبراء.

واعتبر بن سالم أن تقصي حقيقة التصنيفات ليست مهمة حكومية فقط بل مسألة تهم كل التونسيين. وعلق بقوله “نحن في نظام شبه برلماني ويجب أن تتكاتف الجهود لمعرفة من المسؤول المباشر ومحاكمته علنا”.

عماد الخميري: التونسيون لا يثقون كثيرا باللجان البرلمانية بسبب التباطؤ في عملها
عماد الخميري: التونسيون لا يثقون كثيرا باللجان البرلمانية بسبب التباطؤ في عملها

وأشار إلى أن ما يميز عمل اللجنة أنها لا تخضع للتجاذب السياسي كحال لجان تحقيق برلمانية أو تبادل للاتهامات بين النواب. وأردف “ما يهمنا هو محاسبة من أضر بسمعة تونس”. وتوقع بن سالم أن تتوسع صلاحيات اللجنة للتحقيق في بقية التصنيفات الأخرى الخاصة بالإرهاب وغسيل الأموال.

ويسمح الفصل 59 من الدستور التونسي، للبرلمان بتكوين لجان تحقيق برلمانية في حين ينص الفصل 97 من النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب على أنه بإمكان المجلس النيابي إحداث لجان تحقيق بطلب من ربع الأعضاء على الأقل.

ويتساءل مراقبون عن قدرة اللجان البرلمانية في كشف حقائق هذه التصنيفات وتجاوز الاتهامات التي تضر بصورة البلاد ومحاولات إنعاش الاقتصاد ومناخ الاستثمار، خاصة أن دورها لم يتجاوز إطار التشاور والرقابة ولم يفرز في أحسن أحواله غير مقررات لم تنجح في ترك الأثر الذي تعهدت به.

ويعتقد هؤلاء أن عوائق عديدة تقف أمام مهام هذه اللجان أبرزها المصالح الحزبية وخضوع مثل هذه الملفات تحت سيطرة الأحزاب الحاكمة المُهيمنة على تركيبة اللجنة البرلمانية، الأمر الذي يحدث انقسامات بين أعضاء اللجان، وهو ما اعتبره بعض نواب المعارضة في تصريحات سابقة لوسائل إعلام محلية “أحد الأسباب التي تؤدي إلى تقييد أعمالها وتكبيلها”. ويذهب العديد من النواب إلى أن فشل لجان التحقيق البرلمانية يعود إلى غياب قانون ينظمها ويحدد صلاحياتها الرقابية. في حين يرى نواب من الكتل المعارضة أن فشل لجان التحقيق البرلمانية يتجاوز تحديد صلاحياتها القانونية، ويعود أساسا إلى عدم قبول الكتل البرلمانية الحاكمة بمبدأ الرقابة والشفافية وسعيها إلى السيطرة على كامل الفضاء السياسي، من خلال هيمنتها على تركيبة لجان التحقيق، التي عادة ما تكون موجهة للبحث في شبهات فساد مالي وإداري تورط فيها مسؤولون في الحكومة والأحزاب الحاكمة.

وأشار عماد الخميري القيادي بحركة النهضة لـ”العرب” إلى أن  “التونسيين لا يثقون كثيرا باللجان البرلمانية بسبب التباطؤ في عملها وأيضا المشهد البرلماني المتصدع الآونة الأخيرة”. ولفت إلى أن “ما يعيق عمل اللجان أيضا نقص الإمكانيات وأدوات العمل وضعف المستوى التنفيذي في بعض أجهزة الدولة”. وأضاف الخميري “البرلمان له دور رقابي وهو أمر مهم لكن يتطلب تفاعلا مع الحكومة”.

وتتزامن مع جهود البرلمان والحكومة للتخلص من تبعات تصنيف تونس ملاذا ضريبيا، جهود كفاءات تونسية خارج البلاد نددت بقرارات الاتحاد الأوروبي في حق تونس وقدموا حججا تدحض صحة هذه التصنيفات. وتقدم محامي تونس بدعوى قضائية لدى محكمة العدل الأوروبية للطعن في قرار البرلمان الأوروبي إدراج تونس ضمن القائمة السوداء للدول غير المتعاونة في مجال مكافحة الإرهاب وغسيل الأموال.

ويدفع المحامي التونسي في باريس حاتم الشلي المختص في القانون الدولي، بتعارض القرار الأوروبي مع اتفاقية الشراكة الموقعة بين تونس والاتحاد الأوروبي. وقال الشلي، لإذاعة محلية خاصة، الأربعاء، إن “المجلس الأوروبي خرق قواعد الاختصاص والتنازع المنصوص عليها، من عقد الشراكة المبرم بين الاتحاد الأوروبي وتونس والممضى منذ عام 1995 ومازال حيز التنفيذ”. وأوضح المحامي أن المجلس الأوروبي خرق أيضا مبدأ “علوية” المعاهدات والاتفاقيات الدولية لتعارضها الصريح مع القرار المطعون فيه.

وكان نواب البرلمان الأوروبي صوتوا في فبراير الماضي لصالح قرار إدراج تونس ضمن القائمة السوداء للدول المعرضة بقوة لخطر تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. واعتمد المجلس في تصنيفه على تقييمات المجموعة الدولية للعمل المالي وانتقدت تونس هذا التصنيف لاعتماده على معطيات تعود إلى فترة ما قبل عام 2015.

وقال الشلي إن “المجلس الأوروبي لم يقم بتحديث المعطيات المرتبطة بالتقييم رغم أنه ملزم بذلك قانونا”. وتابع “تونس شريك للاتحاد الأوروبي وليس دولة عضو، على المجلس أن يحترم مبدأ السيادة الوطنية ومبدأ المعاملة بالمثل”.

ويتوقع أن تنظر المحكمة الأوروبية في طلب الدعوى وتحديد جلسة خلال أيام، بحسب المحامي. وتعهد البرلمان الأوروبي عقب التصنيف بمراجعة الإجراءات التي اتخذتها تونس لمكافحة الإرهاب وغسيل الأموال، لكن من غير المتوقع سحبها من القائمة قبل نهاية العام الجاري.

وتعرضت تونس إلى هجمات دموية منذ بدء انتقالها السياسي عام 2011، وتعد من بين الدول المشاركة في المجهود الدولي لمكافحة الإرهاب. وكان البرلمان المحلي صادق في 2015 على قانون جديد لمكافحة غسيل الأموال ومكافحة الإرهاب ليحل محل قانون سابق لقي انتقادات لتعارضه مع مبادئ حقوق الإنسان.

4