البريطاني تيري غيلم يحول أوبرا الباستيل إلى كرنفال راقص

كأي أوبرا كوميدية هناك المغامرات، وسوء الفهم وسوء التقدير اللذان يؤديان بالبطل إلى الهلاك، لكن في هذا العرض يلعب الفنان دوراً في تغيير مصيره.
الأحد 2018/04/08
أكثر أحداث العرض متخيلة

تستضيف أوبرا الباستيل الوطنيّة في باريس هذا الموسم، العرض الأوبرالي “بينفينتو سيليني”، الذي عُرض للمرة الأولى عام 1838، وألف موسيقاه الفرنسي هيكتور برليوز، وكتب نصه ليون دي واللي وأوغوست باربير، اللذان اقتبسا مذكرات النحات والحداد والموسيقي والفنان الإيطالي بينفينتو سيليني، الذي عاش في القرن السادس عشر، واشتهر بمنحوتاته البرونزيّة الضخمة.

الكثير من أحداث العرض متخيلّة، إلا أن الجزء الحقيقي منها، والذي تدور حوله الحكاية، يرتبط بقصة تمثال “بيرسوس مع رأس ميدوزا” البرونزيّ، الذي عمل عليه سيليني بتكليف من البابا في روما، لا في فلورنسا كما هو معروف تاريخيّاً. المثير للاهتمام أن النسخة الأولى من نص الأوبرا تم رفضها من قبل الرقابة في فرنسا، ويقال إنها ضائعة، ثم اعتُمدت نسخة أخرى بعد تعديلها بما يتلاءم مع السلطة، إلى جانب نسخة ألمانيّة ثالثة، قام المؤلف الشهير فرانس ليزه بوضع لمساته عليها.

النسخة التي تعرض حالياً في أوبرا الباستيل، أنتجت من قبل الأوبرا البريطانية الوطنيّة في لندن عام 2014، وتنقلت بين العديد من العواصم الأوروبيّة، كأمستردام وبرشلونة وروما، وهي تعتمد النسخة الفرنسيّة الثانية من النص، بقيادة المايسترو فيليب جودان، وإخراج تيري غيلم، المعروف بكونه أحد مؤسسي سلسلة ماونتي بايثون الكوميديّة في الستينات من القرن الماضي، والذي بدأ مسيرته في إخراج الأوبرا عام 2011، مع “لعنة فاوست” أيضاً لبيرلوز، والتي نالت نجاحاً كبيراً في بريطانيا.

الأوبرا المؤلفة من فصلين غنيّة بصرياً، وخصوصاً حينما نشهد مراحل صبّ تمثال بيرسوس، الذي أمر البابا كليمانت الثاني من سيليني أن ينجزه، وعند قدمي التمثال تدور أحداث قصة الحب المهددة دوماً بالفشل، إلى جانب الطقوس الكرنفاليّة التي تحاول إثرها تيريزا أن تلتقي حبيبها النحات سيليني، الذي يتسلل إلى غرفتها وسط زحمة الكرنفال، ليتفقا على الفرار سويّا، دون أن يعلما أن خطيب تيريزا يتنصت عليهما سراً، وأنه سينفذ خطة الخطف عوضاً عن سيليني الذي يُتهم لاحقاً بالقتل، ويعتقل إثر ذلك.

 كأي أوبرا كوميديّة هناك المغامرات، وسوء الفهم وسوء التقدير اللذان يؤديان بالبطل إلى الهلاك، لكن في هذا العرض يلعب الفنان دوراً في تغيير مصيره وتفادي سوء حظه، إذ ينهي سيليني المنحوتة في النهاية، وتثبت براءته، وبعد رؤية الجميع للتمثال يدهشون لإتقانه وشدة جماله، إثر ذلك ينال سيليني براءته، ويلتقي محبوبته، وتُثبتُ العبقريّة قدرتها على تجاوز الظلم وسوء فهم السلطة للحقيقة.

تغلب على العرض الصيغة الكرنفاليّة، حيث الرقص والاحتفالات والمبالغة في كسر التابوهات، فالإضحاك قائم على الحركات الجسديّة والبهلوانيّة، إلى جانب التلاعب بالحقبة التاريخيّة وشروطها الجماليّة التقليديّة، عبر تحوير الديكورات والأزياء المستخدمة، وجعلها مزيجاً من البهرجة البصريّة والأداء المفتعل، إلى جانب اختلاط الراقي مع الشعبيّ والمبتذل، والثري مع الفقير، كما نشاهد استعراضاً للمهارة، يشابه عروض السيرك والبهلوانات.

سبق لهذا العرض الأوبرالي أن انتج في لندن سنة 2014
سبق لهذا العرض الأوبرالي أن انتج في لندن سنة 2014

تعتبر صيغة الكرنفال السابقة وسيلة لانتقاد النظام الاجتماعيّ، وأشكال السلطة القائمة في المجتمع، وخصوصا تلك المتمثلة في البابا ورب الأسرة. والجانب الأهم أن الأوبرا تعكس رومانسيّة حياة الفنان ونزواته، وعلاقته بالسلطة الدينية والفنيّة، ودوره في المجتمع، والقوى التي تكبّله وتمنعه حتى من الإنتاج الفنيّ. كما تحضر النزعة الإنسانويّة، وانصياع الفرد لعواطفه، ما يؤمن بأنه من حقه، إلى جانب التركيز على العبقريّة الذاتيّة، تلك التي يمتلكها  الفنان، وتجعله قادراً على تخليص نفسه من المآزق عبر مهارته الإبداعيّة، خصوصاً أن العمل الفنيّ في تلك الفترة كان ذا هالة فيتيشية، بوصفه تمثيلا للقدرة البشريّة على محاكاة الكمال الإلهي.

يمتلئ العرض بالتقلبات والاندفاعات العاطفيّة، خصوصاً أن الضحك والمأساة يتداخلان سويّا ضمن صيغة احتفاليّة. وتقول مصممة الرقصات ليا هوسمان عن هذه التقلبات، كان العمل حافلاً بالفرح والضحك، لكن التحدي الحقيقيّ تمثل في عدم الانزلاق في كوميديا سطحيّة، فالعرض الذي يبدأ كـ”فارس-farce”، يتطور ليكشف عن المفارقة التي تجعله أقرب إلى كابوس يعيشه سيليني.

Thumbnail
14