البستكية مرآة المعمار التراثي ومزار السياح في دبي

الإماراتيون القدامى بنوا بيوتهم وشكلوا هندستهم المعمارية باعتبار الظروف المناخية التي يعيشون فيها، ولم تغب الجمالية عن هذه البنايات رغم اكتساح المباني العصرية للمنطقة، فظل حي البستكية في دبي مثالا شاهدا على براعة القدامى في تشييد حضارتهم، وأصبح الحي مزارا سياحيا يعكس حضارة قديمة لا تمحى.
الاثنين 2016/05/02
معيار الجمال في العمارة الإماراتية

دبي - تشتهر دبي بجذب السياح من جميع جنسيات العالم نظرا إلى الفعاليات وإلى أماكن الجذب السياحي العديدة التي توليها الإمارة اهتماما، والبستكية هي واحدة من معالم دبي الحضارية وشاهدة على تراث الإمارة المعماري القديم.

يعود تاريخ إنشاء البستكية إلى عام 1890، وهي تتكون من مبان تقليدية قديمة تتألف من طابق أو طابقين، ولكن لها قيمة تاريخية كبيرة، وتتخللها العناصر المعمارية القديمة كالبراجيل والأعمدة والتيجان والزخارف الخشبية، وتعتبر من أعرق الأحياء الموجودة في مدينة دبي، لأنها تتميز بأن التراث العمراني بها يوجد على هيئة مبان منفصلة كانت تسكنها عائلات غنية قدموا من مقاطعة بستك جنوب إيران، لذلك سميت المنطقة على اسمهم.

ويلقب الناس منطقة البستكية بالصامدة، حيث أنها صمدت في وجه الحداثة والحراك العمراني السريع، وأصبحت اليوم شاهدة على الهوية الإماراتية وتراث الآباء والأجداد.

وقد حاول المواطنون التمسك بحضارتهم وأصولهم، وما تبقى منها أمام ناطحات السحاب التي تمّ بناؤها من خلال المحافظة على تلك المدينة العتيقة والعريقة، لكن أغلبية السكان انتقلوا إلى الضواحي الحديثة وتركوا الآثار القديمة مواكبين في ذلك العصر الذي يعيشون فيه، وهي تعتبر مهد التراث في دبي، كما أنها وجهة عالمية تضمّ مركزا متخصصا للثقافة والفنون تقام به الفعاليات والمهرجانات والأنشطة المتنوعة، كما أنها تحتوي على أسواق لعرض الأزياء والإكسسوارات التي تصنع داخل البلدة، بالإضافة إلى دار للعرض ومطاعم تعكس طبيعة المنطقة التراثية لتصبح وجهة يقصدها السياح وزوار دبي.

الناس يلقبون منطقة البستكية بالصامدة، حيث أنها صمدت في وجه الحداثة والحراك العمراني السريع، وأصبحت اليوم شاهدة على الهوية الإماراتية وتراث الآباء والأجداد

وهناك خلاف حول التاريخ الذي سميت فيه هذه المنطقة بهذا الاسم، حيث تقول الباحثة الألمانية فراوكه هيرد باي، والتي أصدرت كتابا بعنوان “من الإمارات المتصالحة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة” (عام 1982)، “المنطقة أطلق عليها هذا الاسم عام 1927، ولا بدّ أن نعود إلى الوراء إلى ما قبل العام 1927، وهو تاريخ انتقال بعض العجم من بعض ضفاف الساحل الفارسي إلى دبي”.

وتذكر الروايات أن حكومة دبي اشترت معظم منازل المنطقة من الملاك عام 1950 لحماية الحي بعد تهالكه، لاعتباره رمزا لما عاشه الإماراتيون في الماضي، كما أن منظمة اليونسكو تهتم به لأهميته التاريخية، وقد كانت هذه المنطقة وقتها تشكل كل بلدة دبي، أما الآن فهي لا تمثل إلا 1 بالمئة من مساحة دبي. وعن منازل تلك المنطقة، فهي تتكون من الحجر الأحمر والجبس والرمال، تكسوها زخرفة من الخشب والحجر التي تظهر حضارة الدولة قديما، فطرازها المعماري فريد من نوعه، حيث أن مبانيها متراصة بجانب بعض، وأبراجها شاهقة وأزقتها الضيقة تشير إلى مرحلة مهمة في تاريخ دبي.

وبعد ترميمها عام 1996 قرر المسؤولون أن تكون المنطقة تراثية تعمل على تنشيط السياحة وجذب السائحين من خلال المتاحف والمعارض والفنادق والأسواق التي توجد بها، والتي تلفت نظر المارين إلى روعة معمارها، وقد أدّت عمليات الترميم إلى زيادة جمال المنطقة لاستخدام نفس الأدوات والمواد التي صنعت منها أبنية المنطقة، وقد أدّى كل ذلك إلى أن أصبحت البستكية منطقة جذب للسياح سواء من داخل أهل المدينة أو من خارجها، فهي تعدّ من أهم المناطق التراثية النادرة المتبقية في منطقة الخليج، والتي استطاعت أن تحافظ على طابعها المعماري كالأبواب الخشبية المنقوشة والنوافذ الخشبية والزخارف.

وإذا أمعنا النظر في المباني بالمنطقة سنجد أنها اقتبست طرازها الفني والمعماري من جنوب إيران وشرقي آسيا والهند، كما تأثرت بالقيم والعادات والتقاليد الموروثة من المنطقة، فهي تمثل مرحلة مهمة من تاريخ دبي، وهناك أبنية أخذت أسماء جديدة، مثل مبنى مجلس غاليريا الذي شيده مير عبدالله أميري عام 1930، بالإضافة إلى مبنى دار الندوة الذي شيّده عبدالرحمن محمد فاروق عام 1925، ويُعتبر من المباني ذات القيمة التاريخية الغنية بعناصرها المعماري.

20