البسطاء في قصص إيمان ماضي يلهمون بأقدارهم الأدب

القصص والحكايا موجودة في كل تفاصيل الحياة، في كل مكان، في الطريق، في البيت، في الشوارع، وأينما كانت هناك حياة لا بدّ من قصة تحدث، وما على الكاتب إلا التقاط هذه الحكايا من بيئاتها والعمل عليها لتقديمها إلى القارئ. لكن يبقى منشأ الحكايات الأول المرتبط أساسا بالطفولة ودهشتها اللتين لا تغيبان مطلقا عن الكاتب، هو حضن الجدات، حضن تلك النسوة الحكيمات اللاتي يمثلن خزان الحكايات الأول. “العرب” التقت الكاتبة المصرية إيمان ماضي بمناسبة إصدارها مجموعتها القصصية الجديدة “التوب الأخضر”، التي كانت فيها الجدة والهامشي من أهم منابع قصصها، فكان لنا معها هذا الحوار كقراءة في عملها.
الخميس 2016/03/03
الهامشيون هم صناع التاريخ

عبر بوابات الزمن تطوف الكاتبة المصرية إيمان ماضي مع عتبة مجموعتها القصصية “التوب الأخضر” أجيالا كاملة اختصرتها في شخصية الجدة التي تروي القصة بضميرها الحاضر، لتجعل الشخوص الآخرين، على بساطتهم في الحدث، وكأنهم أبطال صانعون له.

تستحضر الكاتبة في سبيل ذلك تراثا مصريا عميقا في شعبيته وانثيالاته التي تلتقط من خلالها الصورة الكاملـة لبعض العادات التي دخلت اليوم في طـور المـدنيـة، المفارقات هنا تسعى إليها ضيفتنا ولا تنتظر حدوثهـا أو رويهـا، بـل تدخـل في سبيلها إلى دهاليـز الجـدة لتحكي عمـا كانـت شاهدة عليه.

البساطة والتعقيد

إيمان ماضي كاتبة مصرية، وُلدت في القاهرة عام 1978 ودرست في جامعة الأزهر حيث تخرجت من كلية الصيدلة عام 2001، صدرت لها مجموعة قصصية واحدة بطبعتين حملت الأولى اسم “آيس كريم بالكراميل” والثانية جاءت موسومة بعنوان “التوب الأخضر”.

البساطة التي تصنع الجمال، من هذا المفصل تنطلق الكاتبة المصرية إيمان ماضي في مجموعتها القصصية “التوب الأخضر” الصادرة مؤخرا في طبعتها الثانية عن دار ليان للنشر والتوزيع في القاهرة.

عن هذا تقول ضيفتنا إن البساطة التي ارتكزت عليها في طرح القصص تمثل في عمقها كل الأمور وكل الأشياء في الحياة لأن النفس البشرية تعشق البساطة بينما الدماغ هو من يسعى إلى التعقيد ليشعر نفسه بالأهمية بحسب ضيفتنا.

ذاكـــرة الكـــاتبــة وذاكـــرة المحيطين بها شكلتا نسبة كبيرة جدا من العمود الفقري لمجموعتها القصصية

حديث ماضي عن ثنائية الطرح في البساطة والتعقيد قادنا إلى سؤالها عن الموروث الشعبي المصري، القديم والحديث على حدّ سواء، باعتباره نقطة ارتكاز في المجموعة، لتقول “إن الحياة بما تحمله من تفاصيل صغيرة بكل مراحلها تصنع تلك التأثيرات العميقة وبعيدة الأثر”، ومن هنا كان بحث ضيفتنا عن الصور المختلفة أو الحيوات المكتملة لتستطيع من خلالها الإمساك بحبل السرد بهدف إيضاح رؤيتها للحياة التي تعتمد في جوهرها على طرح الحلول التي يمكن إيجادها فقط بالإنصات إلى ما حولنا.

حكايا الآخرين

في الكثيـر مـن القصــص ضمـن المجموعة يبدو واضحا أن إيمان ماضي تلجـأ إلى الآخرين لتحكي عنهم بلسان الكاتبـة، ويمكن ملاحظة هذا من الأفكار المنثـورة في الكتاب من حيث الجدة والحداثـة التي تكمن في المعالجة والطرح.

عـن هـذا تعتـرف ضيفتنا أن ذاكرتها وذاكرة المحيطين بها شكلتا نسبة كبيرة جدا من العمود الفقري للمجموعة، هذه الخلطة السرية التي شابها الخيال في بعض الأحيان كان لا بدّ لها أن تأتي هكذا، لأن حكايات الآخرين -كما تراها الكاتبة المصرية- تحتاج إلى من يرويها بكل ما تحمله بين طياتها من تفاصيل وأحداث، فهؤلاء -أي أصحاب الحكايا البسيطة- هم صناع التاريخ وإن كانوا في لحظة حدوثه على هامشه.
مخاطبة للنفـس البشريـة مـن خـلال احتمالات البقاء والفناء

“التـوب الأخضـر” تمسك بهـا روح واحـدة مـن انطلاق قصصهـا حتى النهـاية، عـن هـذا تقـول ضيفتنـا إن التعمـد هـو الـذي جـاء بـذلـك، فمن خلال نسج القصص أيقنـت ضيفتنـا أن نقاط النور تنتشر في كـل مكـان ومـا علـى الإنسـان إلا أن يفتـح قلبـه قبـل عينيـه لهـا.

ربما لا يفاجأ قارئ قصصها أنها تخرجت من كلية الصيدلة، فالتفاصيل المشغولة بعناية بالغة التعقيد ضمن أنساق الحكاية التي تتناسل منها حكايات عديدة ترتبط بشخصية الكاتبة ومحيطها، كلها تشير إلى قدرة بالغة على خلط القوارير ببعضها وصولا إلى العقار الصحيح الذي يقوم على الإنسان وقدراته اللا محدودة، مهما كان هذا الإنسان خيّرا أو شريرا إلا أنه يستطيع إحداث الفعل وتغيير مسار الأفعال الأخرى كما في قصص “آيس كريم بالكراميل” و“شارع البركة” و“بوتوجاز” و“الرابعة عصرا”.

كل تلك القصص التي تشكل في مجموعها سبع عشرة قصة قصيرة لجأت فيها ضيفتنا إلى التكثيف الذي يقوم على منع الاستطراد -رغم لزومه في بعض الأحيان- وكأنها تسعى مباشرة إلى القارئ من الداخل عبر مسارات الحكاية التي تتفرع فجأة إلى حكايات عديدة تعتمد على الجانب التاريخي أو الاجتماعي أو الاقتصادي وغيرها.

مخاطبة الكاتبة للنفـس البشريـة مـن خـلال احتمالات البقاء والفناء والانتصار والانكسار جاءت منسجمة إلى حد بعيد مع الثنائيات التي رسختها في عتبـة المجموعة ضمن قصة “الجدة” التي تحاول إفراغ ذاكرتها قبل النسيان أمام حفيدتهـا، هكذا تضعنـا إيمـان ماضي ضمن إصدارها الأول في لعبة الذاكرة وما حولنا من حاضر تنساه البهجة.

14