البشير القهواجي في الكتاب الأسود

الثلاثاء 2013/12/24

تلك الليلة، وأنا أستمتع بالاستماع إلى سمفونيات كلاسيكية، هاتفني صديقي القيرواني الفنان بشير القهواجي ليعلمني بصوت حزين بأنه مدرج في “الكتاب الأسود” الذي أتحفنا به المرزوقي قبل أسابيع قليلة من انتهاء عام النكبات والمصائب، أعني بذلك عام 2013.

ضحكت طويلا غير أنه كان ضحكا كالبكاء، أو كالعويل يطلقه صاحبه جرّاء هول ما يرى ويسمع في بلده المنكوب. بعد انتهاء المكالمة وجدتني غارقا في وحشة جنائزيّة نسفت رغبتي في مواصلة الاستمتاع بالسمفونيّات. وها أنا لا أسمع غير “صمت الصّمت” بحسب تعبير صديقي المغربي الراحل محمد شكري.

عليّ أن أقول بإنني أعرف بشير القهواجي جيّدا. وقد تعرّفت عليه وهو دون سنّ العشرين. وفي تلك الفترة، مطلع السبعينات، كان مثل كلّ أبناء جيلي، شابّا حالما ومتمرّدا وثائرا على الوضع السياسي وعلى الثقافة الرسميّة المحنطة، ثقافة المديح والشعارات الشعبويّة الكاذبة. وفي حلقات النقاش في الجامعة، كان يبهر الكثيرين بثقافته الواسعة، وبنقاوة لغته وبلاغتها. ثمّ فجأة اختفى بشير القهواجي فلم أعد أسمع عنه خبرا. لكن في خريف عام 1974، التقيت به صدفة في القيروان فتجددت علاقتنا غير أننا لم نكن على وفاق سياسيا وأيديولوجيّا. فقد وجدته رافضا رفضا مطلقا لكلّ ما يمتّ بصلة للثورة، والماركسيّة التي كانت تفتنني في ذلك الوقت. وفي كلّ جلسة من جلساتنا، كان يتعمّد استفزازي، واستفزاز من يقاسمونني أفكاري، ومنّا من يسخر بطريقة لاذعة تخرجنا عن طورنا غالب الأحيان. والأمر الذي لاحظته هو أن بشير القهواجي كان منصرفا انصرافا كليا للقراءة خصوصا في الليل. وفي الشتاء كان يلجأ إلى المخبزة التي يعمل فيها والده ليقرأ ما يروق له من الكتب في جميع مجالات المعرفة في حين كنّا نحن نكتفي غالب الأحيان بـ”الوجبات الثقافيّة السّريعة”. وفي نهاية السبعينات بدأت أقترب من بشير القهواجي ثقافيا وفكريا، بل أصبحت من المنصفين له، ومن المدافعين عنه بحماس ضدّ الذين كانوا ينعتونه بـ”الرجعي” وبـ”المثقف البورجوازي الصغير”. وفي تلك الفترة كتب مسرحيتين هامّتين؛ الأولى كانت بعنوان “المحارب البربري”، أما الثانية فقد كانت بعنوان “بيارق اللّه”، وفيها استعرض الجوانب المظلمة في سيرة الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله الذي عرف بالشدة والقسوة والعنف، وكانت نهايته مأساويّة.

وبسبب تزامنها مع مصادرة الخميني للثورة الإيرانيّة لصالح رجال الدين، وتأسيسه لـ”جمهورية إسلاميّة” تقوم على الاستبداد والعنف أثارت مسرحيّة “بيارق الله” جدلا واسعا في الأوساط الثقافيّة في تونس بمختلف تيّاراتها. إلى جانب ذلك، كتب القهواجي أشعارا عكست موهبته العالية. كما عرّف بشعراء عالميين كبار، قدماء ومحدثين، ناقلا للغة الضاد نماذج من قصائدهم. وبأعماله المتميّزة تلك، أمّن لنفسه مكانة هامة في الثقافة التونسيّة المعاصرة. مع ذلك ظلّ بشير القهواجي يعيش من قلمه، ولم يتمتع بأي امتياز مادّي لا في فترة نظام بورقيبة ولا في فترة نظام بن علي. كما ظلّ حريصا على المحافظة على استقلاليّته الفكريّة والسياسيّة فلم ينتسب إلى أيّ حزب من الأحزاب، ولم يلعب دور “الثوري” كما فعل ويفعل البعض من المثقفين المزيفين بعد سقوط نظام بن علي الذي كان متجاهلا له، ومهمّشا إيّاه.

لهذا السبب عانى ويعاني إلى حدّ هذه الساعة من متاعب ماديّة عويصة ومزعجة تعيق عمله الثقافي والإبداعي، وتجعله يعيش قلقا دائما على مصيره خصوصا بعد أن تجاوز سنّ السّتين، وتهالكت عليه الأمراض والمشاكل الماديّة والمعنويّة حتى أنه لم يعد قادرا على تأمين قوته اليوميّ. غير أن المرزوقي لم يراع ظروف هذا الفنان المتميّز، ولم يعر اهتماما يذكر للأعمال الجليلة التي قدّمها للثقافة التونسيّة في جميع جوانبها، بل لعله لا يعلم بوجودها أصلا!. لذا سارع بحشر اسمه في “الكتاب الأسود” لسبب لا يدريه أحد. ومثل هذه الفعلة الشنيعة ليست فقط إهانة لبشير القهواجي، ولكلّ المثقفين والمبدعين التونسيين الأحرار، بل جريمة سياسيّة وأخلاقيّة في غاية الفظاعة، ومظلمة لن يكون من السّهل على صاحب “بيارق الله” تحمّل تبعاتها المعنويّة بالخصوص.

14