البشير بن سلامة ومأساة الكاتب حين يمتطي صهوة السلطة

الأربعاء 2014/07/23
تجنب بن سلامة في كتابه تصفية حساباته مع العديد من خصومه السياسيين والثقافيين

عن دار “برق للنشر والتوزيع” بتونس، أصدر مؤخّرا الكاتب التونسي البشير بن سلامة الذي كان وزيرا للثقافة في عهد بورقيبة، مجلّدا ضخما (حوالي 700 صفحة ) بعنوان “عابرة هي الأيّام”، وفيه يروي مذكراته منذ سنوات الطفولة والشباب، وحتى عزله من وزارة الثقافة بعد سقوط حكومة محمد مزالي في خريف عام 1986.

كان البشير بن سلامة المولود عام 1931، والمتخرّج من دار المعلمين العليا /قسم اللغة والآداب العربيّة، من أبرز المثقفين الذين ساهموا مساهمة فعّالة في بناء دولة الاستقلال. فقد تقلّد مناصب رفيعة طوال فترة حكم بورقيبة التي استمرت ثلاثين عاما. فكان مديرا للإذاعة والتلفزة. وكان نائبا في البرلمان، وعضوا في الديوان السياسي للحزب الاشتراكي الدستوري، ثم وزيرا للثقافة في حكومة الراحل محمد مزالي (1980-1986).


نقد الأوضاع


على مدى ثلاثة عقود، كان البشير بن سلامة سكرتير تحرير مجلة “الفكر” التي أسّسها محمد مزالي في أواخر الخمسينات من القرن الماضي، اقتداء بمجلة “الفكر” الفرنسية لصاحبها “إيمانويل مونييه”، صاحب مذهب “الشخصانيّة”. وقد لعبت المجلة المذكورة دورا فعّالا في المشهد الثقافي التونسي. ففي أواخر الستينات، احتضنت شعراء “في غير العمودي والحر” المتمرّدين على التفعيلة بجميع مواصفاتها، والذين كتبوا قصائد تنتقد بحدّة الأوضاع السياسية والاجتماعية.

كما بادرت بنشر قصص الراحل البشير خريف الذي كان يميل الى استعمال اللهجة الدارجة في الحوارات، ويكتب بلغة سهلة وبسيطة تتناقض تمام التناقض مع لغة محمود المسعدي التي كانت تفتن الجامعيين، والمتعلقين بروح اللغة الكلاسيكيّة كما كان حالها في الزمن القديم.

ورغم ضخامة المجلّد فإنه يمكن القول إن مذكرات البشير بن سلامة تقرأ بمتعة، وبسرعة نظرا لما تحتويه من معلومات، ووثائق مهمة عن تاريخ تونس خلال فترة حكم بورقيبة، راسمة صورة مثيرة ودقيقة عن الأوضاع الاجتماعية والثقافية والسياسية التي طبعت الفترة المذكورة سلبيا وإيجابيّا. والجانب الملفت للانتباه هو أن البشير بن سلامة المعروف بسعة ثقافته، وباطلاعه على تاريخ تونس القديم والحديث توخى الموضوعية، وحاول قدر المستطاع تجنّب تصفية حساباته مع العديد من خصومه السياسيين والثقافيين على حدّ السواء.

تركت لقريحتي وذاكرتي المجال لترسما للقارئ، شيئا من مسيرتي السياسيّة والثقافية بصورة أقرب إلى الواقع

وهذا ما تعكسه الفقرة التالية التي احتوتها مقدمة الكتاب حيث كتب البشير بن سلامة يقول: “وعلى كلّ فإني تركت لقريحتي وذاكرتي المجال لترسم للقارئ الكريم، في هذه الصفحات شيئا من مسيرتي السياسيّة والثقافيّة بصورة أقرب إلى الواقع والحقيقة من دون تضخيم ولا تلطيف، إلاّ ما تفرضه أساليب الكتابة، وتقتضيه نواميس اللياقة، وترتضيه طبيعتي التوّاقة لكلّ فنّ جميل، وأدب أصيل، وخيال طريف، ولهو شريف”.


أزمات وتقلبات


كما سبق وأن ذكرت، أتى البشير بن سلامة في مذكراته على مراحل أساسيّة في فترة حكم بورقيبة. غير أن الفترة التي تستوقفنا أكثر من غيرها هي تلك التي تولّى فيها حقيبة وزارة الثقافة في حكومة صديقه محمد مزالي. وهي فترة سبقتها أزمات وتقلّبات سياسيّة حادّة وعنيفة. فقد شهد عقد السبعينات صدامات ومواجهات بين نظام بورقيبة والتيارات اليسارية والنقابية أفضت إلى محاكمة المنظمات الطلابية، والقادة النقابيين، وأنصار أحمد بن صالح الوزير الاشتراكي الذي أطاح به بورقيبة في خريف عام 1969.

مراحل أساسيّة في فترة حكم بورقيبة

وقد انتهى عقد السبعينات الرمادي بعمليّة قفصة المسلحة (28 يناير 1980) حيث حاول شبّان من التيّار القومي قلب نظام الحكم بدعم من العقيد معمر القذافي. وبسبب مضاعفات تلك العملية، أصيب الهادي نويرة بجلطة دماغية أنهت حياته السياسية. وفي هذه الظروف الصعبة تولّى محمد مزالي “رجل الأصالة والتفتّح” حقيبة الوزارة الأولى. وحيث كان شاعرا بأن سياسة التصلب التي انتهجها نظامه في السابق لم تعد مجدية، اختار بورقيبة سياسة اللين منفتحا على البعض من أحزاب المعارضة العلمانية، لذلك عاشت تونس على مدى عامين تقريبا ما يشبه “الربيع الديمقراطي”.


تحقير وتهديد

كان واضحا منذ البداية أن بورقيبة لم يكن راضيا عن اختيار محمد مزالي صديقه الحميم البشير بن سلامة وزيرا للثقافة، وكان يتطيّر من شكله الذي يذكره بخصمه اللدود صالح بن يوسف الذي اغتيل في صيف 1961 بفرانكفورت، وفي أكثر من مناسبة أسمع بورقيبة البشير بن سلامة قبيح الكلام أمام بقيّة الوزراء للتحقير من شأنه.

وكان يهاجمه بحدّة حين يسعى إلى السماح للمثقفين والفنانين بأن ينشطوا، ويعبّروا عن أفكارهم وآرائهم بحرية. وكان يعارض بشدّة انفتاحه على المثقفين الذين كانوا معروفين بمعارضتهم لنظامه. وأبدا لم يعترف له بأيّ من تلك المجهودات الكبيرة التي قام بها لبعث الحيوية في المشهد الثقافي التونسي، وتوفير الضمانات المادية للمبدعين والفنانين الذين كانوا يواجهون ظروفا معيشية صعبة وقاسية. وفي كل مرة كان بورقيبة يعمد إلى تهديد البشير بن سلامة بفصله من الوزارة ملقيا اللوم على محمد مزالي. وفي النهاية أقدم على إقالته ضمن “مسلسل من الإقالات المزرية”. وقد تمّ ذلك في الثاني عشر من شهر مايو 1986، أي قبل شهرين من الإطاحة بمحمد مزالي وحكومته. ويشير البشير بن سلامه إلى أن إقالته من الوزارة لم تزعجه بقدر ما أزعجه تخريب الإنجازات التي قام بها لفائدة الثقافة التونسية رغم العراقيل والمصاعب الكثيرة التي اعترضته.

14