البرلمان المصري... من يحسم صراع التحالفات

أكملت مصر المرحلة الثالثة والأخيرة من خارطة الطريق بعد أن أنهت بنجاح الانتخابات البرلمانية، التي من المفترض أن تكون نقطة تحول على طريق الديمقراطية، لا سيما عند النظر إلى الرهانات والتحديات الكبرى التي تنتظر البرلمان الجديد. لكن هذه الانتظارات والآمال الشعبية الواسعة تبقى حبيسة التكهنات في ضوء الاختلافات بين القوى السياسية، فضلا عن غياب التحالفات داخل قبة المجلس.
الاثنين 2015/11/30
البرلمان المصري يعيش مخاضات التحالفات

القاهرة – قبيل اكتمال الانتخابات المصرية والانتهاء من الإعادة في المرحلة الثانية والأخيرة، أصبح السؤال الملح يدور حول شكل البرلمان الجديد، في ضوء النجاح “المفتت” للعديد من القوى السياسية والحزبية والمستقلين، بما يصعب معه عمليا تكوين كتلة متماسكة لها الأغلبية في مجلس النواب.

ولا يتوقع الكثير من المراقبين أن تفضي مؤشرات التحالفات والأحزاب التي فازت بمقاعد، إلى برلمان قوي وفاعل، لأن كل طرف ليس لديه ما يكفي من النواب ليعكس تمثيلا حقيقيا لمختلف أطياف المجتمع.

ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه الشارع المصري، خريطة كل تحالف انتخابي أو حزب سياسي، في البرلمان المقبل، استيقظ على مؤتمرات صحفية لكل تحالف يطعن في الآخر، وتزايدت حدة الاتهامات المتبادلة، بعضها وصل لدرجة الاتهام بتلقي تمويلات أجنبية لضرب استقرار البلاد.

مراقبون اعتبروا الصراعات الظاهرة مناورة جديدة من كل تحالف لاستقطاب نواب مستقلين من الفائزين، للانضمام إليه، من خلال تشويه صورة التحالف المنافس، وتوسيع نطاق الهيمنة على الكتلة الأكبر بالبرلمان.

لكن كان لأصحاب الخلاف رأي آخر، حول اختيار هذا التوقيت، فتحالف “في حب مصر” الذي اكتسح انتخابات القوائم الأربع، يعتقد أن هجوم قائمة التحالف الجمهوري عليه، بقيادة تهاني الجبالي نائب رئيس المحكمة الدستورية السابق، جاء على خلفية اكتساحه للمقاعد، وأن القيادية البارزة بالتحالف، تسعى لتحقيق مكسب نوعي بعد فشل قائمتها.

وأرجع مراقبون فوز قوائم في حب مصر، إلى ترشيحه شخصيات ذات ثقل سياسي، غالبيتها من المسؤولين السابقين في الحزب الوطني المنحل، تعاونوا مع مجموعة من الأحزاب الليبرالية الشهيرة، بعكس قائمتي تيار الاستقلال والجبهة المصرية، اللتين لم تستطيعا تقديم أوراق اعتمادهما للأحزاب كظهير سياسي قوي لهما داخل البرلمان.

وهذا الصراع، من وجهة نظر ناجي الشهابي رئيس حزب الجيل الديمقراطي، هو بداية لانهيار التحالفات في البرلمان المقبل، لأنها بدأت تفكك نفسها بنفسها، بالبحث عن مكاسب بعيدة عن احتياجات الشارع. وقال في تصريحات لـ”العرب” إن معظم الأحزاب رفضت التحالف مع القوائم الانتخابية، معتبرا أن محاولة المستقلين تشكيل تحالف داخل البرلمان سيكون مصيرها الفشل.

الوصول إلى برلمان متجانس مطلب صعب المنال في ضوء المؤشرات شبه النهائية للانتخابات

واعتبر عبدالغفار شكر، رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي أن تشكيل كتلة برلمانية قوية داخل المجلس المقبل، لإدارة دفة الأمور وتشكيل الحكومة يبقى رهين تحالف قائمة في حب مصر مع حزبي المصريين الأحرار ومستقبل وطن.

بين المستقلين والمعارضة

وتبدو فكرة الوصول إلى برلمان متجانس، صعبة المنال، بحسب شريف خليل، المتخصص في العلوم السياسية، معتبرا أن ذلك ينبئ ببرلمان مفتت ليس لأي تيار أو حزب سياسي قدرة داخله على تشكيل أغلبية قوية ومتماسكة، تمكنه من أن يقود البرلمان القادم ويفرض رؤيته السياسية والتشريعية. نتاج ذلك، أن بعض التحالفات تتنازعها أزمة ثقة واضحة، ويغلب عليها صراع الزعامات الشخصية والانتهازية السياسية، وليس لديها رؤية موحدة، تستطيع من خلالها تحقيق طفرة سياسية واقتصادية وحتى اجتماعية.

في مقابل عجز القوى السياسية، عن تشكيل أغلبية برلمانية، يتوقع البعض أن تكون الغلبة في البرلمان للمرشحين المستقلين والمنتمين للقوى المؤيدة للنظام والحكومة، سواء المنتمين للحزب الوطني المنحل، أو رجال الأعمال.

لكن سمير غطاس، النائب الفائز بالبرلمان عن دائرة مدينة نصر (شمال القاهرة)، ، لا يعتقد أن المستقلين سيملكون الكلمة العليا في البرلمان، لأن لكل واحد منهم انتماء سياسيا مختلفا تقريبا. ودلل على ذلك لـ”العرب” بأن عددهم الفعلي ليس كبيرا، وبدأت بعض التحالفات والأحزاب تفاوضهم للانضمام إليها، بالتالي فقد تنجح هذه الضغوط ويتراجع عدد المستقلين في البرلمان.

ويبقى مستقبل المعارضة في البرلمان وسط هذه الأجواء المشحونة، هو الشغل الشاغل بالنسبة لكثيرين، خاصة الباحثين عن تغيير الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وقد رسم سمير غطاس صورة قاتمة لهذه المعارضة، قائلا “الجميع يتسارع لهدم الآخر، والكل مشغول بتحقيق مصالح شخصية وسياسية، من خلال إعلان التقرب من النظام والحكومة، ما يعكس تراجع المعارضة قبل بدء جلسات البرلمان”. وهو ما يعني أننا سنكون أمام برلمان بلا أغلبية برلمانية واضحة ومتماسكة، وبلا معارضة مؤثرة، ولا شك أن مثل هذه التشكيلة المتوقعة للبرلمان تحول دون أن يكون له دور فاعل في مراقبة أداء الحكومة ومن ثم محاسبتها، على حد تعبيره.
الصراعات الدائرة بين قوائم البرلمان تعبر عن أزمة سياسية حقيقية في مصر، على اعتبار أنها صراعات تجري بين النخب السياسية ورأس المال

ورغم أن الصراعات الدائرة بين قوائم البرلمان كانت منتظرة، إلا أنها تعبر عن أزمة سياسية حقيقية في مصر، على اعتبار أنها صراعات تجري بين النخب السياسية ورأس المال، بعيدًا عن قضايا الشعب المصري، الذي لن يصبر طويلا على هذا الوضع.

تحايل على الدستور

في ظل التكهنات بعدم وجود قائد فعلي للبرلمان، أعلنت رسميا قائمة في حب مصر أنها تتواصل مع عدد من النواب المستقلين لتغيير صفتهم البرلمانية، والانضمام إليها تمهيدا لزيادة مقاعد القائمة في البرلمان، لأجل تشكيل الحكومة. ورغم أن الدستور والقانون يؤكدان أن تغيير صفة النائب يؤدي إلى إسقاط عضويته في البرلمان، لكن يمكن للنائب أن يستمر في عضوية البرلمان حتى بعد تغيير صفته، لوجود ثغرة قانونية في المادة 110 من دستور 2014.

ونصت المادة على أنه لا يجوز إسقاط عضوية أحد الأعضاء، إلا إذا فقد الثقة والاعتبار، أو فقد أحد شروط العضوية التي انتخب على أساسها، أو أخل بواجباتها، ويجب أن يصدر قرار إسقاط العضوية من مجلس النواب بأغلبية ثلثي أعضائه.

وهو ما علق عليه عبدالغفار شكر، بقوله إن التحالفات البرلمانية أو الكيانات أو الأحزاب، حتى إذا أرادت الابتعاد عن هذه الإشكالية الدستورية من تغيير صفة البرلماني للانضمام إليها، فإنه بإمكانها استقطاب نواب محتفظين بصفاتهم البرلمانية، ويصوتون معها فيما يخص تشكيل الحكومة أو إقرار القوانين والتشريعات، وهنا لا يكون النائب مضطرا لتغيير صفته البرلمانية للتصويت مع حزب أو تحالف برلماني.

من الناحية العملية، فإن مجلس النواب، حسب نور السيد أستاذ القانون الدستوري، قد لا يستطيع إسقاط عضوية أي نائب في حال تغيير صفته أو انتمائه الحزبي، نظرا لصعوبة تحقيق تلك الأغلبية “ثلثي الأعضاء”، خاصة أن النظام الانتخابي لم يفرز إلا أغلبية من مجموعة أحزاب وتحالفات غير متوافقة فيما بينها.

7