البزق آلة موسيقية تصنع بطرق تقليدية لتتغنى بروح الشرق

اهتم العرب بالفنون بأنواعها منذ القدم وتعلقوا كثيرا بالموسيقى والغناء وكان لهم الفضل في ابتكار آلات خاصة بهم طوّروها على مر الزمن تجاوبا مع تطور صناعتها وتغيرات الذوق الفني للمتلقي. وأتقن الفنانون في العالم العربي العزف على الآلات النفخية والآلات الإيقاعية والآلات الوترية مثل آلة العود والبزق التي تعتبر إحدى علامات الهوية العربية، فتجدها مرسومة في اللوحات الفنية القديمة ومذكورة في الوثائق والكتب التاريخية.
الاثنين 2015/08/31
آلة وترية تنتمي لعائلة العود ذات الوجود المميز في تاريخ الموسيقى العربية

لندن - خلّدت أصابع الرسامين القدامى شغف العرب بالموسيقى والعزف من خلال لوحاتهم الفنية الموجودة اليوم في بعض المتاحف والتي رسمت عليها مشاهد من عديد الحضارات تصور إما جلسة فنية وعازفين يمسكون آلة موسيقية أو برسوم يدوية للآلات الموسيقية في حد ذاتها. والملاحظ أن أغلب هذه اللوحات التي تصور الفنون أو حياة الملوك والسلاطين، أظهرت حضورا هاما للآلات الوترية ومن بينها آلة البزق.

ويختلف المؤرخون في تحديد أصل وتاريخ ابتداع هذه الآلة ومن ابتكرها، فمنهم من يرجح أنها آلة تركية الأصل ومنهم من ينسبها إلى اليونان وكثيرون يتفقون على أنها تواجدت في دول الشرق مثل سوريا ولبنان والعراق وعرفت فيها على أيدي الأكراد. كما يعتبر باحثون في تاريخ الموسيقى وآلاتها أن آلة البزق تنتمي لعائلة العود ويعتبرونها مثل البغلاما والطنبور من نفس العائلة لأنها تتشابه في التصميم والشكل وفي اعتمادها على الأوتار، كما يرجح بعض الفنانين أنه يمكن اعتبارها إحدى الصناعات الناجمة عن تطوير آلة العود.

ومهما كانت القراءات التاريخية لتواجد البزق في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط، إلا أن الثابت أنها من الآلات التي يعشقها عدد هام من الموسيقيين الذين إن اتقنوا اللعب على أوتارها فتنوا السامع بصوتها المميّز الذي يجمع في آن واحد بين النعومة والحدة.

ويخشى عليها الفنانون أن تصبح من التراث الموسيقي نظرا لدخول آلات موسيقية جديدة في عالم الفن العربي لذلك انعقد في سوريا أول ملتقى فني تحت اسم “ملتقى البزق” عام 2010 وهو ملتقى سنوي يهدف لإحياء آلة البزق وعدد من الآلات الموسيقية الأخرى التي بدأت تغيب نوعا ما عن الساحة الموسيقية العربية، وذلك لتقريبها من جيل الشباب وضمان استمراريتها كآلة موسيقية عريقة لا يجب أن تندثر.

البزق آلة تصنع من الخشب وتشبه في شكلها العود. وهي آلة وترية ذات عنق طويل وجسم أصغر من العود، تتألف من وترين مزدوجين (صول ودو)، وقد استخدمها فنانو العراق وسوريا، حيث حضرت بقوة في تراثهم الفني، وفي سوريا كان من أبرز عازفيها محمد عبدالكريم الذي يلقب بأمير البزق والذي توفي في الثمانينات من القرن الماضي، كما استخدمها عدد من الفنانين المعاصرين مثل زياد الرحباني.

أنقرة تتميز عن غيرها من المدن التركية بإجادة صناعة البزق بنوعيه العادي والكهربائي إضافة إلى مدينتي إسطنبول وإزمير

ولصناعة هذه الآلة تقاليد خاصة وبعض الأسرار التي يجب أن يتقنها الحرفي وهي صناعة تحتاج إلى تجربة معيّنة وخبرات حسية وفنية لتخرج بالشكل الجميل المطلوب وتتوفر فيها المقاييس والشروط الفنية التي تجعلها تصدر الصوت الخاص بها بدرجة معينة من الحدة والرقة. ويقول زين العابدين تاتليبال، وهو أحد حرفيي صناعة آلة البزق في تركيا، إن الآلة تصنع من 30 نوعا من الأشجار التي تأتي من مدينة سامسون المطلة على البحر الأسود مشيرا إلى أن أجود أنواعها هي خشب أشجار التوت والكستناء والغورغين فيما تستخدم للرقبة شجرة الكالابك. وأوضح الحرفي، الذي ورث الحرفة عن والده، أنه يفضل تركيب كل قطعة لوحدها في صناعة البزق بدلا من نحت الآلة بالكامل من القطعتين الرقبة والقصعة أو ظهر البزق من خشب الأشجار، مضيفا أنه بعد المرحلة التي تلي تركيب القطعتين يتم عمل صنفرة أو صقل للآلة ثم طليها بمادة صمغية تجعل ملمسها ناعما.

وأكد تاتليبال أن الأوتار السبعة التي تركب فيما بعد في البزق تصله جاهزة من إسطنبول فيما يتم تصنيع المفاتيح من أجود أنواع العاج الذي يجلب من غرب أفريقيا، مشيرا إلى وجود نوعين من البزق المصنع في تركيا؛ أحدهما برقبة طويلة ويتكون من 23 فاصلا بينما الآخر قصير يتضمن 18 فاصلا.

واعتبر أن العاصمة أنقرة تتميز عن غيرها من المدن التركية بإجادة صناعة البزق بنوعيه العادي والكهربائي إضافة إلى مدينتي إسطنبول وإزمير. وعن سعر الآلة يقول محدثنا إنه مرتبط بجودة الخشب المستخدم في الصناعة فسعر البزق المصنوع من شجرة التوت يتراوح من 700 إلى ألفي ليرة تركية فيما يتراوح سعر الآلة المصنوعة من الكستناء من 500 إلى ألف ليرة تركية والمصنوع من الغورغين بين 400 و900 ليرة. وعن صناعة البزق الكهربائي يكشف الحرفي أنها أصعب الطرق، حيث تنتج عشر آلات خلال شهر واحد بينما يتم تصنيع 15 آلة من البزق العادي وبجودة عالية في غضون أسبوعين.

وذكر أن ألمانيا تعد من أكثر الدول استيرادا للبزق بصناعة تركية إضافة إلى هولندا والدنمارك وفنلندا وايسلندا وماليزيا، حيث تستخدم في العزف في المناسبات الكبرى كما يأتي زبائن من الدول العربية لاقتنائها.

وأشار إلى أن تعلم العزف على البزق يحتاج لفترة ثلاثة أشهر وأحيانا أقل خاصة إذا كانت لدى المتعلم رغبة جادة في ذلك.

وبيّن زين العابدين أن الآلة منتشرة في المجتمعات الكردية ولديها جمهورها ولكن تختلف من حيث الألحان عن التركية، حيث يعمد الأكراد إلى شد الأوتار لتكون النغمة أقوى وأخشن، بينما تتسم مخارج النغمات لدى الأتراك بالهدوء.

كما ينتشر إلى اليوم عزف هذه الآلة الموسيقية القديمة في دول آسيا الوسطى خاصة أذربيجان وأرمينيا ودول اليونان والعراق وسوريا والبلقان.

12