البرلمان المصري يتسلم دفة المعركة مع الأزهر

تشهد الساحة المصرية حراكا مكثفا ضد مؤسسة الأزهر التي يرى الكثيرون أن مواقفها وفتاواها باتت عبئا ثقيلا على النظام والمجتمع على حد سواء، وأنه لا بد من إحداث تغييرات على هذه المؤسسة تنتشلها من حالة الجمود التي تعيشها منذ عقود.
الخميس 2017/02/23
النظام والأزهر: خطان متوازيان لا يلتقيان

القاهرة - يتصاعد التوتر بين السلطة السياسية في مصر ومؤسسة الأزهر، ليمتد إلى البرلمان، الذي يتجه إلى اتخاذ خطوات تشريعية لتحجيم المؤسسة الدينية.

وبدأ نواب في البرلمان تحركات واسعة تمهيدا لمناقشة مسودة مشروع تتضمن تعديلات على قانون تنظيم مؤسسة الأزهر، بما يسمح لرئيس الجمهورية بالتدخل في اختيار هيئة كبار العلماء، التي بدأت فتواها تثير ضجة في بعض الدوائر السياسية والمجتمعية.

وأعلن النائب محمد أبوحامد، عضو ائتلاف الأغلبية البرلمانية، أنه بصدد تقديم مشروع تعديل لقانون الأزهر، بعد أن تمكن من الحصول على مساندة عدد كبير من النواب.

وقال أبوحامد لـ“العرب”، إن التعديلات المنتظرة سوف تُدخل شخصيات من خارج الأزهر ضمن هيئة كبار العلماء، من متخصصين اجتماعيين، وخبراء في تخصصات مختلفة، وعلماء لهم علاقة بالواقع الحالي، بحيث لا يكون الأمر مقتصرًا على العلماء المتخصصين في النواحي الدينية فقط.

وأضاف أن البعض من أعضاء هيئة كبار العلماء لهم توجهات سياسية ضد النظام، مثل “محمد عمارة”، الذي وصفه بأنه ذو ميول إخوانية، ولا يمكن أن يستمر اختيار شيخ الأزهر من خلال الهيئة واختيار أعضائها بقرار منه، لأنه ستكون هناك مجاملات، وسيختار الشيخ من يتفقون معه في الأفكار والمذاهب، وبالتالي لن توجد تعددية، وستكون النتيجة استمرار الآراء المتحجرة والبعيدة عن الواقع.

ويعتبر الرئيس عبدالفتاح السيسي، أن تجديد الخطاب الديني ضرورة ملحة لمواجهة الإرهاب، وقد دعا في أكثر من مناسبة إلى ضرورة التحرك في هذا الصدد، بيد أن موقف الأزهر ظل سلبيا في التعاطي مع هذه الدعوة.

وسبق أن أبدى السيسي تبرما من موقف الأزهر حتى أنه قال في أحد تصريحاته موجها كلامه إلى الشيخ أحمد الطيب “لقد أتعبتني يا فضيلة الشيخ”.

ويرى الكثيرون أهمية لإحداث تغييرات داخل مؤسسة الأزهر، وضخ دماء جديدة، تتفاعل ومتطلبات الواقع وروح العصر.

ولا تمانع اللجنة الدينية في البرلمان، في تغيير هيئة العلماء، وقال البعض من أعضائها “إنهم لا يمانعون في إعادة تشكيل الهيئة، لكن دون سحب اختصاصات شيخ الأزهر”، في إشارة لمنحهم الضوء الأخضر للتحرك لتغيير الوجوه الحالية.

محمد أبوحامد: لا يمكن أن يستمر اختيار شيخ الأزهر من خلال هيئة كبار العلماء

وجاءت هذه الجهود وسط تحركات عدد آخر من النواب تحت عنوان “التضامن مع نساء مصر” في الحفاظ على كيان الأسرة من التفكك، بحتمية توثيق الطلاق الشفهي كشرط لوقوعه، الأمر الذي أعطى للمجلس القومي للمرأة، (وهو مؤسسة حكومية)، الضوء الأخضر، لفتح نيرانه أيضا على الأزهر، واتهامه بأن آراءه في مسألة الطلاق “غير مدروسة ولا علمية”.

وقدم المجلس القومي للمرأة، مقترحًا إلى البرلمان، الاثنين، تضمن بندًا يقول “لا يُعتد في وقوع الطلاق للمتزوجين بالوثائق الرسمية إلا من تاريخ التوثيق بالإشهاد”، مشددا على أن ذلك يحفظ الأسرة من “فتاوى غير مدروسة”، ينتج عنها هدم الأسرة، ووجود ما يُعرف بظاهرة “المُحلِل” المقيتة، التي تكسر كبرياء الزوجين باسم الدين. (المُحلل، هو بحث الرجل الذي طلق زوجته ثلاثًا عن رجل آخر يتزوج مطلقته في مقابل دفع مبلغ معين، ثم يطلقها، ليعود هو للزواج منها مجددا).

وأيد نواب كثر، رأي المجلس القومي للمرأة بشأن ضرورة تنفيذ حكم عدم دستورية المادة 21 من القانون 1 لسنة 2000، في ما تضمنته من حرمان المرأة من إثبات الطلاق بالطرق القانونية، تنفيذا لنص المادة 10 من الدستور الحالي، والتي تقول “إن الأسرة أساس المجتمع، وتحرص الدولة على تماسكها واستقرارها وترسيخ قيمها”.

واستجاب النائب فرج عامر، رئيس لجنة الشباب والرياضة بالبرلمان، لطلب المجلس القومي للمرأة، وقال إنه سوف يتقدم خلال أيام بمشروع قانون في شأن توثيق الطلاق الشفهي، بهدف الحفاظ على تماسك كيان الأسرة المصرية، معلناً تضامنه مع المجلس.

وهكذا يصبح الأزهر وعلماؤه، وفي مقدمتهم الإمام أحمد الطيب، الذين عارضوا التوثيق كشرط لوقوع الطلاق، محاصرين بدعم تشريعي من البرلمان للمرأة، حيث يجري خلال الفترة الحالية سن أكثر من تشريع لا يعتد برأي الأزهر في هذه المسألة.

وقال متابعون لـ“العرب”، إن انتفاضة البرلمان بالتضامن مع المجلس القومي للمرأة في مسألة الطلاق، والعمل على تفكيك هيئة كبار العلماء، يمثلان عقابًا للأزهر على موقفه المتجمد من رفض التنازل لأجل الحفاظ على القوام الأسري، وعلى التزامه الحرفي بنص الشريعة دون إدراك لتغير الزمان والمجتمعات، ما يقتضي الحاجة إلى التكيف الديني مع القضايا المجتمعية الشائكة.

وكان من اللافت أن الكثير من أصحاب هذا الرأي، هم من خريجي وعلماء الأزهر أنفسهم، لكنهم في نظر مشيخة الأزهر، “شخصيات تحاول هدم الأسس الدينية بفتاوى وآراء شاذة”، في محاولة منها لحصر الآراء الدينية والفقهية في علماء الهيئة وحدهم دون تدخل من أشخاص دينية أخرى تسعى إلى التجديد.

وقال سعدالدين الهلالي، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر، وعضو المجلس القومي للمرأة، لـ“العرب” إن “الكرة الآن في ملعب البرلمان، يتخذ ما يراه من تشريع يصون حق المرأة المصرية، ويحفظ الأسرة من التفكك، وهذا ما يريده الرئيس والمجتمع بأثره”.

ورأى مراقبون، أن التعديل المزمع في قانون اختيار هيئة كبار العلماء، يأتي ردًا على موقف الهيئة من مسألة الطلاق الشفهي ورفض توثيقه، وأوضحوا أن وجود شخصيات أخرى لها علاقة بالأمور الحياتية والاجتماعية والعلمية، سيؤدي إلى عدم حصر الأمر في الشخصيات الدينية وحدها.

وشددوا على أن تحرك البرلمان نحو سحب البساط من تحت أقدام شيخ الأزهر في اختيار هيئة كبار العلماء، وإن كانت ستترتب عليه تداعيات سلبية على العلاقة بين الطرفين، إلا أنه سيحقق نتائج إيجابية، نظرًا إلى أن الأزهر اعتاد أن تكون له آراء لا تتفق مع الواقع، وفشل في وضع حد للكثير من المشكلات المجتمعية.

2