البرلمان المصري يجرد الأزهر من الإفتاء

الحكومة المصرية ترى أن الأزهر لا يسير على خط التحديات التي تواجهها البلاد لذلك اتبعت استراتيجية للحد من نفوذه وإعادة التوازن إلى مؤسسات الدولة المدنية.
الثلاثاء 2020/07/21
دفع لقصقصة أجنحة الأزهر

ذهبت السلطة المصرية ممثلة في الحكومة والبرلمان إلى قصقصة أجنحة الأزهر وذلك عبر موافقة البرلمان على قانون لتنظيم دار الإفتاء، ينقل تبعية الدار إلى مجلس الوزراء وذلك للحد من الاختصاصات الواسعة التي كانت لدى الأزهر خاصة في ما يتعلق بإصدار الفتاوى.

القاهرة- اختارت الحكومة المصرية بتوجيهات رئاسية مواجهة نفوذ الأزهر من زاوية قانونية تقوم على تقوية المؤسسات الدينية الموازية له.

واعتمدت الحكومة على البرلمان كسلطة تشريعية للحد من الاختصاصات الواسعة التي حصل عليها في أوقات اتسمت فيها الدولة بالضعف، وركزت الحكومة على سحب البساط من هيئة كبار العلماء التي تشكل رأس حربة في علاقة الأزهر بمؤسسات الدولة، كصاحبة سلطة تعيين الإمام الأكبر بعد أن كانت بيد رئيس الدولة.

ووافق البرلمان المصري مساء الأحد على قانون تنظيم “دار الإفتاء المصرية”، الذي نقل تبعيتها من الأزهر إلى جهة أكثر استقلالية تابعة مباشرة لمجلس الوزراء، بعد مناقشات حادة بين النواب المحسوبين على ائتلاف الأغلبية (دعم مصر) وعدد من أعضاء هيئة العلماء الذين حضروا الجلسة.

وينتظر البرلمان مراجعة القانون من قبل مجلس الدولة (هيئة قضائية تختص بتنظيم العلاقة بين مؤسسات الدولة وهيئاتها)، قبل إرساله إلى رئاسة الجمهورية لإقراره، بما يضفي المزيد من الثقل القانوني للاختصاصات التي منحها لدار الإفتاء والتي سيكون لها دور الفصل في القضايا الشرعية وإمكانية الأخذ بها بدلا من اقتصار الأمر فقط على هيئة كبار العلماء.

يدرك الأزهر أن القانون يستهدف قصقصة أجنحته، ولذلك استبق مناقشة القانون وأرسل خطابا مطولا مساء السبت إلى البرلمان عبر فيه عن رفضه له، واعتبره يخالف الدستور، ويمس باستقلال الأزهر والهيئات التابعة له، وعلى رأسها هيئة كبار العلماء وجامعة الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية.

وقصد الأزهر من إرسال خطابه إلى وسائل الإعلام خلق رأي عام مساند له في قضيته، وحاول الإيحاء بأن الحكومة في طريقها لارتكاب مخالفات دستورية لسحب اختصاصاته، وبدا أنه مستعد لخوض معركة قضائية حفاظا على نفوذه.

شهادات

ويمنح قانون تنظيم دار الإفتاء الشخصية الاعتبارية المستقلة لدار الإفتاء، ويلغي دور هيئة كبار العلماء في اختيار مفتي الجمهورية، ويشير إلى إنشاء هيئة دينية إسلامية تابعة لها ولديها جميع الاختصاصات المتعلقة بالفتوى، وأسندت إليها إجراء الأبحاث الشرعية المتعلقة بالفتوى، وجعلها الجهة القوَّامة على شؤون الفتوى، والرد على الشبهات المثارة، وهي المتحدث في كل شؤون الشريعة الإسلامية، وإعداد المفتين وتأهيلهم داخل البلاد وخارجها وترجمة الفتاوى الشرعية إلى اللغات المختلفة.

ويرى مراقبون أن الصراع بين الرئاسة، ممثلة في الحكومة والبرلمان من جهة، وبين الأزهر على الناحية الأخرى، انتقل إلى مرحلة جديدة تقوم على تحجيم أجنحة المؤسسة الدينية التقليدية بصورة غير مباشرة من خلال إبراز أدوار الذراعين الآخرين ( وزارة الأوقاف ودار الإفتاء)، بعد أن وجدت أن المعركة المباشرة قد لا تكون في صالحها بفعل ارتكان الأزهر على النزعة المحافظة لغالبية المسلمين.

وترتكن الرئاسة المصرية في استراتيجيتها التي تتبعها لإعادة التوازن إلى مؤسسات الدولة المدنية على محاولة دغدغة مراكز القوى التي تسيّر دفة الأزهر من دون أن تقترب من رأس المؤسسة، غير أنها وجدت أن المرحلة الحالية مواتية للتحرك أفقيا باتجاه هيئة كبار العلماء التي لديها نفوذ يهدد مدنية الدولة، من أجل تحجيم المكاسب القانونية والدستورية التي حصل عليها الأزهر في وقت اتسمت فيه الدولة بالضعف.

وأطلقت هيئة كبار العلماء في العقد الأول من القرن الماضي بوصفها هيئة استشارية عليا للجامع والجامعة والمشيخة، وكان الرئيس الراحل جمال عبدالناصر قد ألغاها في بدايات الستينات، لكنها عادت بقوة في 2012، بعد أن منحها تعديل قانون الأزهر في ذلك العام سلطة تعيين الإمام الأكبر التي كانت في يد رئيس الجمهورية.

عند الحكومة قناعة بأن الهيئة تتحكم في توجهات الأزهر التي جاءت في كثير من الأحيان محبطة لخطوات تجديد الخطاب الديني، وتشكل ثغرة يمكن اختراقها في ظل دخول القاهرة على خط أزمات إقليمية لا تسمح بوجود صراعات داخلية يطغى عليها البعد الديني.

وقال أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية، سعيد صادق، إن الحكومة ترى أن الأزهر لا يسير على خط التحديات التي تواجهها الدولة، ولم يقم بدوره كما يجب، واختار الصمت طويلا على ما اعتبرته دوائر عديدة تخليا عن الدور الذي من المفترض القيام به مبكرا، ولم يقم بالاصطفاف بجانب الدولة بالشكل الكافي.

وأضاف لـ”العرب”، أن التفسيرات السلفية التي طغت على هيئة كبار العلماء وغيرها من الجهات المحسوبة على الأزهر دفعت باتجاه تحريك المعركة في الوقت الحالي لأن الحكومة ترى أن المواجهة العسكرية مع قوى إرهابية معادية بالخارج لا تنفصل عن مواجهة داخلية، والمرحلة الحالية مناسبة لحلحلة الجمود عبر الضغط على الأزهر لسحب جزء من الاختصاصات والصلاحيات.

ويضفي القانون الجديد المزيد من التصعيد السياسي والديني لمنصب “المفتي” بعد أن أجاز لرئيس الجمهورية التجديد له بعد بلوغ هذه السن دون تحديد مدة زمنية ودون العرض على هيئة كبار العلماء التي كانت تمسك بزمام تعيينه أو إزاحته عن منصبه، وستصبح دار الإفتاء الجهة المختصة بتأهيل المشتغلين بالفتوى من خلال “مركز إعداد المفتيين”.

وتعد المعركة الحالية حاسمة لقوة كل من الطرفين بعد أن فشل البرلمان في تمرير تعديلات قانون تنظيم الأزهر، وقرر حفظ القانون في أدراجه لإخراجه في التوقيت المناسب، وتعرض لضغوط عديدة دفعته للتراجع عن تعديل المادة السابعة بالدستور والمرتبطة بصلاحيات الأزهر، غير أن مجلس النواب في المقابل عرقل طلب الأزهر بإعداده قانون الأحوال الشخصية، لكن القانون لم يصدر حتى الآن بعد أن تجاهل الأزهر إرسال رد على القانون الذي أرسله البرلمان إليه.

وذهب البعض من المراقبين للتأكيد على أن الأزهر لن يستسلم بسهولة، لأنه تعرض لضربة قوية بعد أن جرى نزع سلطته المادية ممثلة في وزارة الأوقاف التي أضحت بعيدة عن سيطرته، وسيحاول التمسك بسلطته المعنوية في تفسير النص الديني.

يدرك الأزهر أن القانون يستهدف قصقصة أجنحته، ولذلك استبق مناقشة القانون وأرسل خطابا مطولا مساء السبت إلى البرلمان عبر فيه عن رفضه له، واعتبره يخالف الدستور

وهو ما ظهر من تأخر الأزهر في مجاراة الطلب الرئاسي حول هذا الموضوع، ما أدى إلى تدخل وزارة الأوقاف بأدوات جديدة مثل إنشاء أكاديمية الدعاة والعمل على تنقيح التراث الديني، والأمر ذاته يجري مع دار الإفتاء التي سيكون لها دور فاعل.

وأوضح عمرو هاشم ربيع، الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، أن الأزهر أضحى شوكة في ظهر النظام المصري بسبب تلكئه في المواجهة الفكرية للعناصر الإرهابية ما أفرز اختراقا في وعي المصريين بخطابات خارجية حملت أبعادا دينية من دون أن يواجهها أحد، وذهب الأزهر باتجاه التركيز على الهوامش وأغفل كثيرا أساسيات المواجهة.

وأشار إلى أن الحكومة تمارس ضغوطا من اتجاهات مختلفة على شيخ الأزهر، أبرزها الحفاظ على وزير الأوقاف محمد مختار جمعة في منصبه لمدة ست سنوات تقريبا، كإحدى أدوات الضغط ونجاحه في سحب البساط بعض الشيء من تحت أقدم شيخ في الأزهر، وأن تقوية الإفتاء عبر أسانيد قانونية تسير على هذا الطريق.

ويتفق متابعون على أن أوراق الأزهر محدودة في مواجهة الحكومة بفعل التركيز على التحديات الإقليمية، وأن لجوء شيخه إلى عزلته في بلدته بإحدى قرى محافظة الأقصر (جنوب مصر) لن يأتي بثماره هذه المرة، كما أن وقوفه في وجه تنظيم الإخوان لم يعد كافيا لأن يتمادى في جموده، لأن هناك مواجهات جديدة ستطرأ على السطح مع التنظيم الدولي للإخوان في ظل التصعيد التركي الجديد في ليبيا.

2