"البشعة" أول محكمة عرفية لكشف الكذب عند العرب

يعود تاريخ الاحتكام بين الناس إلى أول تشكل للبنات المجتمع، حيث كان عقلاء القبيلة وشيوخها ينظرون في الخلافات بين الناس محاولين ردّ الظلم عن المظلوم، ثم جاء الإسلام وتطور القضاء ليصبح أكثر تنظيما ومهمته الفصل بين الناس في الخصومات حسما للتداعي وقطعا للتنازع، وذلك بالأحكام الشرعية المستمدة من الكتاب والسنة. ومع تطور الدولة تطورت المؤسسة القضائية على ما نراه اليوم ولم تندثر عادة الاحتكام إلى كبار القوم، لكن اللافت للانتباه أن محكمة عرفية تدعى “البشعة” لا زالت قائمة في مصر لا علاقة لها بالقوانين ويأتي اسمها من بشاعة المحاكمة وقسوتها.
الجمعة 2016/06/03
"المبشع" كسب من الخبرة ما يجعله يكشف المذنب

القاهرة- “بِشْعَة النار” محكمة عرفية لجأ إليها المصريون والعرب للفصل في قضاياهم الخلافية بعيدا عن الجهات الأمنية، واستمدت اسمها من “بشاعة” المحاكمة، حيث يتم تقريب قطعة حديد متوهّجة، بعد وضعها في النار لساعة ونصف كاملة، من وجه المتهم ليلعقها بلسانه، فإذا كان بريئا لن يشعر بألم، وإذا كان مذنبا ستحرق النار لسانه.

والغريب أنه مع التقدم التكنولوجي الذي شهدته المجتمعات العربية، وارتفاع معدلات الكشف عن الجريمة بالطرق الحديثة، إلا أن البعض لا يزال يلجأ إلى طرق قديمة تعد من ضروب السحر والشعوذة.

والمثير أن هناك مترددين على البِشْعَة من الطبقات الغنية، منهم مثقفون ومشاهير طبقا للمحاضر المسجلة لدى الشيوخ. ولم يجد شابان مصريان تجاوز عمرهما الـ30 عاما مفرا من مواجهة النار بلسانهما والاحتكام للبِشْعَة لإثبات براءتهما من تهمة سرقة 15 ألف جنيــه (نحو 1500 دولار) من منزل الأخ الأكبر لهما، بينما رفض الثالث المجيء.

وفي الصباح الباكر ذهبا بصحبة أخيهما الذي سرق منه المبلغ المالي قاصدين قرية سرابيوم بمحافظة الإسماعيلية شرق القاهرة، المكان الأشهر وسط الكثير من القبائل في مصر وغيرها من الدول العربية، ومعروفة بوجود مشايخ بدوية يمارسون البِشْعَة.

وحضرت “العرب” جلسة البِشْعَة وتتبعتها منذ قدوم الأشخاص وحتى صدور الحكم، لكن هذه المشاهدة جاءت بعد موافقة صعبة من المُبَشَعْ (القاضي العرفي المسؤول عن البِشْعَة) الشيخ محمد سليمان العياد البالغ من العمر 44 عاما، والذي يعمل في هذه المهنة منذ أن ورث طلاسمها (كلمات وأدعية مجهولة) عن أبيه قبل 12 سنة.

المحاكمة تبدأ بالتمتمة بكلمات غير مفهومة، ثم يقوم المبشع بضرب الطاسة بيده ليؤكد أن النار لا تضر بريئا، ليبدأ بعملية كي اللسان، فمن كان بريئا لا يصاب بمكروه، ومن كان مذنبا يكتوي بنار "الطاسة"

مقدمات وطقوس

نباح الكلاب يحاصر المكان الذي يحتوي على دور واحد أبيض الدهانات مكتوب عليه من الخارج بخط اليد وبلون أحمر “هنا البِشْعَة العرفية”، ومن الداخل كانت حجرة كبيرة جدا تتسع لـ60 فردا ملحقة بالبيت الرئيسي للمُبَشَعْ.

وقبل بدء الجلسة حاول المُبَشَعْ الوصول إلى اتفاق بين الإخوة بالتراجع والاعتراف، لكنهم أصروا على إجراء الاختبار ليثبتوا لأخيهما عدم سرقته. وكان هناك شخص مهمته تنظيم دخول الأشخاص والتوجيه إلى الأماكن المخصصة وتقديم واجب الضيافة.

وجلس الجميع على الأرض وقام “كاتب الجلسة” بتسجيل أسماء أصحاب القضية، الأخوين المُدَّعَى عليهما، والأخ الثالث المُدَّعِي، ونوع التهمة (السرقة) في سجل خاص بالمُبَشَعْ. ثم جمع توقيعات بالموافقة على الحكم، وأن المُبشَع غير مسؤول عن الضرر الذي يصيب الكاذب، وأخذ بصمات أيديهم وجلس ينتظر الحكم النهائي ليسجله. ووضع الشيخ سليمان وسط ألسنة لهب قطعة حديدية طويلة في نهاية طرفها جزء حديدي آخر على شكل دائرة يعرف بـ”الطاسة” أسود اللون يبلغ قطره حوالي 25 سم.

مهنة طلاسم يتوارثها الأبناء عن الآباء

ونادى المُبشَعْ على الأخ الأول بعد احمرار الطاسة وقرأ التهمة المنسوبة إليه، ثم سادت حالة من الترقب والصمت لم تقطعها سوى دقات قلوب متسارعة من الموقف عندما رفع الشيخ سليمان البِشْعَة المشتعلة، وعيناه على الأخوين مراقبا تغيّرات وجهيهما، محذرا من خطورة تعرض لسانهما للحرق إذا كانا كاذبين.

ومرت الدقائق كالساعات بعد طلب المُبشَع من المتهم الأول إخراج لسانه خارج فمه ليتأكد من خلوه من أي إصابات، وأن يغسله ثلاث مرات بالماء حتى يكون نظيفا. وتمتم الشيخ سليمان بكلمات لم يفهمها أحد، وقام بضرب الطاسة بيده، ليؤكد أن النار لا تضر بريئا، وبعدها طلب من المتهم الأول مد لسانه وقام بوضع البِشْعَة عليه بسرعة وإتقان وتمرّس، ثلاث مرات ثم صرخ في وجهه بأن يقفل فمه وألا يحرك لسانه، وكرر ذلك مع الأخ الآخر.

ولاحظت “العرب” أنه بالرغم من شدة سخونة النار وارتفاع درجة حرارة “الطاسة”، إلا أن الأخوين لم يظهر عليهما ألم. وجاءت لحظة الفصل التي ينتظرها الجميع ومضت نحو ست دقائق ثقيلة على المتواجدين، بعدها طلب المُبشَع من المتهمين أن يخرج كل منهما لسانه بشكل واضح، لكي يتأكد إذا ما كانت النار قد تركت أثرا أم لا، وعندما لم يجد شيئا أعلن بصوت عال براءة كليهما.

والظاهرة تبدو غريبة، لكن محمد حامد أستاذ الطب النفسي، يرجع ذلك إلى عوامل نفسية تتحكم في الشخص الذي يتعرض لتجربة البِشعَة. وفسر لـ”العرب” أن خوف المذنب وارتباكه يجففان لعابه، وبما أن اللعاب يساعد على امتصاص الحرارة ويخففها، فإن البِشْعَة لا تضر بريئا، فلعابه يحول دون ذلك، لكن إذا لامست الطاسة الساخنة لسان المذنب الجاف التصقت به وأحدثت بثورا.

ويرى أستاذ الطب النفسي أنه لا يجب التعويل على تلك النظرية، لأن الخوف وجفاف اللعاب قد يكونان من طبائع بعض البشر، فكيمياء الجسم تتغير بمجرد توجيه الاتهام للشخص دون أن يكون مذنبا.

وأكد المُبشَع الشيخ سليمان لـ”العرب” أن النار تصيب لسان المتهم إذا كان يكذب بعد قراءته لطلاسم معيّنة، زعم أن والده قالها له وهو على فراش الموت، حتى لا يخرج سرّها عن عائلتهم، وهي (في نظره) أمانة في رقبته لإظهار الحق وتحمل ثقة المظلومين به، وأغلبية المدانين تعترف عندما تشاهد ألسنة اللهب.

ولفت المُبشَع إلى أن كل القضايا مسجلة لديه في دفاتر وتتنوع بين السرقة والتحرش، وزنا المحارم والسحر، وأن محكمة البِشْعَة يأتيها الناس من أماكن مختلفة، فيما تتنوع أوساطهم ومستوياتهم الاجتماعية، والجميع متساوون، أغنياء كانوا أم فقراء، مثقفون أم بسطاء.

أستاذ الطب النفسي: هناك عوامل نفسية تتحكم في الشخص الذي تجرى عليه "البشعة"

وهناك جانب إنساني لا يستطيع الشيخ سليمان تجاهله، وهو أنه لا يفضح امرأة زانية، إذا اعترفت له قبل بدء الجلسة، لعدم هدم الأسرة طالبا منها التوبة والرجوع إلى الله، ويحول دون لمس البِشْعَة للسانها.

ومن يعترف له بالسرقة وأنه أخطأ ويريد التوبة، يعطيه مهلة لإرجاع المسروق ويأخذ عليه إقرارا لا يعرف سره أحد غيره، وإن لم يصدق السارق قام بفضحه وأفشى سره.

وتبدأ تكلفة الجلسة من 400 جنيه للشخص الواحد (حوالي 40 دولارا)، بالإضافة إلى 300 جنيه (نحو 30 دولارا) للطقوس والاستضافة، وأحيانا تصل التكلفة إلى 10 آلاف جنيه (ألف دولار) في قضايا السرقة.

ومنذ شهرين سرق عامل في شركة كبيرة للسبائك النحاسية، كمية تجاوز سعرها 300 ألف جنيه (30 ألف دولار) واختارت الشركة أن تحتكم إلى بِشْعَة الشيخ سليمان لمعرفة السارق.

ولفت المُبشَع إلى أن هناك أشخاصا يتناولون مواد مخدرة معتقدين أنهم لن يشعروا بالنار، وهناك من يلجأ إلى السحر أو الشعوذة ليحول بينه وبينها، لكنهم مخطئون، فالنار تبطل كل أعمال السحر والمخدرات وتظهر المدان.

طلاسم وأسرار

احتضنت قرية سرابيوم، التي تبعد عن محافظة الإسماعيلية بنحو 32 كيلومترا جنوبا، تلك المهنة منذ أكثر من 120 عاما، حيث توارثها أبناء العائلات التي تنتمي إلى أصول عربية في القرية عن آبائهم وأجدادهم، ولا يتعدى عدد القائمين على البشعة 35 شخصا.

وأكد محمد سعيد، مدرس تاريخ ومقيم بالقرية، أن البِشْعَة محكمة عرفية يرجع أصلها إلى شبة الجزيرة العربية، وكانت هناك ثلاث بشْعَ رئيسية، “بِشْعَة العيادي”، وهي محصورة في قبيلة العيايدة بسيناء، ومقرها اليوم أصبح سرابيوم بمحافظة الإسماعيلية، و”بِشْعَة الدِّبِر” في العقبة بالأردن، اندثرت بعد بموت آخر مُبشَع عام 1976، و”بِشْعَة العلى” في شمال غرب السعودية، وقد اختفت تماما.

مهنة طلاسم يتوارثها الأبناء عن الآباء
وأضاف لـ”العرب”، أن قبيلة العيايدة هي الوحيدة المختصة فيها حتى الآن بالوراثة منذ القدم، ولا يستطيع أحد خارج أبنائها أن يكون مُبشعًا لأن لها أسرارا وطلاسم لا تفشى لأحد غيرهم.

ويجب أن تتوفر في المُبشَع التقوى والصدق والفراسة قبل كل شيء لتساعده على اكتشاف الكاذب. وقال البعض من أهالي القرية لـ”العرب”، إنه تتوافد على مُبشَع سرابيوم عائلات من دول عربية مختلفة، ومحافظات مصرية عديدة في فترة النهار، لكنهم يكثرون ليلا حتى لا يتعرف عليهم أحد. وكشف الشيخ سليمان أنهم يعملون تحت أعين الحكومة ويخبرونها بهوية القادمين خوفا من حدوث معارك واختلافات على حكم البِشْعَة بين طرفي القضية.

وقال مصدر أمني، إن الشرطة المصرية لا تعترض على البشعة، طالما أن المتنازعين ارتضيا بالحكم، ونجحت بالفعل في فض نزاعات أسرية ذات طابع حساس. لكنّ مصدرا آخر داخل مديرية أمن الإسماعيلية، نفى ما يتم تداوله بشأن التنسيق الأمني مع المُبشّعين، مؤكدا أن جميع القضايا تأخذ مسارها وإجراءاتها بصورة قانونية.

وحذر من وجود محتالين يستغلون حاجة وجهل الناس، وأن قوات الأمن قامت بالقبض على عدد كبير منهم بعد تقدّم سيدة ببلاغ ضد أحد المُبشَعين اعترفت له بالزنا، فساومها على عدم فضح أمرها.

وأكد الشيخ علي محمد، أحد الأئمة بهيئة الأوقاف المصرية لـ”العرب”، أن البِشْعَة تقليد بال عفى عليه الزمن ولا يمت بصلة لشرع الله الذي نهى عن إيذاء المسلم لغيره أو لنفسه، فجسده أمانة لديه لا يجوز له تعذيبه بتعريض جزء منه إلى النار، وتعد من السحر والشعوذة نظرا إلى إدعاء المُبشَع كشف الغيبيات التي لا يعلمها إلا الله.

20