البرلمان العراقي والخدمة الجهادية

الاثنين 2014/02/10

لم يفلح البرلمان العراقي منذ دورته الأولى عام 2006 وإلى حد الآن في تلبية طموحات الشعب العراقي وتحقيق بعض أحلامه المتواضعة التي تحققها برلمانات الدول المجاورة للعراق لشعوبها على الرغم من نقص الجرعات الديمقراطية في هذه البلدان العربية والإسلامية التي تحيط بالعراق لكنها تبزّه كثيرا في مضمار الانتصاف للسواد الأعظم من الناس قبل التركيز على مصالح البرلمانيين الشخصية الضيقة.

لا يقتصر هذا الأداء المتردّي على الدورة الأخيرة للبرلمان العراقي الذي يرأسه السيد أسامة النجيفي، المرشح عن “القائمة الوطنية العراقية” وإنما يمتد إلى السيدين أياد السامرائي ومحمود المشهداني المُرشحَين عن “جبهة التوافق العراقية”، ولا نستثني السيد فؤاد معصوم عن “جبهة التحالف الكردستاني” الذي ترأس البرلمان لبضعة أشهر في عام 2010.

لابد من التذكير أن أول برلمان عراقي مُنتخب قد ظهر إلى الوجود في عام 1925، وهذا يعني، من بين ما يعنيه، أن العراق ليس حديث عهد بالتجربة الديمقراطية، وأن العراقيين مطلعون على أنماط الحكم الحديثة التي تقدّم مصالح الشعب، وخدماته اليومية على أية مصلحة شخصية أو حزبية لكن الذي حدث في الدورات الثلاث السابقة أن البرلمانيين العراقيين، مع وجود استثناءات نادرة ومحدودة، يقدمون مصالحهم الشخصية والحزبية على مصالح المواطنين قاطبة، بل إنهم كثيرا ما يغيظون الشعب العراقي ويستفزونه من خلال القوانين التي يصدرها البرلمان العراقي ولعل آخرها هو تصويت مجلس النواب في جلسته التاسعة بغالبية الأعضاء على قانون التقاعد الموحد الذي مرّروا من خلاله فقرة الخدمة الجهادية، كما هو دأبهم دائما في تمرير القوانين التي تتعلق برواتبهم وامتيازاتهم العجية الغريبة.

ما يزال التاريخ طريا ولم يتوغل بعيدا في الزمن حتى يمكن تزويره أو الالتفاف عليه. والعالم كله يعرف أن القوات الإنكلو – أميركية هي التي أسقطت النظام العراقي وفق الأجندة المعلنة أو الخفية لها، وهذا يعني أن كل الأحزاب الدينية والعلمانية المناوئة للنظام السابق لا تمتلك شرف الادعاء أنها أسقطت الدكتاتورية في العراق.

ولا ننكر بطبيعة الحال أن بعض الأحزاب المناهضة لسلطة صدام حسين الدكتاتورية كانت تؤرق النظام وتزعجه ببعض العمليات المسلحة هنا أو هناك لكنها لم تستطع هزّ أركانه أو تقويضه. فمن أين خرجت هذه الأحزاب الدينية التي نشأت وترعرعت في إيران وسوريا وبعض المنافي الأوروبية بصرعة “الخدمة الجهادية”؟ وأين هي سوح الجهاد التي قاتلت فيها هذه الأحزاب الدينية التي تركت العراق في أول مخاض عسير لها مع النظام الحاكم بغية الوصول إلى السلطة لتحقيق مآربها الشخصية والحزبية في أفضل الأحوال؟

يعرف العراقيون جيدا أن الأحزاب الكردية قد تمردت على الحكومة المركزية ببغداد وقاتلته على مدى سنوات طويلة في إقليم كردستان الذي استضاف بدوره أنصار الحزب الشيوعي العراقي الذين قاتلوا النظام السابق جنبا إلى جنب مع البيشمركـة الكرد. أما الأحزاب الدينية التي غادرت العراق إلى إيران وسوريا وبعض الدول الأوروبية، أو التي نشأت هناك وتجحفلت مع القطعات الأميركية والبريطانية أثناء الهجوم العسكري على العراق واحتلاله، فقد كانت موزعة في المنافي العالمية. أي أنهم لم يعانوا من شظف العيش في ظل سنوات الحصار الظالم على الشعب العراقي، لأن الحصار استهدف الشعب ولم يستهدف رموز السلطة، كما أنهم لم يعيشوا في ظل الحروب المتتابعة التي شنّها النظام السابق أو شُنّت عليه. لذلك فإن كلمة “المنافي” تعني للعراقيين قاطبة الأمن والأمان، والعيش المرّفه والرغيد، والضمان المالي والصحي والاجتماعي وما إلى ذلك. أي أن كلمة “الجهاد” لا تصمد أبدا أمام تصورات العراقيين الذين يعانون من حروب متعددة وحصار طويل. ثم إن هذه الكلمة السلفية لا تنسجم مع قناعات الأحزاب العلمانية والليبرالية واليسارية التي تؤمن بالحاضر ولا تفضّل العيش في الماضي البعيد كما يفعل السلفيون الذين يتصورون أنفسهم يقاتلون بالسيوف والرماح التي ذهبت إلى المتاحف أو طواها النسيان.

إن من يتابع شبكات التواصل الاجتماعي سيرى حجم السخرية التي أبداها العراقيون تجاه برلمانييهم الذين كانوا “يجاهدون” في العواصم الأوروبية على وجه التحديد، وقد أظهرت هذه الشبكات البعض منهم وهو منهمك في أعماله اليومية في المطاعم والمحلات التجارية و”بسْطات الأرصفة”، التي لا نعترض عليها ولا نقلّل من شأنها، لكننا نسأل بمرارة عن طبيعة “الخدمة الجهادية” التي كانوا يؤدونها تجاه الوطن، وكيف مرّروا هذه الفقرة التي ستنهب المال العام؟ ألم يكفِهم النهب المقنن لأموال العراقيين وثرواتهم؟ ألا تكتفي الرئاسات الثلاث، والوزراء، وأعضاء البرلمان، وذوي الدرجات الخاصة بالرواتب الفلكية التي يتقاضونها كي يطالبوا بالخدمة الجهادية؟ ألم تكفِهم السيارات المصفحة التي تكلف خزينة الدولة أموالا طائلة كل يوم؟ ألم تكفِهم قطع الأراضي التي استولوا عليها على ضفاف نهر دجلة؟ ألم تملأ عيونهم الشرهة بيوت المنطقة الخضراء وحي القادسية والقصور التابعة لمسؤولي النظام السابق التي احتلوها جهارا نهارا دون أن يدفعوا للدولة حتى إيجارات رمزية تخفف بعضا من غليان الشعب العراقي الذي تحمّل كثيرا وربما ينفجر ذات يوم فلقد طفح الكأس وبلغ السيل الزُبى.

إن المجاهدين الحقيقيين هم أبناء الشعب العراقي الذين رابطوا في مدنهم وقراهم وتحملوا كل الفواجع والمحن التي ألمّت بهم وبوطنهم آخذين بنظر الاعتبار أن الانتخابات البرلمانية على الأبواب ولم يبقَ لها سوى ثمانين يوما وأن العراقيين الأصلاء الذين يحبون وطنهم لن ينتخبوا من صوّت على فقرة “الخدمة الجهادية” التي روّجت لها الأحزاب الدينية و”جيّرتها” لمصلحة أعضائها الذين لا يجدون حرجا في امتصاص ما تبقى من دماء العراقيين الذين ذاقوا الأمرّين في حقبة العراق الديمقراطي الجديد!


* كاتب عراقي

8