البروفيسور علي مصطفى مشرفة قتله حبُّ العِلم

الأحد 2014/07/20
مشرفة صديق آينشتاين ابن مصر التي في خاطر العرب

ولد علي مصطفى مشرفة باشا عالم الرياضيات المصري في 11 يوليو 1898 بدمياط في حي المظلوم، وكان الابن البكر لمصطفى مشرفة أحد وجهاء تلك المدينة وأثريائها، قضى مشرفة السنوات الأولى من طفولته في رغد من العيش وهناءة بال، إلى أن تأثر والده فى سنة 1907 م بأزمة القطن الشهيرة التي هزت الاقتصاد المصري فهوت بالأغنياء إلى قاع الفقر وكان من جراء تلك الأزمة أنها أودت بمائتي فدان كان الوالد يمتلكها.

تلقى علي دروسه الأولى على يد والده ثم في مدرسة “أحمد الكتبي”، وكان دائما من الأوائل في الدراسة، ولكن طفولته خلت من كل مباهجها حيث يقول عن ذلك: “لقد كنت أفني وأنا طفل لكي أكون في المقدمة، فخلت طفولتي من كل بهيج، ولقد تعلمت في تلك السن أن اللعب مضيعة للوقت- كما كانت تقول والدته- تعلمت الوقار والسكون في سن اللهو والمرح، حتى الجري كنت أعتبره خروجاً عن الوقار”، وعندما نعاه ألبرت آينشتاين قائلاً: “لا أصدق أن مشرفة قد مات، إنه لا يزال حياً من خلال أبحاثه” لم يكن الكثير من العرب قد سمعَ بالدكتور علي مشرفة.


حي عابدين


كان في الحادية عشرة من عمره عندما فقد والده عام 1909، بعد أن فقد ثروته في مضاربات القطن عام 1907 وخسر أرضه وماله وحتى منزله، فوجد عليّ نفسه رب عائلة معدمة مؤلفة من والدة وأخت وثلاثة أشقاء، فأجبرهم هذا الوضع على الرحيل للقاهرة والسكن في إحدى الشقق المتواضعة في حي عابدين، بينما التحق علي بمدرسة العباسية الثانوية بالإسكندرية التي أمضى فيها سنة في القسم الداخلي المجاني انتقل بعدها إلى المدرسة السعيدية في القاهرة وبالمجان أيضاً لتفوقه الدراسي، فحصل منها على القسم الأول من الشهادة الثانوية الكفاءة عام 1912، وعلى القسم الثاني البكالوريا عام 1914، وكان ترتيبه الثاني على القطر كله وله من العمر ستة عشر عاما، وهو حدث فريد في عالم التربية والتعليم في مصر يومئذ. وأهله هذا التفوق- لاسيما في المواد العلمية- للالتحاق بأي مدرسة عليا يختارها مثل الطب أو الهندسة، لكنه فضل الانتساب إلى دار المعلمين العليا، حيث تخرج منها بعد ثلاث سنوات بالمرتبة الأولى، فاختارته وزارة المعارف العمومية ضمن بعثة علمية إلى بريطانيا على نفقتها.

عندما نعاه ألبرت آينشتاين قائلاً: "لا أصدق أن مشرفة قد مات، إنه لا يزال حياً من خلال أبحاثه" لم يكن الكثير من العرب قد سمعَ بالدكتور علي مشرفة

التحق عام 1920 بالكلية الملكية وحصل منها عام 1923 على الدكتوراه في فلسفة العلوم بإشراف العالم الفيزيائي الشهير تشارلس توماس ويلسون الحاصل على نوبل للفيزياء عام 1927، ثم حصل عام 1924 على دكتوراه العلوم من جامعة لندن وهي أعلي درجة علمية.


أول أستاذ للرياضيات التطبيقية


عندما عاد الدكتور مشرفة إلى وطنه أصبح مدرسا في مدرسة المعلمين العليا. وعندما افتتحت جامعة القاهرة جامعة الملك فؤاد في ذلك الوقت عام 1925 عين أستاذا مساعدا للرياضيات بكلية العلوم وذلك لأنه كان أقل من 30 سنة! والذي كان يعتبر أقل سن ممكن لشغل منصب أستاذ دكتور في الجامعة. في عام 1926 أثير هذا الموضوع في البرلمان المصري الذي ترأسه سعد باشا زغلول، وقد أشاد البرلمان بمؤهلات الدكتور مشرفة وكفاءته ودرجته التي فاقت عميد الجامعة الأجنبي، وفي النهاية تمت ترقيته إلى أستاذ جامعي.

كان الدكتور مشرفة أول أستاذ مصري للرياضيات التطبيقية بكلية العلوم، وفي سنة 1936 أصبح عميدا للكلية وكان في الثامنة والثلاثين من عمره، ظل الدكتور مشرفة عميدا لكلية العلوم حتى وفاته سنة 1950، وكانت سميرة موسى إحدى تلامذته.


الإنجازات العلمية


نشر الدكتور مشرفة 25 بحثا في مجلات ودوريات علمية عن نظرية الكم والنظرية النسبية والعلاقة بين المادة والإشعاع. كما نشر ما يقرب من اثني عشر كتابا علميا عن النسبية وعن الرياضيات.

ترجمت كتب الدكتور مشرفة التي شرح فيها النسبية إلى الإنكليزية والفرنسية والألمانية وإلى البولندية. كما قام الدكتور مشرفة بترجمة 10 كتب في مواضيع الرياضيات والفلك إلى اللغة العربية.

عندما زار آينشتاين مصر أثناء رحلة العودة من اليابان، طلب مقابلة الدكتور مشرفة، وقد قيل إن هذا الاجتماع أسهم في تطوير معادلة آينشتاين كمية الطاقة الناتجة عن مادة مشعة تساوي حاصل ضرب كتلة ما للمادة في مربع سرعة الضوء أو (E=MC^2) بسبب معرفته الاستثنائية عن الذرة والإشعاع وعلم الميكانيكا والديناميكا.

كان مشرفة حافظا للشعر، ملمًّا بقواعد اللغة العربية، عضوا بالمجمع المصري للثقافة العلمية باللغة العربية، فترجم مباحث كثيرة إلى اللغة العربية، وكان يحرص على حضور المناقشات والمؤتمرات والمناظرات، وله مناظرة شهيرة مع طه حسين حول أيهما أنفع للمجتمع الآداب أم العلوم

كان للدكتور مشرفة اهتمام بالغ بتاريخ العلوم وخصوصا فيما يتعلق بإسهامات العلماء العرب في القرون الوسطى. فقد قام مع تلميذه الدكتور محمد مرسي أحمد بتحقيق ونشر كتاب الخورازمي المشهور بالجبر والمقابلة.

وكان مشرفة على اتصال دائم كل يوم ببحوثه العلمية فاستطاع أن يواصل ما بدأ من بحث جاد ظهرت نتائجه في البحوث التي نشرها في الدوريات العالمية سنة 1929 م عن حركة الإلكترون كظاهرة موجبة وعن ميكانيكية الموجات والمفهوم المزدوج للمادة والإشعاع ولم يكن هذا إلا تمهيدا للبحث اللامع الذي نشرة مشرفة سنة 1932م فانتشرت معه سمعته في جميع الأوساط وصار ذكره على كل لسان وهذا البحث بعنوان: هل يمكن اعتبار الإشعاع والمادة صورتين لحالة كونية واحدة؟ وقد أثبت مشرفة في بحثه بالفعل صورتان لشيء واحد بهذا أصبحت القاعدة العلمية التي تقول بأن المادة والطاقة والإشعاع ليست إلا شيئا واحدا.


فضل مشرفة على الطلبة العرب


تمتعت كلية العلوم في عصره بشهرة عالمية واسعة، حيث عني عناية تامة بالبحث العلمي وإمكاناته، فوفر كل الفرص المتاحة للباحثين الشباب لإتمام بحوثهم، ووصل به الاهتمام إلى مراسلة أعضاء البعثات الخارجية، كما سمح لأول مرة بدخول الطلبة العرب الكلية، حيث كان يرى أن القيود القومية والفواصل الجنسية ما هي إلا حبال الشيطان يبث بها العداوة والبغضاء بين القلوب المتآلفة.

دافع عن حق سميرة موسى في التعيين كأول معيدة امرأة في كلية العلوم وهدد بتقديم استقالته لو لم يتم التعيين. فتم التعيين وأصبحت سميرة موسى بعد ذلك عالمة ذرة لم تنجب مصر مثلها وكان ينتظرها مستقبل باهر لولا حادث مصرعها الغامض في أميركا عام 1952.

يقول المؤرخون “إن الدكتور مشرفة أرسى قواعد جامعية راقية، حافظ فيها على استقلالها وأعطى للدرس حصانته وألغى الاستثناءات بكل صورها، وكان يقول: إن مبدأ تكافؤ الفرص هو المقياس الدقيق الذي يرتضيه ضميري“.

حاول الدراسة في الرياضة البحتة باللغة العربية، وصنف قاموسًا لمفردات الكلمات العلمية من الإنكليزية إلى العربية.واتجه إلى ترجمة المراجع العلمية إلى العربية بعد أن كانت الدراسة بالانكليزية فأنشأ قسماً للترجمة في الكلية، شجع البحث العلمي وتأسيس الجمعيات العلمية، وقام بتأسيس الجمعية المصرية للعلوم الرياضية والطبيعية والمجمع المصري للثقافة العلمية، كما اهتم أيضاً بالتراث العلمي العربي فقام مع تلميذه محمد مرسي أحمد بتحقيق ونشر كتاب الجبر والمقابلة للخوارزمي.

قيل إن أحد مندوبي الملك فاروق كان وراء وفاة مشرفة مسموما بسبب غيرة الملك منه حتى أنه عزله عن منصب رئيس جامعة القاهرة بالإنابة وقيل أيضا إن جهاز الموساد الإسرائيلي قد يكون متورطاً في اغتياله بسبب إصرار مشرفة على إدخال تطبيقات علم الذرة إلى مصر


مناظرة مشرفة وطه حسين


كان مشرفة حافظًا للشعر، ملمًّا بقواعد اللغة العربية، عضوًا بالمجمع المصري للثقافة العلمية باللغة العربية، حيث ترجم مباحث كثيرة إلى اللغة العربية.

كما كان يحرص على حضور المناقشات والمؤتمرات والمناظرات، وله مناظرة شهيرة مع طه حسين حول أيهما أنفع للمجتمع الآداب أم العلوم؟

ونشر للدكتور مشرفة ما يقرب من ثلاثين مقالاً منها: سياحة في فضاء العالمين - العلم والصوفية- اللغة العربية كأداة علمية- اصطدام حضارتين- مقام الإنسان في الكون. كما كان الدكتور مشرفة عازفًا بارعًا على الكمان والبيانو مغرمًا بموسيقى جلبرت وسلفن، وكوّن الجمعية المصرية لهواة الموسيقى في سنة 1945، وكان من أغراضها العمل على تذليل الصعوبات التي تحول دون استخدام النغمات العربية في التأليف الحديث.

وكوّن لجنة لترجمة الأوبرتات الأجنبية إلى اللغة العربية، وكتب كتابًا في الموسيقى المصرية توصل فيه إلى أن جميع النغمات الأخرى في السلم الموسيقي غير السيكا والعراق يمكن إلغاؤها أو الاستغناء عنها.

منحه الملك فاروق لقب باشا، ولكنه اعترض وقال إنه لا شرف أفضل من شرف الحصول على دكتوراه العلوم.


هل مات مسموما


توفي مشرفة في 15 يناير 1950 م، اثر أزمة قلبية، ويشاع أنه توفي مسموما وقيل إن أحد مندوبي الملك فاروق كان وراء وفاته بسبب ما عرف عن غيرة فاروق منه حتى أنه عزله عن منصب رئيس جامعة القاهرة بالإنابة وعن منصب وكيلها نكاية فيه.

كما قيل أيضا إن جهاز الموساد الإسرائيلي ربما يكون متورطا في وفاته و ذلك بسبب إصرار مشرفة على إدخال تطبيقات علم الذرة إلى مصر، وكان من تلاميذه‏ فهمي إبراهيم ميخائيل ومحمد مرسي أحمد وعطية عاشور وعفاف صبري وسميرة موسى ومحمود الشربيني.

9