البسطامي الغائب الحاضر في عالم الأرواح

السبت 2014/08/23
لم يكتف بايزيد بجهاد النفس بل تعدّاه الى الجهاد على الثغور

ولد أبو يزيد البسطامي واسمه طيفور بن عيسى في العام 188 للهجرة في بسطام في خراسان، وكان في أول نشأته محبا لأمّه درجة القداسة، طلبت منه مرة كوب ماء فلما أحضره وجدها قد غفت فوقف إلى سريرها حتى استيقظت فناولها الكوب فلما أخذته منه علقت عليه قطعة من جلد إصبعه لشدة البرد، ثم تتلمذ على يد الشيح أبي حسن الخرقاني ومصطفى البكري شيخ الطريقة الخلوتية ورفعه حتى نال عهد الطريقة النقشبندية.

البسطامي العابد

يقول ابن معاز عن البسطامي إنه رآه مرة في أحد مشاهداته كالغريق ذقنه قد طالت تضرب صدره، شاخصا بعينيه من العشاء إلى الفجر، سجد عند السحر فأطال سجوده، ثم قعد فقال: “اللهم طلبوا منك فأعطيتهم طيّ الأرض والمشي على الماء وركوب الهواء وانقلاب الأعيان، وإني أعوذ بك منها”، ومقصد بايزيد أنه يطلب الله فقط دون كل تلك المعجزات، وهو يفهم الإسلام فهماً جديداً فيه الكثير من الجذرية وقد سأله سائلٌ عن السنّة والفريضة فأجاب: “السنّة ترك الدنيا والفريضة الصحبة مع المولى لأن السنّة كلها تدل على ترك الدنيا، والكتاب كله يدل على صحبة المولى فمن تعلم السنّة والفريضة فقد كمل”.


الصوفي المجاهد


لم يكتف بايزيد بجهاد النفس والعبادة بل تعدّاه الى الرباط والجهاد على الثغور، كما كان يفعل سلطان المتصوفين القطب الأكبر إبراهيم بن الأدهم، أول المتصوفة وأعلاهم شأواً في الإسلام، والذي قاتل وتوفي مرابطا في إحدى جزر البحر المتوسط، ومات وهو قابض على قوسه، والرباط كان معروفاً آنذاك وكان الناس الذين يهبون أنفسهم لله، يقصدون أحد الثغور في الجبال على حدود الدولة الإسلامية فيحرسون مع الجنود خوفا من تسلل الأعداء، وهم مدربون على أفضل أنواع القتال، وقد كان بايزيد أحدهم وكان يسهر الليل كله مرابطاً وذاكراً الله، وكان يقول عن نفسه “لم أزل أربعين سنة لم أستند إلا إلى حائط مسجد أو رباط”، ويقول: “أقامني الحق مع المجاهدين أضرب معهم بالسيوف في وجوه أعدائه دهراً طويلاً”.


الطريق إلى الإنسان الكامل


في طريقة البسطامي ثلاثون وسيلة جلّها مجاهدة للنفس كي يصبح واحدنا كاملاً كإنسان، أولها أداء الفرائض وآخرها ترك السؤال وأهم هذه الوسائل محاسبة النفس، وترك الغضب والتكبّر والظلم، واحتمال أذى الناس ومصاعب الحياة، وتقديم النصيحة لخير الناس وشرهم، وحفظ العينين واللسان.

رسم البسطامي بشطحاته الصوفية عوالم السماوات والأرض، ومنحها بعدا بشريا يروي تواصله مع الخالق وتوجهه إليه محبة وعشقا لا طمعا ولا رهبة

ولقد كانت حساسية البسطامي من دلائل سيره في هذا الطريق، إذ يقول البسطامي: “خرجت إلى الجامع يوم الجمعة في الشتاء فزلقت رجلي فمسكت بجدار بيت فذهبت إلى صاحبه فإذا هو مجوسي فقلت: قد استمسكتُ بجدارك فاجعلني في حل، قال أوفي دينكم هذا الاحتياط؟ قلت: نعم، قال: أشهد أن لا اله إلا الله وأن محمداً رسول الله”.


العالم والعارف


كان البسطامي يقول: “لو أعطي شخصٌ كرامة أن يتربع في الهواء فلا تغتروا حتى تجدوا التزامه بحفظ الحدود والتزام الشرع”. وقيل إنه مرة ذهب ليرى زاهداً شهيراً فلما همّ الأخير بدخول الجامع بصق باتجاه القبلة، فلم يسلّم عليه بايزيد ورجع عنه فسئل لم رجعت؟ قال “هذا رجل لم يلتزم أدباً من آداب رسول الله فكيف يكون مأموناً على ما يدّعيه”.

لكن مع ذلك فالبسطامي عرف بشطحاته الشهيرة حيث يعتبره بعض الدارسين مؤسسا للشطح في التصوف الإسلامي، ونسبت له أقوال غريبة كقوله “لا إله إلا أنا فاعبدوني” وقوله “سبحاني ما أعظم شاني”، كما ينسب إليه قوله: “صعدت إلى السماء وضربت قبّتي بإزاء العرش” وهي ما ينفيها شيخ الإسلام الهروي ويقول عنها إنها “أكاذيب انتحلت باسم البسطامي”، وقال الإمام الذهبي في ذلك مبرراً له: “ومن الناس من يصحّح هذا عنه ويقول: قاله حال سكره” وقال ابن حجر: “أبو يزيد يسلم له حاله، والله متولي السرائر”، أما الجنيد فيفسّر أقوال البسطامي وسائر الأقطاب حال سكرهم الروحي تفسيرا لطيفاً فيقول: “الرجل مستهلك في شهود الإجلال فنطق بما استهلكه لذهوله في الحق عن رؤيته إياه فلم يشهد إلا الحق تعالى فنعته فنطق به، ألم تسمعوا مجنون بني عامر لما سئل عن اسمه فقال: ليلى”، وهذه بالفعل مسألة نفسية مفهومة في الحب حين يصبح ولهاً فهياماً، إذ يحل المحب في ذات المحبوب فيصبحان واحداً.

وعلى الرغم من أن الشطح يصدر من أهل المعرفة باضطرار واضطراب، كما يقول دارسو الصوفية وهو دعوى حق يفصح بها العارف، لكن من غير إذن إلهي، إلا أن الأقطاب كالبسطامي وابن عربي والحلاج والسهروردي والنفّري لا يمكن أن يخرقوا مبدءاً عقيدياً وهم أكثر المسلمين معرفة بالعقيدة والسنة والتزاماً بهما.

قال عنه المؤرخون إنه عَلَمٌ دوار في كتب الزهد والرقائق، وكتب التصوف والحلول، له كلمات نيرة وأخرى مظلمة

والأغلب في رأينا أن أعداء هؤلاء الأقطاب اللامعين من صغار الفقهاء ورجال الدين المخادعين المتقربين من السلطة في كل عهد وزمان كانوا يستغلون أقوالهم حال سكرهم وانفصالهم عن العالم البشري فيفسّرونها بغير علم كما يشاؤون، وهذه لا يفسرها إلا ذوو علم في العرفان والتصوف، أو أنهم ينسبون أقوالا مريعة على ألسنتهم كي ينفّروا الناس منهم لأن الناس عموما يميلون إلى ورع وعلم ونقاء وبساطة الأقطاب وهو مما يؤذي مكانة رجال الدين والسلطة معاً.


ابن عربي وابن تيمية


يقول الشيخ محيي الدين بن عربي عن فضل البسطامي: “هو القطب الغوث في زمانه… فمن الأقطاب من يكون ظاهر الحكم، ويحوز الخلافة الظاهرة كما حاز الباطنة من جهة المقام كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز، رضى الله عنهم، ومنهم من له الخلافة الباطنة ولا حكم له في الظاهرة كأبي يزيد”.

قال عنه المؤرخون إنه عَلَمٌ دوار في كتب الزهد والرقائق، وكتب التصوف والحلول، له كلمات نيرة وأخرى مظلمة، والغريب أن شيخاً ظاهرياً كابن تيمية أنكر كثيرا مما يُنسب إلى البسطامي، يقول ابن تيمية في “الرد على الشاذلي”: “ويحكون كلمات مجملة أو فاسدة عن أبي يزيد البسطامي وغيره مضمونها الحلول ويعتقدون أنها صحيحة وتلك الكلمات بعضها كذب عمن نقلوها عنه وبعضها مجملة لا تدل على ما قالوه وبعضها خطأ وضلال ممن تكلَّم بها. لَكِنَّ بَعْضَ ذَوِي الْأَحْوَالِ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ فِي حَالِ الْفَنَاءِ الْقَاصِرِ سُكْرٌ وَغَيْبَةٌ عَنْ السَّوِيِّ وَالسُّكْرِ وُجِدَ بِلَا تَمْيِيزٍ. فَقَدْ يَقُولُ فِي تِلْكَ الْحَالِ: سُبْحَانِي أَوْ مَا فِي الْجُبَّةِ إلَّا اللهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْكَلِمَاتِ الَّتِي تُؤْثَرُ عَنْ أَبِي يَزِيدَ البسطامي أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَصِحَّاءِ وَكَلِمَاتُ السَّكْرَانِ تُطْوَى وَلَا تُرْوَى وَلَا تُؤَدَّى”.


عالم البسطامي السماوي


ينسب الشعراني إلى البسطامي روايات عدة منها قوله: “كان لا يخطر بقلبي شيءٌ إلا أخبرني به”، وقوله: “أدخلني الحيُّ في الفلَك الأسفل فدوَّرني في الملكوت الأسفل، فأرانيه، ثم أدخلني في الفلك العلوى وطوى بي السموات، فأراني ما فيها إلى العرش، ثم أوقفني بين يديه، فقال: سلني أيّ شيء رأيته حتى أهبه لك فقلت: ما رأيتُ شيئاً حسناً فأسألك إياه، فقال: أنت عبدى حقّاً تعبدني لأجلي صدقاً”، وقال البسطامي أيضًا:” أراد موسى عليه السلام أن يرى الله تعالى، وأنا ما أردت أن أرى الله، هو أراد أن يراني”.

قال عنه المؤرخون إنه عَلَمٌ دوار في كتب الزهد والرقائق، وكتب التصوف والحلول، له كلمات نيرة وأخرى مظلمة

وروى ابن الجوزي أن رجلاً من أهل بسطام كان لا ينقطع عن مجلس أبى يزيد لا يفارقه فقال له ذات يوم: يا أستاذ أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدهر وأقوم الليل وقد تركت الشهوات ولست أجد في قلبي من هذا الذي تذكره شيئاً البتة، فقال له أبو يزيد: لو صمت ثلاثمئة سنة وقمت ثلاثمئة سنة وأنت على ما أراك لا تجد من هذا العلم ذرة، قال: ولم يا أستاذ، قال: لأنك محجوب بنفسك فقال له: أفلهذا دواء حتى ينكشف هذا الحجاب، قال: نعم ولكنك لم تقبل، قال: بلى أقبلُ وأعمل ما تقول، قال أبو يزيد: اذهب الساعة إلى الحجام واحلق رأسك ولحيتك وانزع عنك هذا اللباس ابرز بعباءة وعلق في عنقك مخلاة واملأها جوزاً واجمع حولك صبياناً وقل بأعلى صوتك يا صبيان من يصفعني صفعة أعطيته جوزة وادخل إلى سوقك الذى تعظم فيه فقال: يا أبا يزيد سبحان الله تقول لي مثل هذا ويحسن أن أفعل هذا فقال أبو يزيد: قولك سبحان الله شرك قال: وكيف قال: لأنك عظمت نفسك فسبحتها فقال: يا أبا يزيد هذا ليس أقدر عليه ولا أفعله ولكن دلني على غيره حتى أفعله فقال أبو يزيد: ابتدر هذا قبل كل شيء حتى تسقط جاهك وتذل نفسك ثم بعد ذلك أعرفك ما يصلح لك قال: لا أطيق هذا، قال: إنك لا تُقبل”.


حتى الغزالي


قال الغزالي في “إحياء علوم الدين”: “وأما أبو يزيد البسطامي رحمه الله فلا يصح عنه ما يحكى وإن سمع ذلك منه فلعله كان يحكيه عن الله عز وجل في كلام يردّده في نفسه، كما لو سمع وهو يقول: (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني)، فإنه ما كان ينبغي أن يفهم منه ذلك إلا على سبيل الحكاية”. أما العماد بن كثير فقال في “البداية والنهاية”: “وقد حكي عنه شطحات ناقصات، وقد تأوّلها كثير من الفقهاء والصوفية وحملوها على محامل بعيدة، وقد قال بعضهم: إنه قال ذلك في حال الاصطلام والغيبة”.

14