البشر يستنشقون السم القاتل، التلوث يحصد الملايين في العالم

هل يعرف الإنسان في العصر الحديث ما يصنعه بنفسه؟ إنه يحول حياته إلى جحيم بفعل ما يخلفه من تلوث يصيب كل محيطه، ويصيب الهواء الذي يتنفسه يوميا، ففي المدينة صار البشر يتمنون جرعات أوكسجين يتنفسونها حتى ينتعش الجسم بدل ما يعانيه من أمراض تنفسية جراء الهواء الملوث.
السبت 2017/10/21
ربع الوفيات في العالم له صلة بالبيئة

لندن - أظهرت دراسة دولية ضخمة أن التلوث يقتل الملايين من الأشخاص في مختلف أنحاء العالم، مشيرة إلى أن غالبية الوفيات تكون ناجمة عن أمراض يسببها التلوث مثل أمراض القلب والسكتة وسرطان الرئة.

وأشارت الدراسة إلى أن غالبية الوفيات الناجمة عن التلوث، أي نحو 92 بالمئة، تقع في الدول الفقيرة أو متوسطة الدخل، مضيفة أن التلوث مرتبط بنحو ربع العدد الإجمالي للوفيات في دول تنمو فيها الصناعة بسرعة.

وقال فيليب لاندريجان الأستاذ في كلية أيكان للطب في ماونت سايناي بالولايات المتحدة وشارك في الدراسة “إن التلوث أكثر بكثير من مجرد تحد بيئي، إنه خطر شديد ومنتشر يؤثر على أوجه عديدة من صحة البشر”.

وقالت الدراسة إن الهواء الملوث بسبب انبعاثات المواصلات أو الإنتاج الصناعي أو أجهزة التدفئة هو العامل الرئيسي في ارتفاع عدد الوفيات إذ أسفر عن نحو 6.5 ملايين حالة وفاة.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد كشفت في العام 2016 أن ربع الوفيات في العالم، بغض النظر عن الفئات العمرية، ناجم عن سبب ذي صلة بالبيئة بمفهومها الواسع الذي يشمل عوامل متعددة تمتد من التلوث إلى الحوادث المرورية.

تغير المناخ قد يؤدي إلى إعادة أكثر من 100 مليون شخص إلى دائرة الفقر المدقع بحلول عام 2030

وتقول مارغريت تشان المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية إن “البيئة الملوثة بيئة فتاكة، لا سيما للأطفال الصغار.. الذين هم أكثر عرضة لتلوث الهواء والمياه لأن أعضاءهم وجهازهم المناعي قيد النمو، كما أن أجهزتهم التنفسية خصوصا لا تزال صغيرة الحجم”.

فكل سنة تتسبب المخاطر البيئية، من تلوث الهواء الخارجي والداخلي والتدخين السلبي والمياه الملوثة ونقص شبكات الصرف الصحي وقلة النظافة، في وفاة 1.7 مليون طفل دون الخامسة من العمر في العالم، حسب توضيح المنظمة الأممية.

ومن المتوقع أن يعاني 7.5 مليون طفل إضافي من التقزم بحلول عام 2030، وأن يتأثر أربعة ملايين طفل منهم بالتقزم الشديد (أي بزيادة قدرها 4 بالمئة).

وتقدر منظمة الصحة العالمية أنه في ظل تغير المناخ سيرتفع هذا العدد إلى عشرة ملايين طفل إضافي يعانون التقزم بحلول عام 2050. وتشير الدراسات العلمية إلى أن تلوث الهواء له أضرار جسيمة على جسم الإنسان، إذ أنه لا يضر بالرئتين فقط بل أيضا يعيق عمل الكلى وقد يتسبب في قصور كلوي.

ولفحص آثار تلوث الهواء على الكلى، تابع فريق من الباحثين في كلية الطب بجامعة واشنطن الأميركية ما يقرب من 2.5 مليون شخص، لفترة امتدت 8.5 سنوات ابتداءً من عام 2004.

وأثبتت النتائج أن تلوث الهواء تسبب في وقوع 44 ألفا و793 حالة إصابة جديدة بأمراض الكلى، و2438 حالة فشل كلوي بين المشاركين في الدراسة خلال فترة المتابعة.

وأرجع الباحثون سبب ذلك إلى الجسيمات الدقيقة التي يقل قطرها عن 2.5 ميكرومتر، المنبعثة من مصادر صناعية، والتي يمكن استنشاقها فتستقر في الرئة.

التلوث في الريف والمدينة

ووجد الباحثون أن هذه الجسيمات الدقيقة تتلف الكلى بنفس الطريقة التي تؤذي بها الرئتين والقلب، وغالبا ما تكون غير مرئية وموجودة في الغبار والأوساخ والدخان وتكون مدمرة للجسم حينما تغزو مجرى الدم.

وعادة ما تقوم الكلى بدور تنقية الدم وترشيح المواد الموجودة فيه، وتعلق هذه الجزيئات الضارة بالكلى وتعطل وظائفها ويمكن أن تسبب الفشل الكلوي.

وتوصل الباحثون إلى أن معدلات تلوث الهواء وخاصة في المدن الصناعية سيئة للغاية، وأن الناس الذين يعيشون فيها تزيد خطورة إصابتهم بأمراض الكلى.

وقال قائد فريق البحث، الدكتور زياد العلي، إن “البيانات المتصلة بالعلاقة بين تلوث الهواء وأمراض الكلى لدى البشر شحيحة، ومع ذلك ما إن حللنا تلك البيانات حتى اتضحت العلاقة بين تلوث الهواء وتطور أمراض الكلى”.

وأضاف العلي قائلا “رغم أن الأشخاص الذين يعيشون في مناطق تعاني من مشاكل تلوث الهواء هم الأكثر عرضة للخطر، إلا أن أي مقدار من تلوث الهواء يمكنه الإضرار بالكلى”.

وأوضح أنه “كلما ارتفع معدل تلوث الهواء كان ذلك أسوأ بالنسبة إلى الكلى، وهذا يستدعي إجراء المزيد من الدراسات حتى يكون تقييم العبء العالمي لأمراض الكلى التي يسببها تلوث الهواء تقييما أوسع”.

ويعتبر تلوث الهواء عامل خطر يساهم في ظهور العديد من اﻷمراض، بما فيها مرض القلب التاجي وأمراض الرئة والسرطان والسكري.

ويمكن أن يؤدي تغير المناخ إلى إعادة أكثر من 100 مليون شخص إلى دائرة الفقر المدقع بحلول عام 2030، ويعزى جزء كبير من هذا التراجع إلى آثار التغير المناخي السلبية على الصحة.

ويمكن أن يؤدي تغير المناخ إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية في أفريقيا بنسبة 12 بالمئة عام 2030 و70 بالمئة بحلول عام 2080، ما يمثل ضربة قوية للدول التي يبلغ فيها الاستهلاك الغذائي لأشد الأسر فقرا أكثر من 60 بالمئة من الإنفاق الإجمالي.

وجاءت المياه الملوثة في المرتبة الثانية لتسببها في نشر أمراض الجهاز الهضمي والعدوى الطفيلية مما أدى إلى وفاة 1.8 مليون شخص. واستخدم البحث الذي أجراه نحو 40 عالما دوليا بيانات من معهد القياسات الصحية والتقييم التابع لجامعة واشنطن ونشر في دورية لانسيت الطبية أمس الجمعة.

20