البريك التونسي يجمع اليهود والمسلمين في جزيرة جربة

“البريك” أكلة تونسية لا تغيب عن موائد التونسيين المسلمين، خلال شهر رمضان، ولكنّها تشكّل أيضا أحد أهمّ المقبلات التي يتفّنن في إعدادها يهود تونس على مدار العام، وتشهد محلات بيع البريك، في جزيرة جربة جنوب شرقي البلاد، إقبالا أكثر من غيرها على هذه الأكلة، ولا سيما تزامنا مع حجّ اليهود لمعبد الغريبة بهذه الجزيرة الساحرة.
الجمعة 2015/05/08

عرف التونسي اليهودي، هاشير عشوش، بمهارته العالية في إعداد أكلة “البريك” التونسية، فهو يمارس هذه المهنة منذ عشرين عاما أو يزيد، في محله الواقع وسط منطقة الحارة الكبيرة بجزيرة جربة، وهي أهمّ مركز لتجمّع اليهود التونسيين في هذه الجزيرة السياحية الواقعة جنوب شرقي تونس.

والبريك هو عبارة عن ورقة ملفوفة، تسمّى “ملسوقة” ومكوّنة من عجين رقيق جدا من القمح أو الشعير، يتم حشوها عادة بخليط من البيض والبطاطا والهريسة والبقدونس وقد تضاف إلى هذا الخليط التونة وبعض التوابل.. ويتراوح ثمنها في المحلات الشعبيّة بين 700 مليم ودينار تونسي واحد، أي ما لا يتجاوز نصف دولار أميركي.

وتعرف أكلة البريك رواجا كبيرا داخل العائلات اليهودية في تونس، لا سيما في موسم زيارة معبد “الغريبة” التاريخي، أو ما يسمّى بحجّ اليهود إلى كنيس الغربية بجزيرة جربة الذي اختتم أمس الخميس.

اقترن رواج هذه الأكلة الشعبية، في منطقة الحارة الكبيرة، باسم اليهودي التونسي هاشير عشوش، فالجميع يعرف أنه أمهر صانع للبريك في جربة، وزوّاره من المسلمين قبل اليهود. ويبدو شكل البريك اليهودي غير مختلف كثيرا عن شكل البريك المعتاد الذي يصنعه مسلمو تونس، لكن بمجرد تذوّقه تتضح خصوصيّة طبخه.

وحسب هاشير (55 عاما)، فإن “الاختلاف الأول بين البريك الذي يصنعه المسلمون والذي يصنعه اليهودي، هو أن المسلمين يعدون الورقة الملفوفة من الفرينة (فصيلة من القمح اللين) والسميد الأرطب (مسحوق دقيق للقمح)، بينما يصنع اليهود الورقة بالفرينة والماء فقط”.

أكلة البريك تعرف رواجا كبيرا داخل العائلات اليهودية في تونس، لا سيما في موسم زيارة معبد “الغريبة”

ويتميّز البريك اليهودي بكونه بسيطا وخاليا من العديد من المكوّنات التي يستعملها المسلمون، فعادة ما يحشو هاشير ورقة البريك بالبيض والبطاطا والبقدونس فقط، في حين يضيف المسلمون البصل والكبّار (نبتة شديدة الملوحة تزرع في تونس) ومواد أخرى.

وفي جزيرة جربة التونسية يعرف اليهود بصناعة البريك، وتقول روايات إن أصل الأكلة من ابتكار يهود تونس، إلا أنّ الباحث التونسي في التراث، عبدالستار عمامو، يرى أن “أصل هذه الأكلة تركي”.

ويوضح عمامو أنه “لا يمكن أن ترتبط الأكلة بديانة محدّدة، بينما يمكن أن ترتبط بحضارة. اليهود هم من السكان الأصليين للجزيرة، لكنهم لم يعرفوا البريك إلا بعد دخول الدولة العثمانية إلى تونس عام 1574. فلو كانوا هم من ابتكروا البريك لشهد التاريخ على هذا منذ الدولة الحفصية التي سبقت الحكم العثماني في تونس”.

ويسترسل الباحث التونسي أنّه “في تونس اقترنت صناعة البريك باليهود، لأنه في السابق كان المسلمون يصنعونه في المنزل فقط ولا يبيعونه في الأسواق، في حين أن اليهود كانوا، منذ القدم، يصنعونه ويبيعونه”.

ولتناول البريك اليهودي، يتوافد التونسيون، مسلمين كانوا أم يهودا، على الحارة الكبيرة، وهي منطقة تبعد قرابة كيلومترين عن مركز جزيرة جربة. يقول التونسي المسلم محمد علي (52 عاما)، “آتي بشكل دوري إلى هنا لأكل البريك من صنع أيدي هاشير. الفرق واضح بينه وبين المسلمين”.

700 مليم سعر أدنى للبريكة ويصل إلى دينار بما يعادل نصف دولار أميركي

وخلال فترة الزيارة السنوية للغريبة، يومي الأربعاء والخميس الماضيين تضاءل إقبال المسلمين على البريك اليهودي، بسبب صعوبة الوصول إلى محل هاشير، جراء التشديدات الأمنية على الحارة الكبيرة التي يعيش فيها قرابة الـ1200 يهودي تونسي. ولم يبد هاشير امتعاضه من التشديدات الأمنية على الحارة الكبيرة بمناسبة زيارة الغريبة، وهو ما يؤثر سلبا في رواج سلعته.

ويوضح أنه “في سائر الأيام كنت أصنع وأبيع قرابة الـ150 بريكة في فصل الشتاء، وفي الصيف قرابة 700 بريكة يوميا، أما اليوم بعد هذه التشديدات الأمنية نزل العدد إلى 30 بريكة، بسبب صعوبة انتقال المسلمين إلى الحارة”. ولكن هذا دون اعتبار رواج هذه الأكلة في مكان زيارة كنيس الغريبة. وداخل “الحارة الكبيرة” في جربة توجد ثلاثة محلات لصنع البريك، ويعدّ محل هاشير عشوش أشهرها.

وفي كل موسم من مواسم الغريبة تقع مزايدة بين هؤلاء التجّار لربح سوق بيع البريك، حيث يقدم كل صانع من صانعي البريك عرضا ماليا لاستئجار مكان في معبد الغريبة، إلى الهيئة المشرفة على المعبد، على أمل الظفر بهذا المكان المميّز، وفي هذه السنة كان الحظ مع التونسي اليهودي “يولا” جار هاشير.

ويرتفع ثمن البريكة إلى الضعف أيام إقامة الطقوس الكبرى لزيارة الغريبة، إذ يشهد البريك إقبالا كبيرا من زوّار الغريبة يهودا ومسلمين. ويقول هاشير إنه باع حوالي 8 آلاف بريكة عام 2010، وذلك للتدليل على مدى رواج تجارته قبل اندلاع الثورة التونسية التي انطلقت شرارتها في 17 ديسمبر 2010، ثمّ أطاحت في 14 يناير 2011 بالرئيس التونسي آنذاك زين العابدين بن علي.

20