البساطة سر الجمال

الخميس 2016/07/14

عرف برنامج الكاميرا الخفية في الوطن العربي منذ العام 2012 تحولا جذريا في اللون والرائحة والطعم، فأصبحت جلّ إن لم نقل كلّ الكاميرات الخفية العربية بلا لون ولا رائحة ولا طعم، بل باتت تأتينا في شكل طُعم يوضع للضيف النجم ليكون صاحب المقلب هو النجم الفاعل دائما وأبدا، والضيف الذي وقع في الفخ هو المفعول به أبدا، ولو مع بعض التحالف أحيانا مع صديقه النجم.

"رامز ثعلب الصحراء" 2012، “رامز عنخ آمون” 2013، “رامز قرش البحر” 2014، “رامز واكل الجو” 2015، وأخيرا وليس آخرا طبعا “رامز يلعب بالنار” 2016، كلّها كاميرات خفية في شكل “مقالب” ابتدعها رامز وتعمّمت على بقيّة الكاميرات العربيّة، أساسها فكرة شيطانية واحدة تتكرّر على امتداد شهر واحد، هو شهر رمضان الدرامي، ويكون ضحيّتها في كلّ يوم نجم تلفزيوني أو شخصية عامة، يقع التنكيل به أو بها باتفاق، ربّما، أو دونه مع صاحب “المقلب” ليعمّ الضرب والصفع والركل إثر اكتشاف المقلب، ثمّ يتحوّل المشهد بقدرة قادر إلى ضحك هستيري مع صاحب المقلب الصديق اللدود الذي ليس لعبثه حدود.

هذه النوعيّة المُبتكرة من الكاميرا الخفيّة العنيفة والمُزعجة إلى حدّ الغثيان أحيانا، ظهرت بوادرها الأولى إثر ثورات ما اصطلح على تسميته بالربيع العربي، التي عمّمت الدم في كلّ موطئ قدم طالته الثورة والثروة.

مبدأ التمثيل، ظلّ قائما وبقوّة في مثل هذه النوعيّة من الكاميرا الخفية الجديدة، كسابقاتها من الكاميرا الخفية قبل حمّام الدم الذي طال أراضينا العربيّة من الماء إلى الماء، لكنّ التمثيل هنا بات مُضاعفا في غالبيّته، حيث يتحوّل الضيف بتواطؤ مُسبق -ربما، مرّة أخرى غير بريئة هذه المرّة- مع صاحب المقلب إلى ممثّل حقيقيّ، ينفعل ويتفاعل مع المكيدة التي وقع فيها شتما وصفعا، ورشّ ماء على مُضيّفه، وبالمناسبة لاحظوا ذاك الحضور الغريب لقارورة الماء مع نهاية كلّ حلقة، لتقوم بدورين لا محيد عنهما في مقالب رامز، رشه بالماء وما وراء الحركة المكرّرة مرارا وتكرارا من إعلان مبطّن لـ”الماركة”.

ومع انتهاء هذا الرش الأقرب إلى الرشق بالحجارة، يقع التطهّر الكاترسيسي المسرحي، بين الضيف ومُضيّفه، فينقلب المقلب من فاجعة إلى هاجعة، ليسترسل الضيف في الضحك حتى الثمالة من براعة الحبكة وشراسة الفاعل.

طبعا، هذه النوعية من الكاميرا الخفية تتطلّب إمكانيات لوجستية خارقة للعادة وغير مسبوقة أصلا، من طاقم تمثيلي ضخم وكاميرات مخفية وأخرى محمولة قد يفوق عددها ما يتطلّبه تصوير فيلم سينمائي أحيانا، هذا علاوة على مُدعمات الحكاية المكيدة من مروحيات حينا، ورشاشات حينا آخر، بل وحتى سمكة قرش اصطناعية عابرة للمحيطات في حيلة أخرى، ليبقى السؤال الأهم هنا: أين تلك الضحكة الخالصة التي عوّدتنا عليها الكاميرا الخفيّة في بداياتها العفويّة؟

هنا نستحضر ما بثّته قناة “الجنوبيّة” التونسية الخاصة في رمضان الأخير، من خلال الكاميرا الخفية المُعنونة بـ”حشيشة رمضان” والتي أبدع في تقمص شخصياتها بحرفيّة أقرب إلى العفويّة الممثل محسن الجواني، وهي الغاية الأساسية والأولى للكاميرا الخفية الأصيلة، إظهار الطاقات التمثيلية الكامنة في بطل السلسلة من ناحية ومُشاركة عامة الناس فكرة الحلقات من ناحية ثانية وثالثة وألف..

فأن نضحك مع عموم الناس أبقى وأفيد من الضحك على ذقون الناس بكاميرا خفية في غالبيتها مُفبركة مع تحالف مُمنهج مع الضيف النجم الذي نراه في المسلسلات وعلى المسارح وأيضا في الكاميرا الخفية، ولم يبق إلاّ أن نفتح الحنفيّة فيخرج لنا مع قطرات الماء المُنسابة.

الكاميرا الخفية الأصليّة من الشعب وإلى الشعب، تأتينا في كلّ يوم بحكاية وحبكة وبطل، هو في الأصل ابن الأرض الكادح لا النجم الصاعد إلى السماء، فنُشاطره اللون والرائحة والطعم التي تُشبهنا ولا تشوّهنا، وقديما قيل “البساطة سر الجمال”، واليوم نقول ”سِر على خطى “حشيشة” رمضان، ولن تشعر بالرمضاء”.

صحافي من تونس

16