البرلمان التونسي يصادق أخيرا على قانون مكافحة العنف ضد المرأة

أقرّ البرلمان التونسي بالإجماع، مساء الأربعاء، مشروع قانون لمكافحة العنف ضد المرأة، في خطوة طال انتظارها، لما لهذا القانون من أثر على تعزيز حماية الضحايا واجتثاث احكام قانوينة اعتبرت رجعية.
الجمعة 2017/07/28
تشريع يلغي كل أشكال العنف

تونس - بعد طول نقاش وأخذ ورد صادق البرلمان التونسي على قانون يجرّم العنف ضد المرأة بإجماع النواب الحاضرين وعددهم 146 نائبا من أصل 217. وسارعت وزيرة المرأة والأسرة والطفولة نزيهة العبيدي إلى الترحيب بإقرار التشريع الجديد، وقالت “هذه لحظة مؤثرة جدا ونحن في تونس فخورون بأننا استطعنا الالتفاف حول مشروع تاريخي".

ويرمي القانون الذي سيدخل حيّز التنفيذ بعد ستة أشهر من نشره في الجريدة الرسمية إلى “القضاء على كل أشكال العنف ضد النساء”.

بدورها رحبت النائبة بشرى بلحاج حميدة بإقرار مشروع القانون، مؤكدة أن التشريع الجديد يرسي “الاعتراف بكل أشكال العنف (الجسدي والمعنوي والجنسي…). ما يستنتج من روح القانون أن أعمال العنف لم تعد مسألة خاصة. إنها مسألة باتت تهم الدولة والدليل هو أن سحب الدعوى لم يعد يوقف التعقبات”.

وينص القانون على منح الضحايا مساعدة قضائية ونفسية ويفرض برامج محددة من أجل زرع “مبادئ القوانين الإنسانية والمساواة بين الجنسين” في المناهج التعليمية.

كما يعدّل القانون الجديد الفصل 227 مكرر من القانون الجزائي بإلغائه لبند مثير للجدل يسقط التعقبات عن “كل من واقع أنثى دون عنف سنها دون 15 عاما كاملة” في حال تزوجها.

ونصّ الدستور الجديد الذي تم إقراره في 2014 على أن “المواطنين والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات”. ومنذ 1956 يمنع القانون التونسي تعدد الزوجات ويمنح المرأة حق تطليق زوجها والمساواة في العمل وفي المجال السياسي، لكن لا تزال هناك البعض من الثغرات التمييزية.

وقال رئيس لجنة الحقوق والحريات والعلاقات الخارجية التي تعهدت بمشروع القانون، عماد الخميري، إن هذا القانون من شأنه أن يدعم أركان الجمهورية التونسية، وسيكون خير هدية للمرأة التونسية في عيدها الوطني في 13 أغسطس المقبل، مثمنا الجهود الكبيرة التي بذلتها نساء المجلس من مختلف الكتل من أجل أن يرى هذا القانون النور في شكله الحالي.

قانون يهدف إلى وضع التدابير الكفيلة بالقضاء على كل أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي من أجل تحقيق المساواة

وقبل التصويت على مشروع القانون برمّته، طالب نواب عن كتلة الجبهة الشعبية وآفاق تونس وكتلة الحرة، بالترفيع في سن الأهلية الجنسية للفتيات إلى 16 سنة عوضا عن 13 سنة المنصوص عليها حاليا في الفصل 227 مكرر من المجلة الجزائية، معتبرين أن الإبقاء على هذه السن جريمة في حق الطفولة وهو يشرّع، بحسب قولهم، لجريمة اغتصاب الأطفال.

وعبّر النواب الممثلون لكتل “نداء تونس” و”النهضة” و”الوطني الحر” و”الديمقراطية” و”الوطنية” و”المستقلون”، عن مساندتهم المطلقة للترفيع في سن الأهلية الجنسية إلى 16 سنة، معتبرين أن عدم التصويت على تعديله كان من باب الحرص على التوافق ولعدم تعطيل تمرير مشروع القانون، بالنسبة إلى كتلة حركة النهضة، ومن باب السهو والخطأ الذي من الواجب إصلاحه، بالنسبة إلى بقية الكتل.

وطالب ممثلو هذه الكتل وزيرة المرأة والأسرة والطفولة، بصفتها جهة المبادرة، بتقديم مقترحات التعديل على الفصل 15 ليتولى النواب التصويت عليها لاحقا، وهو ما استجابت له الوزيرة.

ويهدف مشروع القانون إلى وضع التدابير الكفيلة بالقضاء على كل أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي من أجل تحقيق المساواة، واحترام الكرامة الإنسانية، وذلك باتباع مقاربة شاملة تقوم على التصدي لمختلف أشكاله بالوقاية وتتبع مرتكبيه ومعاقبتهم وحماية الضحايا والتعهد بهم.

جدير بالذكر أن البرلمان التونسي حاصر ظاهرة تشغيل الطفلات في المنازل، بعدما صوّت بالإيجاب على فصل جاء في مشروع القانون الأساسي المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، ونص الفصل 19 أنه يعاقب بالسجن من “ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر وبخطية من 2000 دينار إلى 5 آلاف دينار كل من يتعمد تشغيل الأطفال كعملة منازل”، و”يسلط نفس العقاب المذكور بالفقرة المتقدّمة على كل من يتوسط لتشغيل الأطفال كعملة منازل”، كما تضاعف العقوبة في حالة العود، وتعدّ المحاولة موجبة للعقاب.

وصوّت 135 نائبا على الفصل، وتحفظ عليه نائب واحد، ولم يرفضه أيّ نائب، لتكون تونس بذلك أوّل دولة مغاربية تمنع نهائيا تشغيل من هم أقلّ من 18 سنة في المنازل، إذ تعرّف مجلة حقوق الطفل في تونس هذا الأخير بأنه “كل إنسان عمره أقلّ من 18 عاما، ما لم يبلغ سن الرشد بمقتضى أحكام خاصة".

ويعطي قانون عمال المنازل للأشخاص الحق في تشغيل أطفال ما بين سن 16 و18، وهو ما لم يعد متاحا مع الفصل الجديد الذي منع هذه الإمكانية بشكل نهائي، وهو ثاني تعديل يطرأ على سن تشغيل الأطفال بالعمالة المنزلية في تاريخ تونس بعد الاستقلال، إذ كان المنع محصورا في من هم أقل من 14 عاما في قانون 1965، ثم تغيّرت السن في تعديل عام 2005 إلى 16 عاما.

يشار إلى أن صورا صادمة لطفلة صغيرة بأحد الفضاءات التجارية بجهة المرسى تحمل أكياسا ثقيلة الوزن بجانب امرأة تبين أنها مشغلتها تداولها رواد مواقع التواصل الاجتماعي هزت الرأي العام في تونس وأثارت قضية تشغيل الأطفال في المنازل من جديد.

وقال نشطاء إن المرأة كثيراً ما كانت تزور المركّب التجاري وتصطحب تلك الطفلة معها لتحمل في كل مرة الأكياس الثقيلة. وأكد مهيار حمادي، مندوب عام الطفولة، إن الطفلة من إحدى محافظات الوسط التونسي، وما زالت تواصل دراستها، “إلا أن عائلتها تقوم باستغلالها في العطل المدرسية لتعمل في المنازل مقابل الحصول على أجر مالي”.

كما أكد أن العديد من التقارير كشفت أن تشغيل الفتيات القاصرات كخادمات أصبح تجارة تمتهنها شبكة من الوسطاء خاصة في محافظات الشمال الغربي. وتمنع الفتيات في الأرياف من الدراسة بسبب ظروف أسرهن القاسية وتقوم بإرسالهن إلى العاصمة للعمل كخادمات مقابل أجر شهري تتسلمه العائلة.

وتوصلت دراسة أجرتها جمعية النساء التونسيات من أجل التنمية إلى أن هناك 20 ألف خادمة قاصر في تونس. إلا أن دراسة للاتحاد العام التونسي للشغل أكدت أن عددهن في حدود 40 ألفا.

21