البرلمان اللبناني يصادق على قانون الطوارئ "المثير للجدل"

مخاوف من التضييق على الحراك الرافض لإعادة تعويم القوى السياسية الحالية.
الجمعة 2020/08/14
حراك يواجه المزيد من التحديات

قانون الطوارئ الذي تمت المصادقة عليه من قبل البرلمان اللبناني، ويمنح صلاحيات واسعة للجيش يثير قلق النشطاء من وجود نوايا لضرب حراكهم لاسيما في ظل توجهات دولية لإعادة تعويم الطبقة السياسية الحالية.

بيروت - صادق البرلمان اللبناني الخميس على حالة الطوارئ التي أعلنتها الحكومة لأسبوعين في بيروت عقب الانفجار المدمر لمرفأ بيروت، في خطوة تثير خشية نشطاء ومنظمات حقوقية مما قد تتضمنه من تضييق على الحريات خصوصا الحق في التظاهر.

وعقب الانفجار الذي تسبّب في مقتل أكثر من 171 قتيلا وإصابة أكثر من 6500 آخرين، عدا عن مفقودين، شهد لبنان احتجاجات اتخذت صبغة عنيفة في بعض الأحيان تمثلت في اقتحامات مقارات وزارية، ورشق القوى الأمنية بالحجارة والمفرقعات.

ويطالب المحتجون الغاضبون بمحاسبة المسؤولين عن الانفجار الناجم عن آلاف الأطنان من نترات الأمونيا المخزنة بطريقة غير سليمة منذ العام 2014 في أحد المستودعات بمرفأ بيروت. ويدعو النشطاء إلى وجوب كنس كل الطبقة السياسية المتحكمة في المشهد اللبناني التي يحملونها المسؤولية عن الانفجار وعن الأزمة الاقتصادية والمالية التي تعصف بالبلاد منذ أشهر جراء الهدر والفساد والإهمال.

وفي الكواليس، تتكثّف الاتصالات السياسية في محاولة للاتفاق على هوية رئيس الحكومة المقبل، قبل أن يبادر رئيس الجمهورية ميشال عون إلى تحديد موعد للاستشارات الملزمة مع الكتل النيابية.

وصادق البرلمان الخميس على إعلان حالة الطوارئ في بيروت لمدة أسبوعين. وكانت الحكومة أعلنت غداة الانفجار حالة الطوارئ في بيروت حتى 18 أغسطس، من دون إقرارها في البرلمان. ويمكن للحكومة، وفق القانون، إعلان الطوارئ لثمانية أيام فقط بينما يتوجّب عليها الحصول على موافقة البرلمان في حال تجاوز هذه المدة.

ولم يتضح ما إذا كانت مصادقة البرلمان تعني بدء نفاذها من اليوم، أم ستُحتسب ضمنها الأيام السابقة منذ الخامس من أغسطس.

وقال مصدر عسكري إنّ “حالة الطوارئ سارية منذ أن أعلنتها الحكومة” وهي تعني عمليا “وضع القوى العسكرية كافة تحت إمرة الجيش من أجل توحيد المهمات وتنظيم مرحلة ما بعد الانفجار” في وقت يتسلم فيه الجيش المساعدات التي تتدفق على لبنان من دول عربية وغربية ويشرف على توزيعها.

وعبّرت الباحثة في منظمة هيومن رايتس ووتش آية مجذوب عن مخاوف من “استخدام حالة الطوارئ ذريعة لقمع الاحتجاجات والقضاء على المطالب المشروعة لشريحة واسعة من اللبنانيين”.

واعتبرت “المفكرة القانونية” من جهتها وهي منظمة غير حكومية تُعنى بدرس القوانين وتقييمها، في بيان الأربعاء أن إعلان الطوارئ “غير مبرر طالما أن الكارثة لم تترافق أقله حتى الآن مع أيّ خطر أمني”. إلا أن المصدر العسكري شدد على أن حالة الطوارئ “لا تتضمن قمع حريات أو أي شيء آخر”، مؤكدا “نحن مع حق التظاهر السلمي حتى خلال حالة الطوارئ“.

ما ينتظره المجتمع الدولي هو تشكيل حكومة من شخصيات تحظى بموافقة الأحزاب السياسية كافة، وبثقة الناس

واستهلّ البرلمان جلسته المقتضبة، التي قاطعها حزب القوات اللبنانية، وأقيمت وسط تدابير أمنية مشددة، بقبول استقالة سبعة نواب كانوا قد تقدموا بها عقب الانفجار.

ورغم دعوات وجهها ناشطون ومجموعات مدنية للتظاهر قرب مكان اجتماع البرلمان في قصر الأونيسكو، إلا أن الحضور كان خجولا.

وبضغط من الشارع، استقالت الاثنين حكومة حسان دياب التي ضمت اختصاصيين ودعمها حزب الله. ولم تحدد دوائر القصر الرئاسي بعد موعدا للاستشارات النيابية التي على رئيس الجمهورية أن يجريها مع الكتل الممثلة في البرلمان من أجل تسمية رئيس جديد للحكومة.

ودعا رئيس البرلمان نبيه بري الخميس إلى “الإسراع في تأليف حكومة، بيانها الوزاري الإصلاحات ومحاربة الفساد”، قائلا إن “لبنان يحتضر”.

ويبدي محللون ومتظاهرون خشيتهم من أن تجد القوى السياسية التقليدية في الدعم الدولي الذي يحظى به لبنان منذ الانفجار فرصة لـ”إعادة تعويم” نفسها خصوصا بعد تداول تقارير إعلامية عن مسعى لإعادة تسمية سعد الحريري رئيسا للحكومة، في خطوة لا يمانعها حزب الله، الذي نُقل عنه رفضه تشكيل أي حكومة “حيادية”.

ومن المتوقّع أن يثير هذا التوجه غضب الشارع، في وقت تطالب فيه جهات شعبية وسياسية عدة منذ فترة بـ”حياد لبنان”، في رسالة واضحة إلى حزب الله بضرورة التخلي عن سياسته الموالية لإيران وسوريا.

وقالت مصادر غربية مطلعة إن ما ينتظره المجتمع الدولي هو تشكيل حكومة من “شخصيات تحظى بموافقة الأحزاب السياسية كافة، بشكل مختلف عن الحكومتين السابقتين، شخصيات تحظى بثقة الناس، شخصيات مستقلة”.

وأضافت أنّ “الانطباعات الأولية عن ردة فعل اللاعبين الرئيسيين القادرين على التعطيل لم تكن مشجعة”، متحدثة عن أن “انطباعهم هو أنّ ضغط الشارع ليس قويا بما فيه الكفاية” لتقديم تنازلات من قبلهم في هذا الصدد.

وذكّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأربعاء خلال اتصال مع نظيره الإيراني حسن روحاني، وفق الرئاسة الفرنسية، “بضرورة أن تتجنب كل القوى المعنية، أي تصعيد للتوتر وكذلك أي تدخل خارجي، وأن تدعم تشكيل حكومة مهمتها إدارة (الأزمة) الطارئة”.

ويواصل ناشطون ومتطوعون تنظيف الركام والقيام بإصلاحات بالحد الأدنى في الأحياء المتضررة، فيما تتواصل عمليات البحث عن أشلاء المفقودين في المرفأ، وبينهم ستة عناصر من فوج إطفاء بيروت، كانوا يحاولون إخماد حريق قبل دوي الانفجار.

وبحسب مصادر أمنية وسياسية، فإن السلطات من أجهزة أمنية ومسؤولين سابقين وحاليين كانوا على علم بمخاطر تخزين كميات هائلة من نترات الأمونيا في المرفأ. وحذر جهاز أمن الدولة في تقرير أعده قبل أشهر من أن اشتعال هذه المواد قد يؤدي إلى انفجار مدمّر، وأبلغ في يوليو كلا من رئاستي الجمهورية والحكومة. وقال عون الأربعاء إن “التقديرات الأولية للخسائر التي مُني بها لبنان تفوق 15 مليار دولار”، مشيرا إلى “خسائر مادية أخرى” و”الحاجة إلى مواد بناء لإعادة بناء الأحياء المتضررة”.

2