البرلمان الكيني يحقق نبوءة الروائي تشينوا أتشيبي

الأحد 2015/01/11
البرلمان الكيني ترجم رواية اتشيبي العجيبة إلى واقعة أعجب

لعله مشهد مألوف بعض الشيء في دول العالم الثالث، نزاع بين صفوة السياسة والأحزاب احتدم منذ أيام قليلة في البرلمان الكيني، غير أنه لم يكن مجرد تشاحن لفظي، وإنما لعنات أناركية ولطمات مخزية وتمزيق للملابس كشف عن عري مشرِّعي القوانين على مرأى من الجميع، فكان عاراً ومهانة قوميين أوقعا الحرج والإحباط في نفوس الكينيين.

وقد استدعت هذه المجريات الفوضوية بتفاصيلها الدقيقة، والمتطابقة تقريباً، وشخصياتها المنفلتة رواية النيجيري تشينوا أتشيبي الخالدة “رجل الشعب” (1966).

أتشيبي هو مؤسس الرواية الأفريقية الحديثة المكتوبة باللغة الإنكليزية ورائد من روّاد أدب ما بعد الاستعمار. تتناول رواياته الثلاث الأولى أفريقيا المستعمَرة، المحكومة بقبضة الرجل الأبيض وكذا القبيلة والعادة. وفي الرواية الرابعة “رجل الشعب” ننتقل إلى الستينات لنتعرف على دولة أفريقية وليدة لا اسم لها، وإنما مستقلة.

ومع أن القبيلة لم تزل وقتذاك جزءا لا يتجزأ من بنية المجتمع، فاز الناس أخيراً بحكومة لا يهيمن عليها الغزاة الأوروبيون. وبعد أربع سنوات لا غير من الاستقلال، بات المجتمع ينعم بهيئة قضائية وحكومية، هيئة عيَّنت رجالاً ما هم في الواقع إلا امتداد للإمبريالية.


شعب يتعرى


صار الشعب يحكم في رواية أتشيبي، بيد أبناء تعلقت عليهم آمال اتضح أنها واهية. لقد تعرى أمام ذاته، يقول البطل أوديلي في الرواية “مسكينة أيتها الأم السوداء، طال انتظارك حتى يكبر ابنك فيريحك ويعوضك عن شقاء سنوات المهانة والاحتقار، فيتضح في النهاية أن الابن الذي عقدت عليه كل هذه الآمال هو نانجا دون غيره”.

لم يبالغ أتشيبي حين أقحم فساداً متوغلاً – ومتى توغل بهذه السرعة؟ – في الدولة الناشئة. فقد رفعت السلطة القومية نانجا شبه الأميّ إلى مكانة وزير ثقافة، رجل ذاع صيته وضرب بيد من حديد كل مخالف. كان الغضب قد فاض بأتشيبي من فداحة الفساد بعد الاستقلال فأطلق عليه “الخداع التآمري المسمى بالاستقلال”، ويوحي في الرواية بأن الدهشة من تصرفات الساسة سذاجة وادعاء.

يتوالى المنظر الذي يماثل بغرابة شديدة ما شهده الكينيون مؤخراً، وفي النهاية يتراشق المؤيدون والرافضون الاتهامات بالعمالة والخيانة، ويتم اضطهاد الحلقة الأضعف


العنف المبجل

فوجئ الكينيون منذ أيام بسيرك حقيقي، وإن تجرَّد من أيّ تسلية، حين قدَّم ممثلو الشعب المحترمون عرضاً حافلاً بالعنف والفظاظة في البرلمان “المبجل” أثناء مناقشة قانون الأمن المقترح.

الحقيقة أن الكينيين ينظرون إلى البرلمان باعتباره مكاناً سيء السمعة، ويسمونه “بالمبجل” على سبيل الاستهزاء.

في رواية “رجل الشعب” تهبط الأسعار في سوق القهوة، فيقترح وزير المالية حلاً لإنقاذ المزارعين من حفرة العوز، ولكن المصلحة تقتضي ألا يقتطع البرلمانيون من ميزانية الدولة المسلوبة من أجل خاطر الفلاح، فيسارعون بتأييد طباعة المزيد من الأموال.

يُخرسون وزير المالية بصرخاتهم وسبابهم في البرلمان، يُلوّحون بلا كابح، يهتاجون اهتياج “قطيع من الكلاب” كما يصفهم راوي أتشيبي. ولن نحيد عن الصواب إن وصفنا برلمانيي اليوم مثلما وصف الراوي البرلماني نانجا، “تصبب العرق على وجهه وهو يهبّ ليقاطع أو يجلس مرة أخرى ليقاسم الضباع الجائعة ضحكها الساخر”.

يتوالى المنظر الذي يماثل بغرابة شديدة ما شهده الكينيون مؤخراً، وفي النهاية يتراشق المؤيدون والرافضون الاتهامات بالعمالة والخيانة، ويتم اضطهاد الحلقة الأضعف.

وبينما جسَّد أتشيبي الانتهازية السياسية في صورة نانجا من ناحية، والمثالية في صورة الشاب أوديلي من ناحية أخرى – مثالية سرعان ما ستتلوث – لم ينبئ عرض البرلمان على أرض الواقع عن أيّ براءة، إذ ما لبث أن انزلق مباشرة إلى نهاية الرواية بما فيها من غواية بمظاهر البذخ والترف التي يعيشها كبار المسؤولين، وبعدها الانحدار المدوي إلى هاوية العنف والاقتتال.

نسميها “براءة” لأن الراوي أطلق عليها “براءة”، هي في حقيقة الأمر بلاهة، فالشاب يستميله التغريب وينساق إلى الوعود بالسفر إلى أوروبا، قارة المستعمر السابق، بكل ما يعكسه ذلك من تبعية واحتقار للذات. كما يضع ثقته في بداية مسيرته في سياسي منحل ينبذ القيم، وحتى إن صلحت النوايا، فالطريق ممهد بالرشاوى واستغلال النفوذ.

أحداث روائية كتبها أتشيبي جعلتها النخبة الفاسدة واقعا قائما


مرآة الواقع

انصب نقد راوي “رجل الشعب” في مستهل عهده السياسي على استغلال الأزمات السياسية، وعلى مسرح البرلمان شهدنا تجلياتها في العراك الواقعي، ومثلما هو حال برلمان اليوم، أزاح أبطال أتشيبي الضعيف من الساحة السياسية بالتلفيق وتشويه السمعة. ولو عدنا إلى المعركة الانتخابية التي جرت وفاز فيها هؤلاء البرلمانيون، سوف يتطابق ما فيها من تحرشات وصدامات واعتداءات مع انتخابات “رجل الشعب”. ولن يتعذر علينا حقاً التعرف على نموذج نانجا في عدد لا بأس به من ممثلي الشعب الكيني ممن تراشقوا بالألفاظ وتراموا بكل ما بلَغته أيديهم.

كان ساسة أتشيبي ممثلين حقاً، وإنما ممثلون عن النهب والنفعية وشهوة السلطة والتسلق على حساب الجموع. وشأنها شأن شرير الرواية رفعت النخبة الحاكمة الكينية شعار، “اسرق ودع غيرك يسرق”. وصلت فضائحهم إلى كل مسمع، وترامت أنباء تنافسهم على النساء إلى كل مواطن، الحزب الحاكم والمعارضون على حد سواء. اللافت أن موقف الإعلام الكيني لم يختلف عن إعلاميي “رجل الشعب”، إذ لم يعمدوا إلى التحليل والنقد، وإنما توخوا المواقف الموائمة وتصفية الحسابات وتواطأوا مع مراكز القوى.

يشير أحد أبطال الرواية بنبرات الاستهجان إلى أنه لن يترك “مصيرنا ومصير أفريقيا في يد الطبقة المُهجنَّة من المثقفين المتحذلقين المتعلّمين في الغرب ممن لا يترددون في بيع أمهاتهم في سبيل طبق من حساء الخضر باللحم”، وكنموذج من هذه النماذج نرى السياسيين الكينيين على شاشة التليفزيون يعضّون حرفياً بعضهم بعضاً كآكلي لحوم البشر!

يدين أتشيبي في أيقونة الهجاء اللاذعة “رجل الشعب” الاستغلال السياسي، وقد تزامن نشر الرواية مع وقوع انقلاب عسكري أطاح بالحكومة النيجيرية في يناير عام 1966 مما أثار الريبة في عقول بعض الضباط العسكريين ممن حسبوا أن أتشيبي ربما شارك في التخطيط للانقلاب، ولكنهم لم يقعوا أبداً على دليل يفضي إلى هذا الظن، فأفلت أتشيبي بروايته وسلامته إلى أن تجلَّت مؤخراً بتفاصيلها البارعة وكأنما خطها كاتب سيناريو أو مستشرف للمستقبل، وللمرة الثانية يصبح أتشيبي عرافاً.

13