البريطانيون يرفضون طلب ماي بـ"تفويض واضح" ويسحبون منها الأغلبية

ساهم توجه الداعمين لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي والناخبين الشباب نحو حزب العمال في إلحاق الهزيمة برئيسة الوزراء تيريزا ماي وخسارة المحافظين للأغلبية في البرلمان، حيث نجح كوربين في تقديم نفسه على أنه بديل حقيقي للسياسة بشكلها التقليدي. رغم أن حزب العمال لم يصرح بتفضيله البقاء في الاتحاد لكن المحافظين أسرفوا في تفضيلهم البريكست ربما لخطب ود مؤيدي حزب استقلال بريطانيا إليهم.
السبت 2017/06/10
تخسر أوروبا وتخسر بريطانيا

لندن - شكلت صدمة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أحد العوامل الرئيسية في حسم نتائج الانتخابات العامة في بريطانيا، إضافة إلى أداء رئيسة الوزراء تيريزا ماي المخيّب للآمال خلال الحملة الانتخابية، ورغبة الشباب البريطاني في أن يكون جزءا من التغيير السياسي في البلاد.

ولم يتأهل أي حزب للفوز بالـ 326 مقعدا اللازم من أجل الحصول على أغلبية مطلقة في البرلمان المكون من 650 مقعدا. وحصل حزب المحافظين على 318 مقعدا مقابل 330 في البرلمان المنتهية ولايته، وحزب العمال المعارض على 261 مقعدا، بزيادة حوالي 30 مقعدا، وجاء الحزب “القومي الاسكتلندي” في المركز الثالث بحصوله على 35 مقعدا، بينما حصل الحزب “الوحدوي الديمقراطي”، حليف ماي المحتمل على عشرة مقاعد.

لم يكن من المفترض أبدا أن تأخذ الانتخابات هذا النهج. وفقا لاستطلاعات الرأي التي منحت ماي الطمأنينة، ويبدو حجم الصدمة كبيرا في الأوساط السياسية، نظرا إلى الجدل الكبير الذي شاب الحملة الانتخابية طوال الفترة الماضية، والتساؤل حول مدى إمكانية أن تكون استطلاعات الرأي مخطئة، حيث قال المحللون إن شركات استطلاعات الرأي تستخدم أساليب مختلفة، ولذلك لا بد أن تكون نتائج بعضها قريبة من النتيجة الفعلية للانتخابات التشريعية في 8 يونيو.

كما أطاح جيريمي كوربين وحزب العمال بالفعل بفكرة أن الحملات الانتخابية لا تُحدث الكثير من الفرق، ويجمع المراقبون على أن هذا التحول في بريطانيا لم يسبق له مثيل، فهو يتحدى أيضا بشكل مباشر قوانين غير مكتوبة تخص الانتخابات والتصويت.

وكان من المتعارف عليه أن الأحزاب التي تفوز بالانتخابات هي تلك الأحزاب التي يُنظر إليها على أنها الأكثر كفاءة من الناحية الاقتصادية. وفي أعقاب الأزمة الاقتصادية، كان أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى تراجُع حزب العمال في الانتخابات العامة هو أنه لم يعد يُنظر إليه على أنه ذو كفاءة اقتصادية.

التحول في بريطانيا لم يسبق له مثيل، فهو يتحدى أيضا بشكل مباشر قوانين غير مكتوبة تخص الانتخابات والتصويت

كان كوربين فطنا بما فيه الكفاية لإدراك مشاعر العداء للمؤسسة التقليدية لقيادة حزب العمال، فدفعت الحملة الانتخابية النشطة التي قام بها والخطابات النارية والغضب السائد في أوساط العديد من الناخبين بشأن الخطط الضبابية للانسحاب من الاتحاد الأوروبي، الشباب البريطانيين إلى التدفق نحو مراكز الاقتراع.

واستطاع كسب 29 مقعدا في مجلس العموم مخالفا جميع التوقعات. ويشير معلقون إلى أن كوربين نجح في تقديم نفسه على أنه بديل حقيقي للسياسة بشكلها التقليدي.

ويقول خبير العلوم السياسية جون كورتيس من جامعة ستراثكلايد إن “توجه الداعمين لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي والناخبين الشباب نحو حزب العمال يفسّر سبب خسارة المحافظين للأغلبية”.

وعقب حملة تميزت بالمسيرات والاحتفالات الموسيقية، قال كوربين إن نجاحه كان “مبنيا على الرغبة في التغيير”، وهو بالضبط ما يبحث عنه الشباب.

ورغم عدم صدور تفصيل رسمي لاتجاهات التصويت بعد، فإن الأرقام الرسمية أظهرت زيادة في تسجيل الشباب للمشاركة في الانتخابات وزيادة في نسب المشاركة بالمقاطعات أين توجد أعداد كبيرة من الناخبين الشباب. وبالعودة إلى انتخابات عام 2015، لوحظت مشاركة 45 بالمئة فقط من الناخبين البريطانيين الذين تراوحت أعمارهم بين 18 و34 عاما، مقارنة بنسبة 84 بالمئة في أوساط من هم فوق الـ55 عاما، وهو ما اعتبرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أكبر فجوة في العالم الغربي. ولهذا تعتبر اليوم مشاركة الشباب انقلابا على معايير الانتخابات السابقة، وأكد العديد من الناخبين الشباب أنهم فوجئوا بمدى قدرتهم على تغيير نتيجة الانتخابات بعدما توقعت معظم استطلاعات الرأي فوزا حاسما لصالح ماي.

وقالت جيما بيل في وايكفيلد بشمال إنكلترا “أعرف العديد من الأشخاص الذين لم يصوتوا العام الماضي وأعتقد أنهم أيقنوا أننا سنتضرر إذا لم يشاركوا”، في إشارة إلى استفتاء يونيو الماضي بشأن بريكست.

وكان من بين عوامل استقطاب كوربين للشباب مثاليته والكاريزما القريبة من الناس التي يتمتع بها، إضافة إلى تواجده بشكل كثيف على مواقع التواصل الاجتماعي، والدعم الذي حظي به من المشاهير مثل المغنية ليلي آلين والممثل الكوميدي ريكي جيرفيه وغيرهما من الذين روجوا لما أصبح يعرف بـ”كوربين-مانيا” أو “ظاهرة كوربين” بين الشباب.

وكثرت المقارنات بينه وبين قدرة السيناتور الأميركي اليساري بيرني ساندرز على كسب دعم الشباب أثناء محاولة الأخير الفاشلة للوصول إلى البيت الأبيض.

وكتبت ريانون لوسي كوسليت في صحيفة الغارديان أن “جيريمي كوربين يروق لجيل من الشباب يشعر بأنه لم يعرف قط في السابق سياسيا صادقا وجديرا بالاحترام”. واهتم كوربين خلال حملته بقضايا معينة تعني الشباب، بينها التعهد بخفض أقساط الدراسة الجامعية وسن التصويت، وتحسين حقوق التوظيف للمتدربين.

ومع نشوة الانتصار التي يُشعر بها حزب العمال مؤيديه، تبقى الخيارات السياسية محدودة وتنبئ بمرحلة صعبة، فأمام الأحزاب البريطانية واحد من خيارين، إما تشكيل حكومة أقلية وعادة ما تكون حكومة هشة حيث لا يمكنها تمرير تشريعات وإما قوانين جديدة دون تصويت الأحزاب الأخرى. والخيار الثاني هو اللجوء إلى تشكيل الائتلافات الحكومية كما حدث إبان انتخابات 2010 حيث شكل المحافظون ائتلافا مع الديمقراطيين الأحرار.

ويطالب حزب العمال، ماي بالاستقالة ويصرح أعضاؤه بأنهم واثقون من تمكن زعيمهم كوربين من تشكيل حكومة أقلية. لكن من غير الواضح إلى الآن ماذا ستحمل الأيام القادمة للمشهد السياسي لهذا البلد ولكنها بالتأكيد ستكون محورية في تشكيل مستقبله.

5