البرلمان العربي.. تعزيز الحوار بين الأديان سبيل لمحاصرة الكراهية

أصوات ومبادرات مشرقة في العالم العربي، تشخص أزمات التطرف وتعطي المعالجات الممكنة مثل ما أشارت إليه أخيرا كلمة رئيس البرلمان العربي أمام الجمعية العامة للاتحاد البرلماني الدولي، والتي تحدثت عن التحديات التي تستهدف إنسانية العالم، وتهدد السلم والتعايش بين الشعوب، وبادرت باقتراح حلول جوهرية متكئة إلى دراسات معمقة ذات هدف إنساني نبيل.
الخميس 2017/10/19
التعايش ليس مجرد صورة فوتوغرافية للذكرى

سانت بطرسبورغ - جاء في كلمة مشعل بن فهم السلمي، رئيس البرلمان العربي، أمام الدورة 137 للجمعية العامة للاتحاد البرلماني الدولي بسانت بطرسبورغ في روسيا منذ أيام قليلة أن الإجراءات التي تساهم في تعزيز الحوار بين الأديان والأعراق يجب أن تنطلق من فكرة تعزيز الحوار الداخلي بين الأطياف المختلفة داخل الدولة الواحدة.

هذه العبارة التي تضمنها خطاب رئيس البرلمان العربي تمثّل فكرة جوهرية ولبنة أساسية في بناء ما تنشده وتحتاج إليه شعوب كثيرة في هذا العالم الذي تهدده وتتربص به عواصف الكراهية وما تؤدي إليه من اقتتال وحروب تطهير عرقي وديني ومذهبي.

ولا بد من محاصرة موجات الكراهية ومعالجة أسبابها داخل إقليم الدولة الواحدة قبل أن تتسع وتتنقل وتكبر مثل بقعة زيت في محيط، وتمسي كارثة إقليمية ودولية يصعب محاصرتها بعد أن تتفاعل وتتحد معها مثيلاتها في الجوار، بل وفي أمكنة أخرى قصيّة عنها في الجغرافيا لكنها تقاربها في المرجعية ونمط التفكير، ذلك أن المتعصبين “عشيرة واحدة” كما قال أحد المحللين.

المثال الأوضح على ما نبّه إليه السلمي في كلمته أمام الجمعية العامة للاتحاد البرلماني الدولي، هو ما نشاهده اليوم ضد مكوّن الروهينغا المسلم في ميانمار، وما تتعرض له هذه الأقلية تطهير عرقي وديني ممنهج، واستمرار قتل المدنيين الأبرياء، وخاصة النساء والأطفال منهم وعلى مرأى ومسمع من العالم، الأمر الذي ينتج ردات فعل مضادة، تتجاوز التنديد والاستنكار نحو التجنيد والتجييش بدعوى الجهاد والانتقام لمسلمي الروهينغا، وهو ما حصل ويحصل فعلا عندما بدأت التنظيمات الإرهابية تمتطي المأساة الحاصلة في جنوب شرق آسيا لتنفيذ مشاريعها عبر كسب المؤيدين والمتعاطفين مع مسلمي بورما.

السلمي طالب بالتحرك العاجل والفوري لوقف هذه المجازر وتقديم مرتكبيها إلى محكمة الجنايات الدولية باعتبارها جرائم ضد الإنسانية، مدركا التداعيات الخطيرة على المجتمع الإنساني في حالة السكوت عن هذه الانتهاكات، وموقظا للضمائر الأخلاقية التي من دونها تفقد البشرية ذاتها وسبب وجودها وتواصلها.

النموذج الأكثر إشعاعا وإيجابية في هذا المجال هو"مركز الملك عبدالله العالمي للحوار بين أتباع الديانات والثقافات"

مأساة مسلمي الروهينغا أصبحت مزدوجة، وأخذت أبعادا موغلة في دراما الأحداث، ذلك أنها تعكس الوجه البشع لغياب التعايش وانتفاء قيم التسامح من جهة، وتكشف من جهة أخرى عن الوجه الأبشع للجماعات الإسلامية التي تستثمر في المأساة ليعاد تكريس وتعزيز الفكرة اليمينية القائلة بارتباط الإسلام بالعنف، وهكذا تقع شعوب العالمين العربي والإسلامي ضحية الكراهية، وفي كل الاتجاهات.

وهذا ما جعل رئيس البرلمان العربي يطلق مبادرته في سانت بطرسبورغ، والتي يدعو فيها إلى رفض ربط العنف والإرهاب بالدين الإسلامي واستنكار الإجراءات التمييزية ضد المسلمين. ولا يمكن أن يتم هذا إلا بتنسيق الجهود انطلاقا من البرلمان العربي بوصفه معبّرا عن السيادة الشعبية، والعمل على إيصال صوت العالم العربي برفض واستنكار هذا الإتهام الخاطئ وبيان ما يتميّز به الدين الإسلامي من سماحة وما يدعو إليه من تعارف بين أبناء البشر بغض النظر عن الدين أو العرق أو اللون.

واقترح السلمي، في هذا الإطار إنشاء آلية تنسيق دائمة بين رؤساء البرلمانات الإقليمية من خلال منتدى يحمل اسم “المنتدى الدولي للبرلمانات الإقليمية” ويعمل تحت مظلة الاتحاد البرلماني الدولي، يتم خلاله عقد اجتماع سنوي لرؤساء البرلمانات الإقليمية على هامش الجمعية العادية للاتحاد لتنسيق المواقف والتقريب بين الرؤى لجعل العمل البرلماني على درجة أكبر من التناغم حول القضايا التي يمكن تقريب وجهات النظر فيها، ويأتي التصدي للتطرف وازدراء الأديان على رأس أولوياتها بطبيعة الحال.

ولعل النموذج الأكثر إشعاعا وإيجابية في هذا المجال هو “مركز الملك عبدالله العالمي للحوار بين أتباع الديانات والثقافات”، وما يقوم به من جهود كبيرة لإيجاد قواسم مشتركة بين الأديان والثقافات المختلفة، والدعوة إلى التفاهم الإيجابي بين شعوب العالم لمستقبل عالمي أفضل. وقد أطلق المركز أخيرا منصة حوار بين أتباع الأديان والثقافات، بالإضافة إلى نشاطات مكثفة أخرى تهدف إلى نشر الوجه المشرق والحضاري للإسلام والمسلمين بدل تلك الصورة المشوّهة التي صنعتها العصابات التكفيرية واستثمرتها الأوساط اليمينية في أوروبا.

كلمة رئيس البرلمان العربي، التي أكد فيها أن الحوار بين الأديان والأعراق يعدّ عنصرا أساسيا في احترام التنوع وتشجيع السلام الدائم، وفقا للإعلان العالمي لليونسكو، جاءت متناغمة، ومتفاعلة أشد التفاعل مع بيان اختتام أعمال المنتدى الثاني لرؤساء المراكز الثقافية والجمعيات الإسلامية خارج العالم الإسلامي الذي عقدته المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة إيسيسكو، بالتعاون مع جمعية الدعوة الإسلامية في سنغافورة تحت عنوان “دور الجمعيات الإسلامية غير الحكومية في تعزيز ثقافة السلام: تحديات وآفاق”.

مأساة مسلمي الروهينغا مزدوجة، تعكس الوجه البشع لانتفاء التسامح، وتكشف عن الوجه الأبشع للجماعات الإسلامية

البيان دعا إلى وضع ميثاق أخلاقي مشترك بين أتباع الأديان يؤطر لمبادئ الحوار والسلم بما يخدم العيش المشترك والتعاون الإنساني والاحترام المتبادل.

وعمل المشاركون في الملتقى على إطلاق مبادرة “الشباب المسلم سفراء للسلام العالمي” والدعوة إلى اعتماد آلية الوساطة الثقافية لتعزيز الحوار والسلم بين الثقافات والحضارات، ونوهوا بالنتائج التي حققها “برنامج سفراء الإيسيسكو للنوايا الحسنة” عبر دعوته إلى احتضان مبادرة “الشباب المسلم سفراء للسلام العالمي” للاشتغال تحت مظلته والتنسيق معه.

وطلبوا من الإيسيسكو عقد أيام ثقافية تعريفية عن العالم الإسلامي في آسيا وأوروبا وأميركا بالتعاون مع المراكز الثقافية والجمعيات الإسلامية في هذه المناطق، وعقد أسبوع ثقافي لفائدة شباب الجامعات بالتعاون مع الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا وورشات الحوار مع أتباع الأديان في الجامعات الأوروبية لمساعدة طلبتها المسلمين الأجانب على الاندماج بالتعاون مع المنظمة العالمية للهجرة.

المنتدى الذي شارك في افتتاحه الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، محمد عبدالكريم العيسى ومحمد حسبي أبوبكر محيي الدين، رئيس جمعية الدعوة الإسلامية بسنغافورة وعدد من الشخصيات السياسية وأعضاء السلك الدبلوماسي، حث بيانه الختامي المنظمات الإسلامية غير الحكومية والقيادات الدينية على العمل المشترك عبر القنوات السلمية لإعادة الوئام والكرامة الإنسانية وتخفيف المعاناة الإنسانية للأفراد والجماعات المسلمة وغير المسلمة على حد سواء.

وعلى ضوء ما سبق من مبادرات وتوصيات، تزداد بوضوح أهمية قراءة ومقترح رئيس البرلمان العربي في ما يخص معالجة تفـاقم الكـراهية والعنصرية في العالم.

13