البرلمان المصري يكسر شوكة الأزهر السياسية وينتصر للأوقاف

إقرار قانون تنظيم الفتاوى وإدخال أئمة وشيوخ الأوقاف ضمن المسموح لهم بالفتوى، الأزهر يدفع فواتير محاولة فرض نفوذه على ما يتعلق بالشأن الديني.
الخميس 2018/07/05
خطاب أزهري في طور الترميم

القاهرة – خسر الأزهر، الجولة الثالثة من صراع نفوذ خفي مع وزارة الأوقاف، بعدما وافقت لجنة الشؤون الدينية في مجلس النواب المصري، مساء الثلاثاء، على قانون تنظيم الفتاوى وإدخال أئمة وشيوخ الأوقاف ضمن المسموح لهم بالفتوى، في حين يتمسّك الأزهر بأن يحتكر ومعه دار الإفتاء، شؤون الفتوى.

وحمل موقف البرلمان بالوقوف في صف الأوقاف على حساب الأزهر، مفاجأة للأوساط السياسية، حيث اعتاد النظام الحاكم أن يرجع كفته في كل صدام يحدث مع الأوقاف، ما يوحي أن التغير الجذري يحمل دلالات عديدة.

ويُنظر إلى هذه الخطوة، على أنها مقدمة ليدفع الأزهر فواتير ترتبط بمحاولة فرض نفوذه على ما يتعلق بالشأن الديني، فضلا عن جموده في ما يخص بعض القضايا المصيرية التي تسعى الحكومة لإيجاد حلول جذرية لها.

ويتذكر كثيرون أن هيئة كبار العلماء التابعة للأزهر رفضت طلب الرئيس عبدالفتاح السيسي إصدار فتوى تشرّع عدم وقوع الطلاق الشفهي، في محاولة للحد من ظاهرة الطلاق والحفاظ على أركان الأسرة من الانهيار، بعد أن احتلت مصر المرتبة الأولى عالميا في نسب الطلاق.

وبموجب القانون الجديد، يُحظر على أي شخص، أو جهة، التصدي للفتوى سوى هيئة كبار العلماء في الأزهر، ودار الإفتاء، ومجمع البحوث الإسلامية، والإدارة العامة للفتوى بوزارة الأوقاف.

أزمة الأزهر الحقيقية تكمن في أنه يسعى دائما لتعظيم وفرض نفوذه على ما يخص الدعوة والإفتاء بشكل إقصائي
 

واعترض الأزهر، على أن يكون أئمة وشيوخ المساجد ضمن المخوّل لهم بالفتوى، ما استنكره مختار جمعة وزير الأوقاف، وقال “إقصاء الأئمة من الفتوى يصب في صالح المتطرفين والمتشددين ويعطيهم الفرصة للعودة إلى المشهد مجددا”.

وفهمت أوساط دينية وسياسية حديث وزير الأوقاف، أنه اتهام غير مباشر للأزهر، ويرمي لفتح الباب أمام استمرار التشدد الديني، إذا تمسك بإقصاء أئمة المساجد من الفتوى، في سابقة أولى من نوعها أن يصل الخلاف بين الطرفين إلى هذا الحد.

وفق آلية المصادقة على القوانين في مجلس النواب، فإن رأي اللجان المختصة يكون استرشاديا لعموم النواب، ما يعني أن تصديق اللجنة الدينية على قانون تنظيم الفتوى خطوة استباقية لتمرير القانون من جانب اللجنة العامة للبرلمان.

وقال عضو البرلمان محمد أبوحامد لـ”العرب”، إن أزمة الأزهر تكمن في أنه يسعى لتعظيم وفرض نفوذه على ما يخص الدعوة والإفتاء بشكل إقصائي، بما يمكّنه من أن يكون المتحكم الوحيد في الشؤون الدينية ويستطيع من خلال هذه الخطة تسليح نفسه ضد رياح التغيير المقبلة.

وأضاف أن تمرير لجنة الشؤون الدينية قانون تنظيم الفتاوى مكافأة لوزارة الأوقاف على اتخاذ خطوات جادة نحو مواجهة التطرف بالمساجد، مقابل تخاذل الأزهر وانشغاله بالبحث عن توسيع نفوذه السياسي والديني، وتراخيه في تطهير نفسه من المتشددين.

العمامة الأزهرية يلزمها تجديد
العمامة الأزهرية يلزمها تجديد

ويرى متابعون أن موقف أعضاء البرلمان من الأزهر يرتبط بتمسك قادته بمواقف متحجرة تجاه تجديد الخطاب الديني، بعدما أصبحت منهجيته غصة في حلق أيّ تغيير، بينما نجحت الأوقاف في تطهير عدد كبير من المساجد من المتشددين وإحكام السيطرة.

ولا يريد النظام المصري خسارة ميزة أن يكون لوزارة الأوقاف جزء من الفتوى، ليكون هناك تناغم سياسي بينها والحكومة وقت الأزمات، بعكس الأزهر الذي يعتبر نفسه مؤسسة مستقلة يصعب تغيير توجهاتها بسهولة.

وأكد نشأت زارع، كبير أئمة بوزارة الأوقاف لـ”العرب”، أن الفتاوى الهدّامة والمتشددة مصدرها بعض كتب التراث التي عفا عليها الزمن، وبسببها يدفع الأزهر فواتير سياسية، وهو الوتر الذي تضغط عليه بعض الجهات داخل الأوقاف، وكسبت الجولة الأخيرة.

ومنذ تولي السيسي الحكم في مصر قبل أربع سنوات، لم يتوقف الصدام بين الأزهر والأوقاف، وكانت أكبر الأزمات قبل عامين حول الخطبة المكتوبة التي فرضتها وزارة الأوقاف على أئمة المساجد، وعارضها الأزهر بقوة، ورجح السيسي كفة الأزهريين.

وسبق هذه الأزمة، صدام المؤسستين عام 2014، عندما قررت الأوقاف توحيد الخطبة في المساجد، وهددت بمعاقبة المخالفين، وهو ما لم يرُق للأزهر الذي رفض بإجماع آراء هيئة كبار العلماء، وتدخل السيسي وأصبح مضمون الخطبة استرشاديا فقط.

ويرى مراقبون أن مساندة نواب البرلمان، المعروف عن أكثرهم مساندة النظام وتوجهاته السياسية، لموقف وزارة الأوقاف، يؤكد أن الأمر يحمل في طياته “كسرا لشوكة الأزهر”، وتحجيما لنفوذه المتصاعد، وهي المهمة التي لا تريد الحكومة القيام بها بشكل مباشر.

إقصاء الأئمة من الفتوى يصب في صالح المتطرفين والمتشددين ويعطيهم الفرصة للعودة إلى المشهد مجددا
 

وقال هؤلاء، إن واقع مشروعات القوانين داخل مجلس النواب وطريقة تمريرها، ترتبط برؤية سياسية مدعومة من دوائر عديدة في السلطة، ما يعني أن عدم إنصاف رأي الأزهر هذه المرة يحظى بدعم وتأييد رسمي خارج الإطار التشريعي

وتظل أزمة الأزهر مع السلطة، أنه ما زال يستثمر فرصة استقلاله كاملا بحكم الدستور، ويلعب على هذا الوتر في مواجهة محاولات استمالته ناحية الاستجابة لمطالب بعينها، يراها لا تتفق مع ثوابته.

ولم يعد هذا الوجه تتحمله المؤسسات الرسمية، التي تريد أن تكون هناك إدارة أخرى مثل وزارة الأوقاف، كجهة تنفيذية لا تتمتع بالاستقلال الكامل، للقيام ببعض مهام الأزهر ويمكن بسهولة توجيهها لتحقيق الأهداف ذاتها، بشكل قانوني وشرعي ومواكب للمرحلة.

ومن غير المتوقع أن يصمت الأزهر على هزيمته في معركة الإفتاء، لأن أكثر قادته وأصحاب القرار بداخله، يعتبرون الأمر بحاجة إلى ردة فعل تعيد إليه هيبته وقوة نفوذه، ما ينذر باتساع دائرة صراع النفوذ بين المؤسستين خلال الفترة المقبلة.

وأوضح أحمد عامر الباحث في الشؤون الشرعية، لـ”العرب”، أن خلاف الأزهر والأوقاف صراع على السلطة، وهذه مشكلة عصيّة على الحل، وتتسبب مع الوقت في تراجع وقار المؤسستين بالشارع ما يسمح لمتطرفين في التوغل داخل المجتمع، لأن كليهما مشغول بمعارك داخلية.

ويهدف قانون الفتوى بالأساس إلى حصار السلفيين ومنعهم من الظهور على الساحة والعبث في عقول الناس، بسن تشريع يمنعهم من الفتاوى أو الإدلاء بآراء فقهية تتعلق بالقضايا الدينية.

وجاءت الخطوة لقطع آخر طريق عليهم لاختراق المجتمع من خلال الفتاوى ومحاولة القيام بدور مؤسسات رسمية في هذا الشأن، بعد قرارات وإجراءات للتضييق عليهم في المساجد ووسائل الإعلام.

13