البشر مختلفون لكن يمكنهم أن يتعاونوا لإيجاد الحقيقة

توجه أصابع الاتهام عن جهل اليوم إلى الحضارة الإسلامية، كونها لا تصنع إلا التطرف والتعصب، فيما يمكن لأي متمعن في التاريخ الإسلامي أن يرى بوضوح شديد الكثير من الإنجازات الحضارية والفكرية والعلمية والاجتماعية، لحضارة آمنت بالإنسان في بعديه الفكري والروحي، فلا تفصل هذا عن ذاك، وربما من الممكن مقارنة الحضارتين الغربية والإسلامية اليوم لا تبيّنا للاختلاف التصادمي بقدر ما هو تأكيد على التنوع واختلاف وجهات النظر.
السبت 2017/11/04
الأنا والآخر اختلاف وليسا خلافا (لوحة للفنان سيد متولي)

عدة مقارنات عقدها الباحث المصري علي القاضي في تناول الفروق الجوهرية في ما بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية وما في تعاليم الإسلام من تنظيم كافة شؤون الحياة، والتي استمدت منها الحضارة الإسلامية كينونتها ومن توجيهاتها خصائصها، وأعادت صياغة العقل البشري بما جعله قادرا على عمارة الأرض أو ما يسمى بالفعل الحضاري، ومدى الاتفاق أو الصراع بينها وبين الحضارة الغربية التي أصبحت هي المسيطرة في العصر الحديث.

وناقش الباحث في كتابه “الحرية والتنوير والتراث.. مفاهيم إسلامية” عدة قضايا فكرية منها: قضية الغزو الفكري والثقافي، وإننا أصبحنا في العالم العربي والإسلامي مستهلكين نستورد العلم والأدوات الاستهلاكية اللازمة لمتطلبات الحياة، ونستورد معها الفكر، لأننا نراه أكثر استنارة وأكثر تحضرا من فكرنا.

يتناول علي القاضي في كتابه، الصادر عن وكالة الصحافة العربية، مجموعة من القضايا الفكرية من منظور إسلامي وسطي، فيتحدث عن الحرية قائلا “الحرية بمفهومها الغربي بمعنى التحرر والانطلاق دون قيد أو شرط، أي أن تفعل ما تشاء وقتما تشاء طالما أنك لا تخالف القانون أو تؤذي الآخرين، لكن الإسلام والحضارة الإسلامية ترى أن الحرية مسؤولية ولا تؤمن إلا بالحرية المنضبطة، فالحرية أخذ وعطاء والحرية في الإسلام تتمثل في حرية الاعتقاد وحرية التعبير، وهي تجعل الإنسان ينطلق لبناء مجتمع متحضر ويعمل على إعمار الأرض”.

وعن التنوير، يقول الباحث “إنه من الإنارة، أي الضوء وأقول إني أنرت على فلان إذا أرشدته إلى الطريق الصحيح، والتنوير في الحضارة الغربية يعتمد على التحرر والشجاعة والجرأة في استخدام المعلومات والمعارف العلمية بعيدا عن الاستبداد الديني والسياسي، وهو مفهوم مادي بحت ينفصل عن السلوك ومنهجية التفكير، أما بالنسبة إلى الحضارة الإسلامية فإن مفهوم التنوير يعد عاما وشاملا لكل مجالات الحياة فهو تنوير في العقل والأخلاق والسلوك”.

ويؤكد القاضي أن فكرة التقدم هي كل خطوة يخطوها الإنسان إلى الأمام أو إلى أعلى في الطريق الصحيح، كل علم يتعلمه كل إنجاز يحققه هو نوع من التقدم، والتقدم كمي وكيفي وكل هدف يحققه الإنسان يرتقي به في سلم القيم الإنسانية يعد تقدما، والحقيقة أن التقدم في الحضارة الغربية يقوم على أساس المادة وحدها بعيدا عن التقدم الروحي والأخلاقي، لأن الغربيين يرون الناحية المادية التقنية فقط للتقدم، فقد حقق الغرب طموحات علمية وإنجازات واختراعات كثيرة، ولكنه تحول بماديته إلى آلة، فحول كل شيء حوله إلى مادة، وفقد في ذلك الجانب الإنساني، وهو ما جعل الكثير من الأفراد في المجتمعات الغربية يشعرون في أعماق أنفسهم بالغربة والتعاسة والشقاء.

أما التقدم في الحضارة الإسلامية، فيرى القاضي أنه مرتبط بتقدم الإنسانية كلها في كل نواحيها العلمية والعملية والأخلاقية والروحية، فالمسلم سيد هذه الأرض من أجله خلق الله كل شيء وأوكل إليه مهمة عمارة الأرض وفق منهج محدد وضعه الله له، وقد تركت الحضارة الإسلامية معارف علمية واختراعات أنارت للعالم كله، وهي في أثناء البناء تهتم أيضا ببناء الإنسان، وتبني للحياة الأخرى كما تبني لهذه الحياة الدنيا.

مقارنات فكرية بين الحضارة الإسلامية

ويرى البعض مفهوم السعادة في الثروة المادية والصحة الشاملة والمناصب والدرجة العالية والشهرة، فالسعادة في الحضارة الغربية تمثل إشباع الطموحات الفردية والحصول على أكبر قدر من المتع دون حدود، وهي سعادة تقوم على الإفراط في اللذة الحسية على حساب الجانب الروحي والبدني، فتحقيقها يرهق النفس البشرية ويتركها في حالة من الخواء الروحي والقلق النفسي، أما في الحضارة الإسلامية فالسعادة نوعان؛ سعادة دائمة وأخرى زائلة، أما الدائمة فهي التي ينعم بها الإنسان في الآخرة، وهي للذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهي سعادة أبدية لا تشوبها شائبة من قلق أو إرهاق.

أما السعادة الزائلة فهي تلك التي يحققها الإنسان في حياته الدنيا وهي سعادة مؤقتة يشوبها بعض الألم والقلق والتعب في تحصيلها والخوف من فقدها، وهي تنقسم إلى سعادة حقيقية وهي تلك التي يحققها من آمنوا بالله وحده وساروا على نهجه وحققوا غايته في عمارة الأرض، وأن تعم الفائدة من علم وعمل صالح على كل البلاد والعباد، أما السعادة الزائفة فهي تطابق ما في الحضارة الغربية من إرضاء للذات وإشباع النفس بالملذات والسعي وراء المناصب والأموال، ويرى المؤلف أنها لا تورث إلا الأرق والقلق عند اكتسابها والخواء النفسي والروحي بعد الوصول إليها.

إن وضع المفاهيم الإسلامية في إطار مقارنتها بنظيرتها في الحضارة الغربية يوضح أن العلاقة بينهما لا ينبغي أن تكون علاقة صراع وأن الاختلاف ليس بالضرورة يعني الخلاف، فالإنسان في حياته يبحث عن الحقيقة ومن الممكن أن يتعاون البشر من أجل الوصول إليها.

ويرى المؤلف أنه من الممكن فتح صفحة جديدة توضح للعالم مدى رقي التعاليم الإسلامية، وتهدي ذلك العالم الذي ضغطت عليه الماديات وأرهقت نفسه وروحه في السعي واللهاث وراءها، وتأخذ بيده ليعرف المعنى الحقيقي للسعادة، وتتفتح آفاقه على المفاهيم الصحيحة ووجهة النظر الصائبة في ما يخص التنوير والحرية والحب والصداقة والتنمية والتقدم والقوة وغيرها كثير من المفاهيم التي يسيء فهمها واستخدامها من خلال نظرته المادية البحتة.

ويرى الباحث أن الحضارة الغربية صنعت هالة كبيرة حولها، فهي تقدمت ماديا لكنها تأزمت روحيا ونفسيا، إذ تمتلك كل وسائل الرفاهية ومع ذلك لديها أعلى معدلات الانتحار، فالاكتفاء بالجانب المادي والسعي الدائم وراء المال والرغبة في الثروة بات بمثابة محنة للإنسان الغربي، حيث تلتهم الروح وتتآكل معه النفس قلقا وخوفا من المجهول أو المستقبل، ويتناول المؤلف العديد من المصطلحات البراقة، من وجهة نظر الغرب أو الحضارة الغربية، ثم المقارنة بينها وبين وجهة نظر الحضارة الإسلامية، والأمثلة على ذلك كثيرة تعرض لها بشيء من التفصيل.

والكتاب في مجمله كتب بلغة سهلة شيقة، بسيطة التناول ورغم بساطتها تتسم بقدر من العمق والاستفاضة في الشرح والتناول، ومن خلال التناول يتضح الفهم العميق للحضارة الغربية ومشاكل الفرد في تلك المجتمعات، وكذلك المفارقة بين المشاكل التي يعانيها وبين انبهار الفرد في المجتمعات العربية بتلك المجتمعات.

16