البروفيسور رعد شاكر جائزة ترضية طبية للعراقيين

البروفيسور رعد شاكر هو نتاج مجتمع عراقي كان يعمل لصناعة المستقبل، فضلا عن كونه كان قد نشأ في بيئة اجتماعية نخبوية، لسوء حظ العراق تم القضاء عليها خلال العقود الماضية.
الثلاثاء 2021/11/02
بريطانيا تحتفي بطبيب الأعصاب العراقي بأرفع وسام إمبراطوري

وجد العراقيون “جائزة ترضية” لهم جميعا حيال الخسائر الوجودية التي يعاني منها بلدهم المخطوف، بمجرد مطالعة خبر منح ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية البروفيسور ذي الأصول العراقية رعد عبدالوهاب شاكر أرفع وسام إمبراطوري.

رعد شاكر: اكتشافات الدماغ ستبهـرنا أكثر من اكتشافات المجرات

وكانت صورة الأمير تشارلز، ولي العهد البريطاني، وهو يقلد رعد وساماً برتبة قائد في الإمبراطورية البريطانية، مثار احتفاء عراقي، بوصفه إنجازا وطنياً. لكن في حقيقة الأمر لا شيء في هذا الاحتفاء البريطاني، يمت بصلة للعراق الحالي!

فشاكر منذ أن غادر العراق قبل سبعة وأربعين عاماً لم يعد إليه، ومنذ ذلك التاريخ انقطعت ذكرياته هناك. المنجز بريطاني في كل تفاصيله واحتفاء وسائل الإعلام العراقية به مجرد بحث عن جائزة ترضية حيال الخسائر المريعة، وتكرار لأسئلة مريرة عن وجود بروفيسور في علم الأعصاب بهذه الأهمية الدولية، بينما العراق يعاني من تخلف طبي.

منح وسام الإمبراطورية لشاكر هو اعتراف بالخدمات الجليلة التي قدمها لطب الأعصاب العالمي، ولأهمية الوسام ورفعته عادة ما تقوم ملكة بريطانيا بتقليد المحتفى بهم، لكن هذا العام ولأسباب صحية أنيطت المهمة بولي العهد.

ولا يخفي شاكر امتنانه لاحتفاء وسائل الإعلام العراقية والعربية به، ويعزو ذلك إلى ندرة الأخبار الإيجابية والمفرحة في هـذا الوقت. لكنه في النهاية وفي إجابة على سؤال “العرب” يقول “أنا بريطاني، ولكن جميع الذين يعملون معي من كل دول العالم يعرفون أصولي العراقية”.

ما يؤكد دلالة تلك الإجابة بأن البروفيسور العراقي لا يمتلك أي ذكريات عن بلده الأصلي منذ أن غادره عام 1975. والأهم من كل ذلك أن البيئة العراقية الحالية لا يمكن أن تثمر معادلا معرفيا لشاكر، لأن الزمن العراقي الشاذ جعل البلاد تحت سطوة الخاطفين، هناك اهتمام بالتخلف أكثر بكثير من المعرفة. سندرك ذلك ببساطة عند مقارنة ما يوجد في العراق اليوم من رجال دين إزاء عدد الأطباء!

حضارة شخصية

الأمير تشارلز، ولي العهد البريطاني يقلّد الدكتور رعد شاكر وساماً برتبة قائد في الإمبراطورية البريطانية

يمكن أن ندرك ذلك بمجرد الاطلاع على الحضارة الشخصية لأسرة البروفيسور العراقي التي نشأت في محلة الفضل في بغداد. فوالده عبدالوهـاب شاكر كان من كبار ضباط الجيش العراقي، كبير مرافقي الملك فيصل الثاني، وبعد ذلك ترأس قيادة الفرقة الثانية في كركوك. وعُيّن في العهد الجمهوري بعد عام 1958 متصرفا لمدينة الحلة ثم الموصل وبعدهـا بغداد.شاكر نتاج مجتمع عراقي كان يعمل لصناعة المستقبل، فضلا عن كونه كان قد نشأ في بيئة اجتماعية نخبوية، لسوء حظ العراق تم القضاء عليها خلال العقود الماضية، فالنخبة التي كانت مثار فخر في المجتمع العراقي لم تعد موجودة.

رعد وندى طبيبان من أسرتين اشتهرتا بتاريخهما الدبلوماسي

أما عمه عبدالكريم فقد كان سفيرا للعراق في المغرب ثم الأردن. بينما كان عمه الآخر الطبيب عبدالقادر يشغل رئاسة الأمور الطبية في الجيش العراقي.

وعملت والدته، باهرة إبراهيم حمدي النائب، مديرة لمدرسة، بينما كان لخاله طارق حمدي أخصائي الأمراض العصبية وعميد كلية الطب في جامعة بغداد، الأثر البالغ في تخصصه بأمراض الجهـاز العصبي.

تزوج شاكر عام 1972 من الأخصائية في نقل الدم ندى أحمد الفارسي التي عمل والدها سفيرا للعراق في دول عدة، حيث أكملت دراستها الثانوية في بروكسل، وهي من أسرة دبلوماسية معروفة، فنصرت الفارسي شغل منصب وزير الخارجية العراقي وكان عضو الوفد العراقي عند تأسيس الأمم المتحدة. وتبرز واحدة من بين أجمل الذكريات للزوجين شهر العسل الذي قضياه في مصيف سرسنك آنذاك.

أما شقيقه سعد فهو أستاذ الطب الدوائي في جامعة ساوثهامبتون، فضلا عن شقيقتين طبيبتين سؤدد ورغد. والطبيعة النخبوية في أسرة البرفيسور العراقي مستمرة بعد أن أصبح بريطانياً، فابنته دينا استشارية في تقويم الأسنان وابنه عبدالوهاب أخصائي أسنان.

من مجموعة الدكتور رعد شاكر مع الأساتذة مكي الواعظ وطلال ناجي شوكت
من مجموعة الدكتور رعد شاكر مع الأساتذة مكي الواعظ وطلال ناجي شوكت

كان من الأهمية بمكان تعريف القارئ العربي بالحضارة الشخصية لشاكر، من أجل تصور طبيعة المجتمع العراقي التي كانت عليه آنذاك، وهو سبب رئيسي يحول دون الانهيار المجتمعي والمعرفي الحاصل اليوم.

من البساطة بمكان أن نعزو النجاح الطبي لشاكر إلى الذهنية التي بنى وعيه عليها، فضلا عن البيئة المساعدة له، منذ أن تخرج من كلية الطب في جامعة بغداد عام 1971 في المرتبة الأولى على جميع زملائه. الأمر الذي أعفاه من العمل في القرى والأرياف آنذاك، وقضى بداية سنوات عمله في مدينة الطب ببغداد وبدأ التخصص في الأمراض العصبية.

مجموعة الدكتور رعد شاكر من كلية طب جامعة بغداد المكونة من 12 طبيبا لم يبق منهم في العراق إلا الدكتور هاشم الخياط في البصرة

لا زال شاكر يتواصل مع زملائه الأطباء من أبناء دورته، مع أنه لم يبق من مجموعته المكونة من 12 طبيبا في العراق إلا طبيب واحد. ما يكشف البيئة الطاردة لأبنائها من المبدعين.

كنت أحاول حث شاكر على الاستذكار، فلم يبق في ذاكرته شيء من تلك البلاد، غير ذكريات متابعة مباريات كرة القدم في ملعب الكشافة لتشجيع نادي الشرطة، وارتياد ملعب الشعب الدولي.

وكانت مقاهي بغداد بيئة مفتوحة للقاء مع الأصدقاء، يتذكر شاكر ذلك وكيف كان يفضل مقهى زناد في شارع أبونواس. وهذه المرة أعاد هو السؤال عليّ “ماذا حل بتلك القهوة؟” أنا مثله لا أمتلك الإجابة، وننتظرها من أهلنا في العراق من يعرف شيئا عن مصير مقهى زناد؟

الوضع الطبي في العراق

الملك فيصل الثاني مع كبير مرافقيه العميد عبد الوهاب شاكر 1955

لا يمتلك الدكتور شاكر، رغم تجربته الثرية، حلولاً للوضع الطبي المتردي في العراق، وهو يقول “ليس لدي معلومات كافية عن الوضع الصحي الحالي، ولكني أسمع من زملاء يذهـبون إلى العراق والحالة تبدو مزرية”.

ويرى أن إعادة هـيكلة التعليم والتدريب الطبي والتمريضي على الأقل إلى ما كان عليه يحتاج إلى سنين وجهد ومثابرة. ويشير إلى تجربة زملائه وأصدقائه الذين تقلدوا منصب وزارة الصحة في حكومات بعد عام 2003 مثل علاء العلوان وجعفر علاوي، وعدم توصلهم إلى نتائج ملموسة.

ليس فقط بريطانيا من تقدّر القيمة المعرفية لإنجاز شاكر الذي يواصل منذ عام 1990 التدريس في كلية الطب في إمبريال كوليدج، فهو شخصية عالمية دائمة السفر والمشاركة في المؤتمرات المعنية بطب الأعصاب، ويعد كتابه المشترك “علم الأعصاب الاستوائية” الذي أصدر منه جزأين عام 1996 و2003، من بين أهم المصادر لأطباء الأعصاب في العالم. كما أن تجربته في رئاسة الفيدرالية العالمية لأمراض الأعصاب ما بين 2014 – 2017 ورئاسة اللجنة العلمية المسؤولة عن تصنيف أمراض الجهـاز العصبي في منظمة الصحة العالمية، جعلته موضع تقدير دولي أينما حل في رحلاته لإلقاء المحاضرات والمشاركة في المؤتمرات.

وكان من بين أهم الإنجازات التي حققها إعلان منظمة الصحة العالمية اعتبار السكتة الدماغية مرضاً عصبياً، لا كما كان سائداً من خلال تصنيفها بين أمراض القلب والأوعية الدموية.

 ويرى شاكر أن ذلك سيساعد على إيجاد المزيد من أطباء الأعصاب وتطبيق العلاجات الحديثة المنقذة من السكتة الدماغية والتي لم تكن متوفرة قبل خمسة وعشرين عاما من الآن.

كانت فرصتي لسؤاله عن تزايد الانهيارات العصبية داخل المجتمعات، فهل يرى أن أعصاب الإنسان اليوم أقل جودة مما كانت علیه من قبل بسبب الحیاة التكنولوجية وتأثیراتها؟

نوفل خليل: الدكتور رعد شاكر من أفضل أطباء الأعصاب على مستوى العالم

يقول شاكر إن الدماغ من الناحية التشريحية والفسيولوجية واحد لدى البشر عموما. لكن كيف تدرب وتأقلم مع الحياة بتجددهـا الدائم هـو المقصد. ومع أن السؤال يحمل جانبا نفسياً لست متخصصا به، لكن من الضروري معرفة أن الدماغ يحتوي على 87 مليار حجيرة كهـربائية تتصل مع بعضهـا بسرعات مذهـلة، ولذلك فإن هـناك قدرات مذهـلة لتقبّل المعضلات وحلّها.

ويؤكد على أن قابليات الدماغ تفوق بمراحل حاجياتنا اليومية والفكرية. فهـناك وظائف في الدماغ لا نعرفهـا، وحتى لا نستطيع تصورها. ويضيف “أتوقع مستقبلا أن اكتشافات الدماغ

ستبهـرنا أكثر من اكتشافات المجرات الكونية”.الدكتور نوفل خليل الذي عمل مع شاكر لأكثر من خمسة وعشرين عاما منذ بداية سنة 1993، يصفه بأنه من أفضل أطباء الأعصاب، ليس فقط في بريطانيا، وإنما على مستوى العالم.

و‏رغم كل مشاغل العمل الطبي والسفر يتمتع الدكتور رعد شاكر بحياته، يقرأ باللغة العربية أحيانا، ويستمع إلى نشرات الأخبار ويتواصل مع أصدقائه في مختلف دول العالم، ولا يخفي اهتمامه بالحضارة الأندلسية وكتب ابن رشد، وعن ذلك يقول “عند زياراتي لقرطبة تأثرت بأبيات شعرية مخطوطة على حجر: أغار عليك من عيني ومني/ ومنك من زمانك والمكان/ ولو أني خبأتك في عيوني/ إلى يوم القيامة ما كفاني”، مشيراً إلى قصة حب ابن زيدون وولادة التي يرى فيهـا من التألق والحضارة ما يفوق علاقة روميو وجولييت.

طارق حمدي عميد كلية الطب وخال الدكتور رعد
طارق حمدي عميد كلية الطب وخال الدكتور رعد

 

12