البرلمان الجزائري والتمثيل الزائف للشعب

الخميس 2014/12/11

خلال الأسبوع الماضي طلب عدد من أعضاء البرلمان، في المجلس الشعبي الوطني الجزائري، رفع سقف مرتباتهم، ومنحهم جوازات سفر دبلوماسية، فضلا عن امتيازات أخرى. وفي الواقع فإن المراقب للشأن الجزائري يلاحظ أن الصراع بين أعضاء البرلمان وأعضاء مجلس الأمة من جهة، وبين أعضاء السلك الدبلوماسي، والوزراء في الحكومة التنفيذية، والموظفين السامين في المؤسسات المركزية الكبرى من جهة أخرى، لا علاقة له بالمواطنين وحقوقهم بل إنه صراع داخل بيت السلطة من أجل انفراد هؤلاء بحصة الأسد من ريع النفط والغاز.

لاشك أن هؤلاء المتصارعين لم يقدموا شيئا ملموسا للحياة السياسية والقانونية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والاجتماعية لصالح الشرائح الشعبية المتوسطة والدنيا التي تشكل أغلبية المجتمع، كما أنهم بهذا السلوك السلبي لا يمثلون الشعب الجزائري المفقر الذي يتفرج منذ سنوات طويلة على بذخ حياتهم المخملية من بعيد، وهو غارق في الأزمات المتنوعة والمركبة وفي مقدمتها أزمة الرغيف، والسكن، والبطالة، والعنوسة، وتدني المرتبات التي لا تسمن ولا تغني من مسغبة. من المعروف أن أعضاء البرلمان الجزائري (الغرفة الأولى) أو أعضاء مجلس الأمة (الغرفة الثانية) ينقسمون إلى صنفين؛ المنتخبون بنسبة ثلثي العدد الإجمالي، والمعينون بمرسوم من طرف رئيس الدولة في إطار الثلث الرئاسي الذي يخوله له الدستور المفصل حسب مقاسه.

إن أغلب الأعضاء المنتخبين في البرلمان أو في مجلس الأمة ينتمون إلى الأحزاب وفي المقدمة أحزاب الموالاة التي تسبّح بحمد النظام الحاكم، في حين أن تعداد الأعضاء المستقلين مجهري ولا يشكَل ظاهرة برلمانية لها قيمة.

في هذا السياق تحضرني حكاية رواها لي وزير جزائري سابق عن برلماني جزائري يمثل نموذجا عاما ومكررا. هذه الحكاية تشير إلى المستوى الثقافي والسياسي المتدني للسيناتور في مجلس الأمة، وللبرلماني في المجلس الشعبي الوطني الجزائريين، عدا استثناءات قليلة وشاذة. تقول هذه الحكاية أن برلمانيا جزائريا في عهد الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، لم يكن يعرف اللغة الفرنسية إطلاقا، ولكنه كان مولعا بشراء جريدة لوموند الفرنسية باستمرار وبممارسة طقوس فتح صفحاتها بالمقلوب وهو يتناول فنجان قهوة في مقهى “ميلك بار” المحاذي لتمثال الأمير عبد القادر الجزائري.

في إحدى المرات شاهد أحد المواطنين “المفرنسين” هذا المنظر يتكرر أمامه فأخذ يراقب ذلك البرلماني وهو ينتقل من صفحة إلى أخرى ببطء على نحو يوهم الناس أنه غارق في فك شفرات المقالة، أو فحص ذاك الخبر. وما زاد الطين بلة هو أن ذلك البرلماني الأمي كان يضع سبابته على السطر أو الجملة ثم يطلق ضحكة عالية مديرا ظهره لزبائن المقهى. اقترب منه ذلك المفرنس ثم سلم عليه بهدوء ونبَهه أنه كان يقرأ الجريدة الفرنسية بالمقلوب فردَ بتلقائية: “أفعل هذا لسبب وجيه وهو أنه لو لم تكن الدنيا مقلوبة لما أصبحتُ عضوا في البرلمان”.

هذه الحكاية تلخص عقم الحياة السياسية الجزائرية، كما تفضح الواقع المزري لكل من البرلمان ومجلس الأمة الجزائريين، وفضلا عن ذلك فإن هذه الحكاية تقدم لنا صورة حقيقية عن رفض هاتين المؤسستين، ومعهما المؤسسة الدستورية، فتح المجال أمام العناصر القيادية المثقفة والوطنية ذات الكفاءة العالية والقادرة على تمثيل المواطنين بعيدا عن وصاية وإكراهات النظام الحاكم، والدفاع عن مصالحهم المشروعة. وهكذا فإن ما يسمى بنضال هؤلاء البرلمانيين وأعضاء مجلس الأمة لترقية رواتبهم، وللحصول على الامتيازات أمر يعني، في آخر المطاف، أن الشعب الجزائري ليس له من يمثله ويسهر على تحسين أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

لإبراز الشرخ الفاصل بين الشعب ومن يدعون بممثليه في البرلمان وفي مجلس الأمة فإنه ينبغي علينا القيام بإجراء مقارنة سريعة بين الدخل الشهري لعضو البرلمان، وبين أجور العمال التي تتراوح بين 1.5 و2.5 مليون سنتيم أي أقل من 100 أورو شهريا، أو بينها وبين أجور حملة الشهادات الجامعية العليا مثل الليسانس والماجستير والدكتوراه.

من يجري مثل هذه المقارنة يصاب فعلا بالذهول والرعب. وفقا للتقارير الرسمية فإن مرتب عضو البرلمان الشهري يقدر بـ35 مليون سنتيم، أما المنحة الشهرية التي تدخل في هذا المرتب فمقدارها 12 مليون سنتيم وهي مخصصة لإيجار السكن، وإضافة إلى هذا فإن عضو البرلمان يستفيد شهريا من 8 ملايين سنتيم لتغطية وجبات الأكل أثناء تواجده في دائرته الانتخابية، ومن 5 ملايين سنتيم لتغطية فاتورة مكالماته الهاتفية، فضلا عن الاستفادة من قروض دون فوائد تقدر بمبلغ 150 مليون سنتيم لشراء السيارة. أما منحة السفر المجانية إلى الخارج، التي يستفيد منها أعضاء البرلمان وأعضاء مجلس الأمة، فتتراوح بين 1500 أورو إلى 3000 أورو، في حين يُسمح للمواطن الجزائري المسافر إلى الخارج بتبديل ما يساوي 120 أورو مرة في السنة فقط، ويجب عليه أن يدفع بالدينار ما يقابل هذا المبلغ التافه من جيبه الخاص. أما معدل المرتب الشهري الذي يتقاضاه حملة شهادة الليسانس فيتراوح بين 4 و5 ملايين سنتيم، أما حملة الماجستير فتتراوح مرتباتهم بين 6 إلى 7 ملايين، في حين نجد الدخل الشهري لحامل شهادة الدكتوراه ايتراوح بين 10 إلى 14 مليون سنتيم.

بناء على هذه الأرقام، فإن النتيجة التي نخرج بها هي أنَ ممثلي الشعب الجزائري في البرلمان أو في مجلس الأمة هم في الحقيقة لا يمثلون سوى مصالحهم الخاصة، وجراء هذا فإنه لا علاقة لهم بالديمقراطية وبالعدالة.


كاتب جزائري

9