البرلمان العراقي يترنح تحت وقع فضائح الفساد

الفضيحة التي فجرها وزير الدفاع العراقي، ولا يزال البلد يعيش على وقع ارتداداتها، تستمد صداها المدوي من كونها تتعلّق بالبرلمان الذي يمثل جوهر وأساس النظام القائم في العراق وبـ”ديمقراطيته” الوهمية المسقطة من قبل الولايات المتحدة.
الثلاثاء 2016/08/09
الشعب مدرك لحقيقة البرلمان

بغداد - أعلنت لجنة النزاهة النيابية العراقية، الإثنين، قرارها إعادة استدعاء رئيس البرلمان سليم الجبوري، للمرّة الثانية في ظرف أقل من أسبوع وذلك لمساءلته بشأن معلومات وصفها رئيس اللّجنة طلال الزوبعي بالـ”جديدة والخطيرة”، وتوقّعت مصادر نيابية أن تتجاوز مجرّد قضايا الفساد المتهم بها الجبوري وعدد من أعضاء مجلس النواب من قبل وزير الدفاع خالد العبيدي إلى قضايا “تتعلق بالإرهاب وتمويله والتستر عليه”، وفق تعبير نائب بالبرلمان طلب عدم ذكر اسمه نظرا للحساسية العالية للقضية.

وتأتي هذه الخطوة ضمن سلسلة التداعيات والارتدادات التي لم تهدأ، منذ فجّر الوزير العبيدي “قنبلته” خلال جلسة استجـوابه أمام البـرلمان بـداية الشهـر الجاري باتهامه رئيس المجلس وعددا من الأعضاء بالتورط في ملفات فساد وبمحاولة ابتزازه والضغط عليه بهدف تحصيل مكاسب مادية من وراء عقود وصفقات تابعة لوزارة الدفاع.

وعدّت هذه الفضيحة، من قبل متابعين للشأن العراقي،”استثنائية” على الرغم من أنّ الكشف عن قضايا الفساد بات مألوفا لدى الرأي العام العراقي وجزءا من الأحداث اليومية الاعتيادية في البلد.

وبحسب المراقبين فإنّ اتهام الجبوري وعدد من نواب البرلمان بالفساد جاء ليتوج سلسلة من الهزات شهدها مجلس النواب العراقي طيلة الأشهر الماضية وضربت هيبته ومصداقيته في الصميم، وزعزعت مكانته كمحور للنظام القائم في البلاد، وكمدار لـ”الديمقراطية” التي أرستها الولايات المتحدة بشكل سطحي ومسقط.

وقضى مجلس النواب العراقي النصف الأوّل من دورته النيابية الحالية التي مدّتها أربع سنوات وتنتهي في 2018 موعد الانتخابات القادمة، في حالة أقرب إلى البطالة في ما يتعلّق بمهمته الأساسية المتمثلة في التشريع والرقابة على عمل السلطة التنفيذية.

ويذهب البعض حدّ التشكيك في قدرة المجلس على إنهاء ما بقي من فترته والاستمرار بالعمل في مثل هذه الأجواء المشحونة داخل المؤسسة وحولها.

ولا تزال العشرات من القوانين الهامة والمتعلقة بمسائل حيوية سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية على رفوف المجلس الذي عجز عن تمريرها بسبب شدّة الخلافات والمناكفات تحت قبّته، فيما نجح مؤخرا في تمرير قانون لم يتردّد عراقيون في وصفه بـ”السخيف والهامشي” يتعلّق بحظر حزب البعث الذي مضت 13 سنة على حلّه وملاحقة رموزه وسجن بعضهم وقتل البعض الآخر ومحاصرة الأقل درجة من منتسبيه وشلّ قدرتهم على ممارسة أي شكل من أشكال العمل السياسي.

وعلّق أحد المراقبين على الفضيحة التي تهزّ حاليا أركان البرلمان العراقي، وتخلخل بالنتيجة ركنا من أركان النظام القائم في البلد، بأنها أثبتت بما لم يعد يحتمل الشكّ أنّ قبة البرلمان تحولت إلى موضع لتصفية الحسابات الشخصية والحزبية، وحتى الطائفية، وحياكة المؤامرات وعقد الصفقات.

المجلس الذي عجز عن تمرير قوانين حيوية نجح فقط في تمرير قانون «سخيف وهامشي» يتعلق بحظر حزب البعث

وبحسب مراقبين، فإن النظام البرلماني في العراق ، لم يمكن منذ انطلاقه قائما على أساس ديمقراطي صحيح، بل كان دائما أشبه بساحة حرب، حل فيها الصراع بين الكتل السياسية محل الرغبة في التشريع والرقابة. ولم تكن التشريعات التي أقرها البرلمانيون عبر ثلاث دورات متتالية لتمس حياة الناس، بل كانت عبارة عن محاولات لتوجيه العملية السياسية، بما ينسجم وأفكار الكتل السياسية. وتبعا للكتلة الكبرى فقد كان البرلمان ملحقا دائما بالأحزاب الحاكمة ومدافعا عن أخطائها.

لذلك يبدو البرلمان اليوم في أشد حالات ضعفه، نتيجة لانهيار حالة التوافق النسبي بين كتل الطائفة الواحدة. وهو ما ظهر جليا قبل الأزمة الحالية من خلال مطالبة عدد من النواب بإقالة رئيس البرلمان.

واليوم يتعرض الرئيس نفسه لتهم الفساد، وسط رغبة الكتل السنية في رفع الغطاء عنه. وهو ما يعني أن التسويات التي ستمد حبل الإنقاذ إلى البرلمان ستأتي من خارجه، ولن تطيل عملية إنقاذ مرتجلة من عمر المجلس طويلا، ذلك لأن إسقاط البرلمان قد يشكل حلا بالنسبة إلى الحكومة العاجزة عن ملاحقة الفاسدين.

ويشهد مجلس النواب العراقي الذي يفترض أنه يشكل حجر الأساس في الحياة السياسية، حالة شلل بعد سلسلة من المشاكل كان آخرها اتهامات لرئيسه وبعض أعضائه بالفساد، ما عزز قناعة لدى الغالبية العظمى من العراقيين بعدم جدوى هذه المؤسسة التي يفترض أنّ لها دورا محوريا في تقرير مصير البلاد.

ودفعت اتهامات وزير الدفاع السلطات القضائية إلى منع سفر الجبوري واثنين من نواب البرلمان. وفي المقابل قدم الجبوري شكوى ضد العبيدي بتهمة التشهير والقذف.

ولم يتمكن البرلمان منذ بداية العام الجاري وعلى امتداد عدة أسابيع، من التوصل إلى اتفاق لدعم جهود رئيس الوزراء حيدر العبادي لتشكيل حكومة من وزراء تكنوقراط بسبب معارضة الأحزاب الكبيرة التي تسيطر على مقدرات البلاد. وشهد البرلمان حالة من الفوضى العارمة المتكررة وسط مطالب بالإصلاح. ووصل الأمر حدّ اعتصام العشرات من نوابه وخلافات بلغت حد المطالبة بإقالة رئيس المجلس ما دفع آخرين من أعضائه لرئاسة بعض جلساته بدلا عن الجبوري.

كما اقتحم متظاهرون إثر تفجر حالة من الغضب الجماهيري على أعضاء المجلس، المنطقة الخضراء حيث يقع البرلمان، وسيطروا على المبنى لعدة ساعات.

ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن زيد العلي الخبير الدستوري ومؤلف كتاب “الصراع على مستقبل العراق”، أن الثقة في البرلمان بلغت أدنى مستوى، مضيفا “العراقيون البسطاء يعتبرون المؤسسة نكتة”.

وما يرسخ تهاوي قيمة البرلمان لدى العراقيين، أنّ أزماته تزامنت مع الأزمات الأكثر خطورة التي يمر بها العراق في الوقت الحاضر، وكان ينتظر من البرلمان أن يلعب دورا في التصدي لها ومعالجتها.

ويخوض العراق حربا ضد تنظيم داعش، ويواجه أزمة مالية حادة جراء استشراء الفساد وانخفاض أسعار النفط.

ويرى العلي أن “مجلس النواب العراقي كان واحدا من أقل المؤسسات فاعلية منذ 2005”، قائلا “هذا الأمر يسبب مشكلة لأن دستور العراق أسّس لنظام برلماني ديقراطي، ووضع البرلمان في مركز جميع نشاطات الدولة”.

ويعمل نواب البرلمان وفقا لتوجهات أحزابهم السياسية والطائفية والقومية بدلا من السعي باتجاه وطني، الأمر الذي يخلق مشاكل للمجلس.

وأشار العلي إلى أنه “في القضايا الحيوية مثل الأمن، كان البرلمان غير قادر على تمرير أي تشريع تقريبا”. وأضاف أن “الإصلاح الواسع في العراق غير ممكن، لأن البرلمان مؤسسة ليست كفوءة”.

3