البريطاني بيتر بروك مخرج العصر المتمرد على المركزية الأوروبية

السبت 2014/11/08
بروك مثير الجدل الحي في كواليس مسارح العالم

بعد 2500 عام تقريباً على ولادة المسرح، لازال هنالك من يبحث عن العناصر الأولية لهذا الفن، إذ أن التعرض لتجربة بيتر بروك سواء مؤلفاته “المساحة الفارغة” و”النقطة المتحولة” أو عروضه أو أعماله السينمائية، لا تقدم أجوبة بقدر الأسئلة التي تطرحها هذه التجربة، وغالبية هذه الأسئلة تتمحور حول بديهيات فهم المسرح. لماذا يجب أن يهبط الستار في لحظة قوية؟ ولماذا يجب أن يؤكد السطر الجيد من النص؟ ولماذا يجب السعي لإيجاد ضحكة؟ ولماذا يجب أن نتكلم جهراً في مواجهة المعايير اليومية والعادية للحس العام وللحقيقة؟


التحول المستمر


كل ذلك طرحه بروك ليس بهدف تأصيل التجربة وتعميمها بل لأجل الحفاظ على فعالية الفن المسرحي المتمثلة بالتحول المستمر، إذ أن تجربة بروك لا تفرض نفسها باعتبارها الأنموذج، بل هي الاختلاف، وبالتالي التجارب المختلفة هي التي تؤدي لحدوث أعظم العروض، ومن هنا برزت فكرته بعدم وجود مسرح تام في أي جزء من العالم بل كل ما هنالك شذرات من المسرح، ولم يخش بروك رد الفعل الناتج عن مقارعة المعتقدات المسرحية، فهو من قال إنه كي نواجه جمهوراً بصيغ إبداعية جديدة يجب أن تكون قادراً أولاً على مواجهة المقاعد الخالية، وتبعاً لذلك رفض بروك أي طرح للفرز في المسرح سواء على صعيد الجمهور ضمن التقسيم بين “البسيط” باعتباره صبيانيا ومسطحا، و”المركب” المسموح به فقط لأناس ذوي تكوين ثقافي خاص، وكذلك التقسيم على صعيد النوع برفضه الفصل المفتعل بين المسرحية الشعرية والواقعية والطبيعية وغيرها، فالزمن مائع وكذلك المكان وأي تجربة مسرحية يحددها السياق الجغرافي والتاريخي، وفي هذا العصر فإن عرضا يجري في المطبخ أو غرفة المعيشة لم يعد مسرفاً في واقعيته.


ليتواني في لندن


بيتر بروك من مواليد مدينة لندن عام 1925، هو من أصل ليتواني، درس الأدب المقارن في جامعة أكسفورد، وعمل لحساب التلفزيون البريطاني الوطني، كما مارس التمثيل والإخراج مبكرا وهو في العشرين من عمره، حيث كان عرضه الأول “خاب سعي العشاق” عام 1946، في 1970 انتقل إلى باريس، بعدها استدعته منظمة اليونسكو لتشيّد بإدارته مركزاً للأبحاث المسرحية، وقيما بعد أصبح مركزاً للإبداع على حد تعبير بروك.

بروك لم يبدأ عمله في المسرح مدفوعاً لشغفه به، ويقول إنه كان يرى المسرح كئيباً مقابل عشقه للسينما، ويتحدث عن لقائه منتجاً كبيراً في تلك الفترة بعد إخراجه فيلما في أكسفورد، وطلب من المنتج تمويل فيلم من إخراجه، فأجابه أستطيع أن أعطيك وظيفة لتتعلم الحرفة وبعد سبع سنوات بالإمكان أن أعطيك الفرصة.

بداياته في المسرح

بروك لم يبدأ عمله في المسرح مدفوعا بشغفه به، فهو يقول إنه كان يرى المسرح كئيبا مقابل عشقه للسينما، ويتحدث عن لقائه منتجا كبيرا في تلك الفترة بعد إخراجه فيلما في أكسفورد، وطلب من المنتج تمويل فيلم من إخراجه، فأجابه بأنه يمكنه أن يمنحه وظيفة ليتعلم الحرفة، وبعد سبع سنوات بإمكانه أن يعطيه الفرصة

يقول بروك إن تجاربه المسرحية الأولى كانت مثيرة بالنسبة إليه من وجهة نظر حسية خالصة، وكان عمله منصرفا نحو الجوانب البصرية نظراً لولعه بالإضاءة والصوت والألوان والأزياء، ويشبه بروك حالته في تلك الفترة كشخص يحب السينما لعشقه بكرات الشرائط والعدسات. وقد اعتبر الجمهور أن عرض “تيتوس أندرونيكوس″ (من أعمال بروك المبكرة) قدّم شيئاً يفوق النص، ما أرضى غرور بروك على حد تعبيره، إلا أنه لم يكن صحيحاً، حيث أن الجمهور يسيء فهم وظيفة المخرج ويتصوره كمصمم ديكور يستطيع أن يفعل من أي حجرة أي شيء.

يذكر بروك أنه كان دكتاتورياً في التعامل مع الممثلين في بداية عمله، إذ أنه كان يظن أن على الممثل تنفيذ الأوامر فحسب كما السينما، بعدها بدأ يدرك أن المسرح أمر مختلف كلياً.


مع بريخت وغروتفسكي وستانسلافسكي


التقى بروك ببريخت عام 1950 حيث كان في جولة لعرض مسرحية “دقة بدقة”، وناقشا مشاكل المسرح، ووجد نفسه مختلفاً مع بريخت حول آرائه في الإيهام ورفض الإيهام، ورأى أن بريخت مهما فعل من أجل تحطيم الإقناع بحقيقة ما يحدث على الخشبة، كلما دفعه أكثر إلى الدخول في الوهم قلباً وقالباً. ويقول بروك إن المسافة كما وصفها بريخت تعني أن تبقى الشخصية على بعد ذراع من الممثل، وأن يكون هنالك سيطرة إرادية فرويدية على كثير من الدفعات الذاتية رغبة في ظهور ما هو أكثر موضوعية منها، لكن نفي الإنسانية على نحو إرادي هو عمل ميكانيكي. أما عن علاقته مع غروتوفسكي، فبروك لم يكن يعرفه حتى أخبره أحدهم أن هنالك مخرجاً يعتمد على منهج أرتونان آرتو مثله، ويقول بروك إنه حينها لم يكن هو ولا غروتفسكي يعرفان آرتو.

يتحدث بروك عن صداقته العميقة مع غروتفسكي، فكلاهما كان يسعى لذات الهدف لكن بخطوات مختلفة، فغروتفسكي يتجه نحو العالم الداخلي للمثل متوغلاً حتى النقطة التي يكف عندها الممثل أن يكون ممثلاً ويصبح إنساناً في الجوهر، لذلك ثمة احتياج لكل العناصر الدينامكية في الدراما، فكل خليّة في جسم الإنسان يجب أن تندفع للكشف عن أسرارها، ففي البداية وجود المخرج والجمهور ضروري لدعم هذه العملية، لكن على الممثل أن يصبح أعمق، لذا عليه أن يذوي كل شيء خارجي حتى يبلغ النهاية، فلا يصبح هنالك ممثل ولا مسرح ولا جمهور، فقط إنسان متوحّد يعمل على إخراج صراعاته المطلقة، بروك معجب بالنظرية هذه لكنه يضيف أن مسرحه يحتاج إلى جمهور.

يتحدث بروك عن عملية بناء الشخصية عند ستانسلافسكي ويشبهها ببناء الجدار، حيث في يوم ما يتم وضع الحجر الأخير فيكتمل بناء الشخصية، ويرى بروك أن ذلك خاطئ، فالعمل على الشخصية يكون في اتجاه عكس البناء هو الهدم، فعلى الممثل أن يستبعد حجراً بعد حجر، كل شيء في عضلاته وأفكاره والصور التي تحول بينه وبين دوره، حتى يأتي يوم يندفع فيه الدور مثل دفقة الهواء ليتخلل مسامه كلها، يقول بروك “ستانسلافسكي يقوم بالإعداد وأنا بالميلاد”.


شكسبير الأب


عمل بروك على الكثير من نصوص شكسبير، ويتحدث عن معجزة هذه النصوص باعتبارها تقدم الإنسان من جميع جوانبه على نحو متزامن، ويضيف أن فهمنا لشكسبير ظل محاصراً بفكرة زائفة مفادها أنه كاتب ذو حبكات بعيدة الاحتمال يزخرفها بالعبقرية، وظللنا نرى نصوصه أجزاء منفصلة، فنفصل الحكاية عن الشخصية والشعر عن الفلسفة، لكن شكسبير استطاع أن يصوغ أسلوباً متقدماً أتاح له أن يخلق في فسحة زمنية قصيرة وباستخدام واع لكافة الوسائل صورة واقعية للحياة.

إن الإسراف في الديكور والخيال كانت عوامل ضرورية في الماضي لزحزحة الضجر من تلك النصوص تبعاً للنظرة السابقة لشكسبير، أما الآن علينا أن نتطلع وراء مظاهر الحياة الخارجية نحو أخرى داخلية، فأي عرض لشكسبير يمكنه المضي إلى ما وراء خيال المخرج والمصمم، فقط من خلال اكتشاف أنه لا يزال هناك الكثير من المخبأ وراء النص، من هنا تحول اهتمام بروك من عرض صوره الخاصة عن المسرحية نحو عملية مختلفة تبدأ بالإحساس الغريزي بأن هذه المسرحية يجب أن تقدم الآن، ولذا يجب اكتشاف المسرحية وليس إسقاط صورة مسبقة عليها، يقول بروك “أنا معني بالحاضر وشكسبير لا ينتمي إلى الماضي، ولو كانت الأداة التي يقدمها صحيحة، فهي صحيحة الآن”.

لم يسلم بروك من وابل من النقد من قبل النقاد الهنود، حيث يتحدث بروك عن العرض كونه لم يكن يحاول إعادة بعث الهند التي كانت في العصر “الدرافيدي” قبل 3 آلاف عام

يتحدث بروك عن الحوار باعتباره من العناصر الأساسية في المسرح، فهو يتضمن توترا ويفترض وجود اثنين على الأقل، وحين تتصادم وجهتا النظر، فكاتب المسرحية عليه أن يعطي كلا منهما نفس الدرجة من القابلية للتصديق، وإذا فشل في أن يفعل هذا ضعف عمله، وإذا كان غير مسكون بأفكاره الخاصة وحدها، فسيعطي الانطباع بأنه متوحد توحداً تاماً مع الجميع كما تشيخوف، وإذا كان هناك عشرون شخصية ينوي الكاتب أن يستثمر كلا منها بنفس الدرجة من قوة الإقناع حينها نقترب من معجزة شكسبير.


أنثروبولوجيا المسرح


ديسمبر 1972 كان موعد انطلاق بيتر بروك مع جماعته الفنية إلى أفريقيا ضمن ريبرتوار مسرحي ارتجالي، وبحث أنثروبولوجي استمر 3 شهور، ويتحدث بروك عن الرحلة في كتابه النقطة المتحولة، متناولاً العلاقات الجديدة بين الجمهور والممثل في المسرح ضمن خواص الجمهور الأفريقي.

بروك قدم عروضاً كثيرة خارج سلطة المركزية الأوروبية، ولم يكن الوحيد ممّن تجاوزوا مركزية المسرح الغربي واهتموا بالمسرح الشرقي وحالته الطقسية، إلا أن تجربته أفرزت نتائج مغايرة عن معاصريه من المخرجين مثل أوجينيو باربا أو أريان مونوشكين، إذ أن بروك يتحدث عن صعوبات تناول المسرح الشرقي من قبل الغربيين، حيث أن الغرب عندما يرى المسرح التقليدي في الشرق يعجب به دون أن يفهمه، مندهشاً بحالته الطقسية بصورة ظاهرية، ويضيف أن الغرب إذا لم يمتلك الرموز الخاصة بهذا المسرح، سيبقى عاجزاُ عن التواصل مع حقائقه الإنسانية التي دونها ما كان لهذا الشكل المعقد من الفن أن يوجد أصلاً.

من تجارب بروك الشرقية هنالك عرض “المهابهاراتا” حيث استعاد الملحمة الهندية الشهيرة التي تحمل ذات الاسم، لم يسلم بروك من وابل من النقد من قبل النقاد الهنود، حيث يتحدث بروك عن العرض كونه لم يكن يحاول إعادة بعث الهند التي كانت في العصر “الدرافيدي” قبل 3 آلاف عام، ولم يكن يعرض رمزية الفلسفة الهندوسية في الموسيقى والأزياء، بل كان يحاول أن يوحي بنكهة الهند.


الأوبرا والسينوغرافيا


عمل بروك في عرضين أوبراليين هما “دون جوان” و”تراجيديا كارمن”، ويتحدث عن الأوبرا باعتبارها شكل من أشكال المسرح، وبالرغم من أنها تقف إلى جوار بقية الأشكال إلا أنها مثقلة – على نحو لا يصدق – بشروط غير يسيرة، لذا تجنب الأوبرا لسنوات خلت لكنه عاد حين أصبح بإمكانه تغيير الشروط كلية من حيث طبيعة التدريبات والعروض وأسعار التذاكر وما إلى ذلك.

يضيف أن الفخامة الخارجية في الأوبرا قد تكون جذابة إلا أن علاقتها بالحياة الحديثة علاقة واهية، إذ أنه في الداخل تكمن الموضوعات والقضايا والطقوس، ويتحدث عن علاقة المجتمع الواهية بالأوبرا ويشبهها كما علاقة الناس بالأنابيب التي توضع في الأبنية لكي يتدفق الماء من خلالها، إذ أصبح الناس يعتبرون الأنابيب أعمالاً فنية، وباتوا يهدمون الجدران ويعجبون بالأنابيب وقد نسوا الهدف منها، ويقول بروك إن أعظم تحد يواجهنا، أن نستبدل – في عقول المؤدين والجمهور جميعا- فكرة أن الأوبرا شيء متكلف واصطناعي بفكرة أنها شيء طبيعي.


السينما


يقول بروك إن تجاربه المسرحية الأولى كانت مثيرة بالنسبة إليه من وجهة نظر حسية خالصة، وكان عمله منصرفا نحو الجوانب البصرية

أغلب أعمال بروك السينمائية جاءت كنسخ فيلمية لعروضه المسرحية باستثناء “إله الذباب” المأخوذ عن رواية الإنكليزي “جولدينج” الحائز على نوبل، وينصح بروك بأنه لكي تكون حراً في عملك السينمائي عليك العمل مع جماعة صغيرة وألا يكون عملك باهظ التكاليف، فإذا أراد المنتجون عمل فيلم غير تجاري على المخرج أن يرضى بميزانية صغيرة، وإلا عليه صناعة فيلم يرضي نصف سكان العالم. ومن أبرز تجاربه السينمائية “الملك لير” إذ تم تصويرها بعد ثماني سنوات من إخراجها للمسرح، وكان التحدي هو إعداد الفيلم دون التعلق بأي صورة من صياغتها المسرحية بحسب بروك.

وبالعموم فإن نقل أعمال شكسبير إلى السينما يحوي صعوبة كبيرة تتمثل في ضرورة قيام رابط في الإيقاع، إذ أن إيقاع النصوص الشكسبيرية هو إيقاع الكلمات، يبدأ من الجملة الأولى ويظل يتدفق حتى النهاية، ونحن بحاجة دائمة للكشف عنه، ويختلف أمام عملية الجزر والمد في الصور، التي تعتبر المبدأ الأساسي في الفيلم، وعملية خلق التطابق بين هذين الإيقاعين صعبة جداً. في حالة فيلم “ماراصاد” حاول بروك و”بيتر فايس- كاتب النص” إعداد فيلم دون الالتزام بنقطة انطلاق محددة إلا أن أفكارهما بدت باهظة الثمن، لذلك عادوا إلى فكرة تصوير المسرحية.

15