البشير.. قدم مع الحوار وأخرى في الحرب

الاثنين 2016/10/10

عندما يدعو رئيس دولة إلى حوار وطني شامل، لا بد أن يكون عزم على اتخاذ جملة من الخطوات تمهد الطريق أمامه، وأزال مجموعة من المعوقات الرئيسية، معروف سلفا أن وجودها يؤدي إلى نسف الحوار، بل أقدم على سياسات من شأنها أن تهيئ الأجواء لاستعادة الثقة.

أما أن تتم الدعوة، بمن حضر، وتعقد جلسات تمهيدية للزوم استكمال الشكل الدعائي، وتتم دعوة شخصيات إقليمية ودولية، لحضور المؤتمر العام للحوار في السودان، فمن المؤكد أن هذه الطريقة لن تسفر عن قرارات مهمة، وتفقد الفكرة معانيها الإيجابية، لأن الغرض سوف يندرج تحت باب العلاقات العامة، التي لا تصلح كأداة وحيدة في القرارات المصيرية. حال السودان اليوم قريب من هذه المعادلة، حيث يختتم اليوم (الاثنين) المؤتمر العام للحوار الوطني، بحضور ممثلين عن دول مختلفة، بينهم رؤساء دول وحكومات من دول مجاورة، ومن يتفحص قائمة الحضور من السودان وخارجه، سيجد أن لكل مشارك حسابات خاصة بعلاقته مع النظام السوداني.

على مستوى الداخل، انطلقت دعوة الحوار الوطني منذ حوالي عام، واستجابت لها غالبية الأحزاب الهامشية، التي تدور في فلك حزب المؤتمر الوطني الحاكم، ولفظتها الأحزاب الرئيسية، وفي مقدمتها ائتلاف ما يسمى “نداء السودان” الذي يضم حزب الأمة القومي، والحركة الشعبية- جناح الشمال، وحركة العدالة والمساواة، وحركة تحرير السودان، جناح مني أركو ميناوي.

على المستوى الخارجي لم يكن الحال أفضل بكثير، فمتوقع أن يكون حضر اليوم ختام المؤتمر، الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، والرئيس التشادي إدريس ديبي، ورئيس وزراء إثيوبيا هيلي مريام ديسالين، والرئيس الموريتاني محمد ولد عبدالعزيز، فضلا عن ممثلين من روسيا والصين والاتحاد الأوروبي ومنظمات مختلفة.

المتفحص لقائمة أسماء الحضور، على المستوى الأعلى تمثيلا "مصر وتشاد وإثيوبيا وموريتانيا" يجد أن لكل منهم حزمة مصالح تربطه بالسودان، وسواء حضر عن قناعة بجدوى الحوار أم لا، فهو في النهاية يريد الحفاظ على علاقة جيدة بالخرطوم، لأن شبكة المواءمات المعقدة معها تفرض عليه قدرا من الليونة، كما أن باقي ممثلي الوفود، حضروا لاعتبارات مصلحية وليس حبا في البشير، أو اقتناعا بمشروعه للحوار الوطني، الذي شبهه كثيرون داخل السودان، بأنه “حوار طرشان” كدليل على عدم التفاؤل بنتائجه.

كيف يأتي التفاؤل، وهناك نظام مصمم على فرض أجندته السياسية، وكم مرة دعا فيها الرئيس عمر البشير لحوار وطني مع المعارضة، وكم مرة أوفى بوعوده فعلا، ولماذا لم يتخذ خطوات حقيقية تؤكد جديته، وكيف تجاهل الإجراءات السياسية اللازمة التي يمكن أن تخرج السودان من محنه العديدة، وهل يمكن نجاح حوار في بلد يضع رئيسه إحدى قدميه على طاولته، والأخرى منغمسة في حروب متواصلة، في الغرب والجنوب؟

الأسئلة السابقة، ربما تكون حرجة بالنسبة إلى من هم خارج السودان، لكن من يعيشون داخله، أو من يتابعون شؤونه، ليست لديهم رفاهية الدهشة، فعلى مدار نحو 30 عاما لم يقدم النظام السوداني شيئا جديا لمواطنيه، وحتى فكرة الوطن الغالي ووحدة أراضيه فقدت بريقها ومعناها في هذا البلد، عندما اتخذ نظامه سياسات قادت إلى انسلاخ جزء معتبر من أراضيه في الجنوب.

الكارثة أنه لم يعتبر ومضى في طريقه، بما يوحي بأنه غير معني بسلخ أجزاء أخرى غالية من الوطن، طالما أن رأس النظام، ومشروعه الخفي، على قيد الحياة، ومن ينظر إلى الحرب في إقليم دارفور يصعب أن يستبعد إمكانية السير على درب الجنوب، ومن يراقب تطورات الأوضاع في محافظتي جنوب كردفان والنيل الأزرق يتوقع أن تلقيا مصير الجنوب، لأن الممارسات واحدة، وإمكانية التسوية بعيدة المنال.

فوق كل ذلك، يجري النظام الحاكم في الخرطوم منذ سنوات حوارات ومناقشات ومفاوضات مع خصومه في أديس أبابا، من المدنيين والمسلحين، دون أن يتمخض عن إحدى جولاتها تقدم ملموس، يمنح الفرقاء أملا في أن الحل السياسي ضمن دولة واحدة قريب المنال. وبالتالي فجلسة الحوار الوطني المنعقدة اليوم في الخرطوم، سيكون الرابح فيها معنويا "مؤقتا" الرئيس عمر البشير، لأنها يمكن أن توحي لآخرين بأنه رجل حوار وسلام، ووسط الضجيج قد لا ينتبه أحد إلى أن قدمه الأخرى في الوحل، وسط الحروب المشتعلة في الغرب والجنوب.

الدول التي تتعامل مع الخرطوم، بإرادتها أو على مضض، تدرك تماما ما يجري في السودان، لكن تقديراتها السياسية، تفرض عليها إظهار قدر من المرونة والدبلوماسية حفاظا على مصالحها، كما أن هناك من يستغل الأخطاء المتكررة لنظام الخرطوم، ويستخدمها كورقة ضغط، عند اللزوم.

لا يزال الرئيس البشير أحد الأوراق السياسية، التي يتم استثمارها من وقت لآخر، والدليل شهادات النفاق التي صدرت من جهات غربية مختلفة، عقب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والمحافظاتية قبل حوالي ثلاث سنوات، والصمت المريب على طلب المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمته، والسماح له في هدوء بالتنقل بين عواصم عديدة.

لذلك، متوقع أن ينفض الحوار اليوم، بإصدار مجموعة توصيات، تشي بأن هناك تقديرا سودانيا للتفاوض مع المعارضة، ويتم اتخاذ الصور التذكارية للتسجيل والتوثيق بأن ثمة حضورا إقليميا ودوليا، يصلح كشهادة رمزية على جدية الخرطوم في التعامل مع معارضيها.

سيبقى السودان الجريح على حاله، ويعود إلى جدول أعماله من مناكفات ومناوشات، فالنظام يدرك أنه يقبض على زمام أمور كثيرة، والمعارضة معظمها كسيح، وفشلت في التوافق لتكون رقما كبيرا في البلاد، ويستمر الدوران في الفلك القاتم نفسه الذي لم يبرح السودان منذ سنوات طويلة، لأن الإمعان في استخدام سلاح الأداتين، الحرب والسلام، في وقت واحد، يصعب أن تترتب عليه تسوية قابلة للصمود، فلا بد أن تسكت المدافع أولا، ثم يتم جلوس جميع الأطراف الرئيسية حول الطاولة ثانيا.

كاتب مصري

9