البرهة الحاسمة

الأحد 2016/01/10

قبل حلول الألفية الثالثة كانت ملايين من البشر المثقلين بآثام العنف وأوجاع حروب القرن العشرين تحلم بكوكب أكثر أمنا وسلاما وتنتظر في حدائق الأمل وأبصارها شاخصة نحو الغد الذي صورته كثير من الأعمال الأدبية والفنية حدا فاصلا بين عصر وفرة وسلام وحضارة إنسانية تحترم الحياة وموجودات كوكبنا الحزين وبين الفناء الكاسح الذي تتسبب به الأسلحة المدمرة وصعود التشدد الديني والعرقي والطائفي.

لطالما كانت الحشود البشرية تحلم أن تتراجع الحروب إلى كهوف التاريخ وتسَخَر الكشوف العلمية لسعادة الإنسان وشفائه من أمراض الجسد وخراب الروح وتُيسِر له مدىً أرحب للعيش وتتحقق العدالة التي كانت ومازالت تتصدر أولويات الحلم الإنساني منذ فجر الحضارات، فصادف أن الغد الذي حلمت به تلك الحشود حل بيننا هادئا أول الأمر ومطمئنا إلى رجاحة العقل البشري وحكمة العصور وخلاصات التجارب المريرة، تابع سكان الكوكب إشراقة أول أيام القرن الجديد في احتفالات أبهجت العالم بوعد للسلام والخلاص من الحروب، غير أن الهدوء الرومانسي والاطمئنان الخادع ما لبثا أن انهارا معا عشية 11 سبتمبر عند مفتتح الألفية بالهجوم الإرهابي على برجي مبنى التجارة العالمي ليدشن كوكبنا عصرا دمويا مروعا أعاد البشرية إلى وحشية العصور المظلمة في ردود الفعل التي حدثت بعد الكارثة.

في كتابه “معنى القرن الحادي والعشرين” كتب جيمس مارتن مرشد عصر المعلوماتية وهو من يعد مرجعا موثوقا بأفكاره في موضوع تأثير التقنية على حياتنا، “إن القرن الحادي والعشرين هو قرن النهايات القصوى، فيمكن أن ننشئ حضارة أكثرعظمة أو نطلق العصور الوسطى الجديدة، ويمكننا تسخير ذكائنا وتقنيتنا الفائقة لتحويل عالمنا إلى الأفضل بدلا من تدميره”، يتحدث مارتن استنادا إلى خبرته الطويلة في إيجاد حلول معقولة للمشكلات الراهنة، فهو ليس بكاتب لقصص الخيال العلمي ولا مخرج أفلام فانتازية، بل هو مفكر وعالم يضعنا أمام الكارثة المحتملة ويقترح حلولا نوعية للمشكلات التي تهددنا، ويؤكد أن الأجيال الشابة هي التي تمتلك المفتاح تلافي الكارثة وعلى البشرية أن تسخّر الثقافة والبحث العلمي والقيادة البارعة لإحداث التحول رغم وجود المعيقات الكبرى المتمثلة بالمصالح الخاصة والأسباب المالية والبيروقراطية ووجود فساد واسع النطاق في توجيه الإعانات المالية الضخمة التي تؤدي لارتكاب المزيد من الاستغلال والمخاطر.

ومن القارة اللاتينية أشار الفيزيائي والروائي الراحل إرنستو ساباتو إلى الخطر الذي ينتظرنا في هذا القرن المضطرب وركز على أهمية القيم العليا في تجنب المأساة، فالقيم كما يرى ساباتو “تساعدنا على اتخاذ القرارات الكبرى السليمة، كما أن نداء الروح ذلك الصوت الداخلي الذي ينطلق من أعماقنا بوسعه أن يسعفنا إذا ما أصغينا إليه جيدا في صمتنا بعيدا عن ضجيج العالم..”.

أجل، يعيش العالم الآن برهته الحاسمة كما يرى الفلاسفة والمفكرون والعلماء والمبدعون النبوئيون، وها هو يواجه المأساة وقد ينجح في اجتيازها عندما يتمسك بقيمه العظيمة.

من بين ما يخيف العلماء القلقين على مستقبل الكوكب، أن التقدم التقني المسعور المدفوع بشهوة الربح السريع شهد ازديادا مجنونا للسكان والأمراض والاستهلاك المفرط الذي يركز على شراء المزيد من المنتجات التقنية الجديدة على نحو لاهث لا حدود له ولا تستطيع أرضنا المريضة احتماله، لذا يطلق جيمس مارتن تحذيره النهائي “عندما تصبح التكنولوجيا أكثر قوة فإن إمكانية الخير والشر بالتالي تصبح أكثر قوة”، وستطلق جهات متشددة أو نظام يائس شرارة الكارثة.

كاتبة من العراق تقيم في عمان

11