"البريد التاسع" وجع الهشاشة في شعر الحرب

على أعتاب الحرب والمنافي الواسعة والأوطان المحاطة بالحنين يكتب الشعر السوري اليوم، يكتب بلغة مليئة بالمتناقضات، عبود سمعو واحد من شعراء سوريا الذين شاءت القصيدة أن تكون تجربتهم الأولى، تجربته المنشورة في مدارات الحرب والمنفى، بين وعي بالتحول وإدراك لتفاصيل الصورة المحفورة داخل الذاكرة، الذاكرة التي تحفظ الأسماء والروائح وتفاصيل الحبيبة، تلك التي تمثل عنده المدينة والأنثى وسوريا، التي يرسم بكمالها قصيدته.
السبت 2015/11/21
خذلان في جوفه ألم الاغتراب

"البريد التاسع" مجموعة شعرية أولى للشاعر عبود سمعو، صدرت حديثا عن دار أرواد بسوريا، حملت ما يقارب 42 رسالة، قسمت إلى جزأين، الجزء الأول خصص لقصيدة التفعيلة العمودية، وجاء بعنوان “رسائل مموسقة لا علاقة لها بالزجاج”، أما الجزء الثاني فقد خصص لقصيدة النثر، وجاء بعنوان “رسائل ممغنطة لا علاقة لها بالخشب”، وقد تنوعت نصوصه بين السردية وما يصطلح عليه بتسمية “شذرات”.

في هذه المجموعة لن تجد صراخا ولا حدادا ولا بكاء، فعبود سمعو يراوغ الحرب ويقف في الجهة المقابلة ليرسل رسائله؛ المرسل إليه هي أنثى وإن اختلفت لتتجسد في صورة امرأة باختلاف تسمياتها أو مدينة أو فقط سوريا.

من وجه حبيبته، من صوتها، من تفاصيلها الحميمية يقتنص الصورة وعلى هشاشتها تأتي هادئة، رطبة الوجع، تكشف الحزن السوري ولكنها لا تعريه تماما هكذا يأتي أنيقا مكتفيا بما تحفره القصيدة على جسد اللغة. يقول “وجه الغريب عطش قديم/ لأول وجه رآه/ لآخر رصاصة لم تقتله/ لمنتصف الطريق/ حين التقاك”.

ثمة خذلان عميق يصرخ صمتا، خذلان في جوفه ألم الاغتراب، خذلان يسكنه الفقد، خذلان يفتش عن مساحة للنظر فيعود إلى المنسيات للذاكرة حيث الوجود الأول والطريق الأول، حيث الملامح المبتسمة، لينفض الغبار عن مناطق البياض في ذاكرته ليعيد ترتيب الجمال وفق إحداثيات الحرب. يقول الشاعر “أسند رأسي على إطار صورة قديمة/ مبتسما كنت فيها/ تعوي الذاكرة ككلب حارتنا اليتيم”.

اللافت في نصوص المجموعة أن الشاعر لم ينشغل بتأثيث نصوصه وفق متطلبات المجاز، وإنما انشغل بالفكرة، الفكرة التي وجدت لنفسها ضمنها بعض مساحات لتجسيد مجازها الرطب يقول “أنا المحسوب على شلة الهادئين/ أملأ كوبي بالشاي البارد/ أنفخ الغبار عن لوحة المفاتيح/ لأكتب رائحة الزعتر الحلبي”.

انشغال الشاعر بالفكرة يظهر أكثر من خلال الصور الشعرية التي استمدت ظلالها من العناصر الواقعية، على الرغم من أن الشاعر حاول أن يضفي عليها ظلال البناء الفني الذي يستمد وجوده من الصور الشعرية نفسها.

لم يحاول عبود سمعو الذهاب بعيدا وتصيد المفردات، ثمة شيء يشغله أكثر، القصيدة التي أراد لها منذ البدء أن تكون رسالة، يجب أن تصل حاملة معها ألمها المدوي، ولا همّ لها أن ترتطم باللغة. هذا الأمر يتأكد خاصة من خلال الجزء الثاني من الكتاب الموسوم بـ “رسائل ممنغطة لا علاقة لها بالخشب”، فعلى الرغم من عدد القصائد القليل في هذا الجزء مقارنة بالجزء الأول للديوان، فإن القصائد فيه تبدأ حرة أكثر ومتعددة، تطوف بحزنها الشهي معتمدة على اللغة، ولكنها تتأسس من خلال معنى يريد إيصاله الشاعر، ولا تنحو إلى المجاز أو الزخرف اللغوي، يقول “قل لي/ أيها السوري كيف/ كيف يمكن لغير الأسود أن ينصفك/ رمادية كل وجهات انتظارك”.

إنها الهشاشة، هشاشة الذات وهي تحاول تلوين فراغات التلاشي، التلاشي الذي يسكن طريق السوري، وهي نفسها التي تبني سقوفا شعرية رطبة ومليئة بالأحاسيس.

في ختام هذه القراءة السريعة، لا بدّ من الاعتراف أني قصرت عمدا ربما، وتحيزت لقصيدة النثر لأسباب ذاتية وأخرى موضوعية تعلقت بما قرأته هنا في “البريد التاسع”.

17