البساطة والعمق جناحا الشعر إلى القارئ

لا يحتكم الكثير من الأدباء الشباب لقانون الأجناس الأدبية التي تؤطر عادةً النص في قوالب جاهزة محكومة بهندسة سابقة، وبالإرث اللغوي المتراكم، هذا الجيل الأدبي الجديد امتلك سؤاله الكوني وكتب عنه بطريقته الخاصة التي وجدها متاحةً في النصوص المفتوحة القريبة للشذرات الشعرية القصصية المتماهية مع ذات الشاعر بمعزل عن تصنيفها. “العرب” توقفت مع الشاعر العماني وليد الشعيلي في حوار حول تجربته الأدبية التي أخذت في معظمها هذه الملامح النصية المفتوحة.
الأربعاء 2018/02/28
الكتابة هي الملامسة أكثر منها التأطير (لوحة للفنانة غولناز فتحي)

صدرت مؤخراً عن دار مسعى الكندية، بالتعاون مع الجمعية العمانية للكتاب والأدباء مجموعة نصوص حملت عنوان “على طابوقة ينتظر موعداً” للشاعر العُماني وليد الشعيلي. ويأتي هذا الإصدار بعد خمسة كتب سابقة للشاعر. وبين يديه الآن مسودات وأفكار كثيرة تسكن دفتر الملاحظات في هاتفه الشخصي، يغلب عليها التداخل بين الشعر والرواية والنص المفتوح، لكنها -حسب تعبيره- تحتاج لتمحيص ونضج، وإلى إيمان. لا سيما وأنه يتساءل بعد كل كتاب يصدره “ما جدوى أن أكتب كتاباً، هل أعجب الآخرين؟ وما فائدة ذلك لشخص منزوٍ وهارب من كثير من العلاقات؟ وماذا ستجني حين يتأثر الآخرون؟ وهل هذا يخدم قضية الخلود؟ ثم ما جدوى كتاب بعد موتي؟”.

يوميات بلا تصنيف

يشتغل الشعيلي على نصه عبر تطوير أدواته وتجريبها منذ 2014 عندما أصدر أول كتبه بعنوان “القادمون والمغادرون”، والذي تلته لاحقاً مجموعة إصدارات اتخذت من إطار النصوص المفتوحة منطقة للكتابة والتعبير عمّا يجول في خاطره من أسئلة تخص الشعر والكتابة والهوية والحياة. ورغم شاعرية النص، وتماسكه في قوالبه إلا أنه اختار أن يطلقه دون قيد تحت مسمى “نصوص”.

وعن كتابه الأخير “على طابوق ينتظر موعداً” يحدثنا الشعيلي قائلاً “مواصلة الاشتغال على النص القصير غير المصنّف، والمطعم باليومي، إذ يحتوي الكتاب على 250 عنواناً لمقاطع متنوعة، تتراوح بين مجازات العدم والوجود، والميتافيزيقيا، وعوالم مجازية أخرى من التفكير والحلم واليومي واللحظي. وعلى الرغم من اهتمامي بالتصنيف في مثل هذا النوع من النصوص القصيرة المعنونة، خصوصاً أن بعض الأجناس الأدبية يصعب تعريفها أو القبض على مفاتيحها، ولكن، نظراً إلى قصر النصوص وكثرة العناوين ارتأيت أنها أقرب للشذرات كتصنيف للإصدار. في النهاية الحياة انتظار، فكلنا على طابوقة حقيقية أو مجازية ننتظر الموت وأشياء أخرى، في الانتظار على الطابوقة نترك أثراً وأفكاراً وأحلاماً كثيرة، وهذا ما يعكسه الغلاف”.

لغة الكتاب تقترب أحيانا من اللغة اليومية العادية المتداولة، وأحيانا تقفز بالمتلقي عالياً في حالات رفيعة من الصور الشعرية. وعن هذا الأمر يعلّق ضيفنا “في هذا النوع من النصوص النثرية القصيرة التي يقترب بعضها من قصيدة النثر تؤخذ من ضربتها الروحية الأولى، حيث اللغة كأداة وليست بطلاً. لكنها تربصيّة في الوقت ذاته. وليس المطلوب في اليومي إخراج أرانب من القبعة بدل أن تلامس ضلوع المتلقي وما يحيط به، وإن كان بشكل مجازي، فالكتابة هي الملامسة أكثر منها التأطير. ولا أذكر من الذي قال ‘إن الشعر بساطة العمق، وعمق البساطة‘. لكنني أؤمن بذلك. ألكسندر أستروك أيضاً له مقال معروف بين السينمائيين بعنوان ‘الكاميرا قلم‘ وأظن أن الأهم هو القلم كاميرا في كل هذه النصوص اليومية. ويبقى الشعر هو أساس كل هذا رغم أن اللغة خؤون أحياناً، لكنها تفرض نفسها في نصوص لاحقة”.

وليد الشعيلي: الشعر العربي ما بعد الربيع بات يرى الأشياء بطريقة مختلفة ومغايرة
وليد الشعيلي: الشعر العربي ما بعد الربيع بات يرى الأشياء بطريقة مختلفة ومغايرة

ما بعد الربيع

 

عن رأيه في الشعر في زمن الحرب، وفي زمن ما بعد الربيع العربي يقول الشعيلي “لنسلّم بالأمر أن الشعر متابع -ولو من عدد قليل-، لكنها ‘الأقلية الهائلة‘ على رأي الشاعر رامبو في إهدائه هذه الأقلية أحد كتبه. لكن الشعر يظل يفتح خطوته في الطريق، ويتجه بكل أحلامه وأشكاله الأخيرة ومضامينه وانعكاساته حيث القارئ المهتم بالشعر أو المتذوق البسيط. ربما ما حدث للشعر مؤخراً وسط الحروب والربيع العربي تغيير في المنظور، أو ضجة ناعمة. لكن يظل يتأرجح ضمن نفسية النص، وربما أجمل ميزة للشعر بعد الربيع العربي هي رؤية الأشياء بطريقة مختلفة سواء، سواء من الكاتب أو من المتلقي. الشعر بعد الربيع العربي لدى البعض خيار شعري جديد لا أكثر”.

وفي سؤال عن قراءته الخاصة لحرية الرأي في سلطة عُمان، لا سيما بعد حملة التوقيفات التي طالت بعض المثقفين العُمانيين بسبب التعبير عن رأيهم.

يجيب ضيفنا “الحريات كما هو معلوم مصطلح متشعب جداً، وعميق، وداخلي أحياناً، وليس فقط في جانب معيّن، والمشكلة لدينا ليست في الحريات والقمع الفوقي، فهذا موجود في معظم العالم العربي. لكن مشكلتنا في أن المجتمع عدوّ المجتمع، وأنّ المتلقّي عدوّ الكاتب، واتّساع هذا الشرخ”.

ويضيف “لدينا في عُمان حركة بارزة، وخصوصاً من المتلقي العادي، وأحياناً من المثقف القارئ، وهي حركة إطلاق أحكام مسبقة، وكلام، ومحاكمات، وهذه ليست حركة نقدية أو انطباعات واستمتاعات صادقة، أو اطّلاع على النص، أو قراءة متفحصة للنتاج، أو مداخلات واضحة للقضية المثارة، أو احترام الفردانية وحرية التعبير عن الرأي. وهي في الغالب قائمة على المزاج والانتماءات والتقزيمات النفسية، وأحياناً تقوم على التعصّب للشكل، وأحيانا من لا شيء. وهذه ربما هي الحساسية الجديدة لدينا نظراً إلى توفر مواقع الإنترنت”.

وفي ختام حوارنا قادنا الحديث عن المشهد الثقافي العُماني العام، لا سيما بعد الربيع العربي الذي انقسم معظم مثقفيه العرب، وتعسكروا وفق طوائفهم، حيث ابتدأ التصنيف الثقافي على أساس الطائفة، وليس على أساس الأيديولوجيا كما كان الحال في الستينات والسبعينات وحتى بداية الثمانينات من القرن الماضي.

وعن هذا الشأن يرى الشعيلي أن أيّ موضوع في عُمان أو خارج عُمان هو موضوع قابل للضجة وللنقاش من العُمانيين المثقفين وغير المثقفين، كما هو الحال في بعض المجتمعات، وسواء كان هذا الموضوع -لا سيما الداخلي الشأن- سياسياً أو فكرياً أو كارثياً أو فضيحة أو إنجازاً أو إخفاقاً أو سقوطاً، فإن الموضوع يُلاك ويمضغ أسبوعياً من الذي له شأن به، ومن الذي لا شأن له به. دون التطرّق في كثير من الأحيان للحلول والأسباب الخفية. وبعد ذلك ينسى كأن لم يكن. ولا يذهب أبعد من اللّوك والمضغ سواء من الجهة التي أثارته أو من المتلقي، وتنسى أسبابه، وأين وصل، وحتى لو بذلت جهداً لتذكّر بها أحداً فلن تفلح. وهذا طبيعي في ظل كثرة الأحداث أو غرابتها، وعدم فهم مآلاتها وأطرافها ونفسياتها، أو غياب عدم تفعيل الرأي.

15