البشير.. وصفة الأسد الناجعة

الجمعة 2013/10/04

قبل قرابة ثلاثة أشهر أطلّ الرئيس السوداني عمر البشير في خطاب جماهيري حماسي كعادته دائماً، ليصف المتظاهرين ضده بشذاذ الآفاق والمخربين، في تكرار لأوصاف أطلقها قبله رؤساء دول هوت عروشهم على رؤوسهم. لكن البشير العسكري الإخواني لا يبدو أنه يريد الاستفادة من تجارب من سبقه، بل إن منطق قيادته للأحداث يشير إلى أن سياسته التي تعتمد القوة هي التي ستميز عمله في مواجهة الاحتجاجات، وهي الوصفة نفسها التي سار عليها كل من معمر القذافي وبشار الأسد، وقد نجحت في سوريا، لكنها فشلت في ليبيا بسبب تدخل علاجي دولي ساعد في الإطاحة بنظام القذافي.

وفيما تستمر الحالة السورية معلّقة ونهباً لكل الاحتمالات، فإن التوقعات تشير إلى أن البشير قد حسم أمره وقرر أن يضرب بقوة، وقد بدأت ضرباته الموجعة تترك آثارها على المتظاهرين مخلفة عشرات القتلى والجرحى كل يوم، وامتدت قبضته لتغلق الصحف المعارضة، وستبدأ بعد قليل حملة اعتقالات تطال من يتهمهم البشير بالمأجورين المتآمرين على نظامه، و»المحرشين» حسب تعبيره الذين اندسوا بين صفوف المتظاهرين السلميين ليحرضوا على قلب نظام الحكم الوطني، وعلى ما يبدو فإن الصفعة التي تلقاها البشير من خلال رفض منحه تأشيرة لدخول الولايات المتحدة الأميركية لحضور أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة قد زادت عصبيته، فقرر أن يعاقب السودانيين على وقوفهم إلى جانب المستعمرين ضده، متجاهلاً أن السبب الرئيس وراء هذا الخروج الشعبي هو قرار حكومته رفع أسعار المحروقات، لتزيد في أعباء المواطنين السودانيين، الذين يعيش أكثر من نصفهم تحت مستوى خط الفقر.

تشير أرقام دولية إلى أن متوسط الدخل لغالبية السودانيين لا يتجاوز دولارين اثنين في اليوم، يضاف إلى ذلك ارتفاع في معدلات البطالة، وانعدام شبه كلي لمشاريع التنمية، وبوادر اقتتال دائمة تلوح في الأفق مع الجار الجنوبي، إذ وفقاً لتصريحات البشير نفسه فلا شيء مستبعد وهو لا يكف عن التلويح بعكازه مشيراً باتجاه الجنوب، ناقضاً بذلك العهود والاتفاقات التي وقعها.

صحيح أن البشير قدم الكثير من التنازلات في إطار سعيه للحفاظ على كرسيه، الذي وصل إليه عبر انقلاب عسكري عام 1989 لكنه ظل في المجتمع الدولي يمثل نمطاً متخلفاً في الحكم الاستبدادي، وانتقلت السودان خلال سنوات حكمه إلى بلد يعيش في شبه عزلة دولية، وقد فاقم هذه العزلة تقرّب البشير من تنظيم القاعدة، بل واحتضانه التنظيم لعدة سنوات.

ولا يريد البشير الاعتراف بأي حق من حقوق الشعب السوداني أو المعارضة، فهو يعتبر نفسه زعيماً منتخباً، وله قاعدة جماهيرية عريضة، وهو حامي حمى «الدولة الإسلامية» في زمن الكفر والفجور، ويطالب أولئك الذين ينافسونه بأن يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع، طبعاً الكلام نفسه يتكرر وكأن صناديق الاقتراع باتت جداراً لحماية الأنظمة الديكتاتورية، بدل أن تكون ممثلة لتطلعات الشعوب بالتغيير الديمقراطي.

ولعله من الإجحاف بحق البشير اعتبار أنه يستقي تجربته في القمع من نظام الأسد أو أي نظام سواه، فالبشير زاول لسنوات عملية القمع المنظم والمطاردة، وعجت زنازينه بالمعتقلين السياسيين، كما أن استخدامه القوة ليس جديداً عليه فهو لم يتورع عن استخدام قوات الجيش في مواجهة أية حركة احتجاجية تشهده بلاده، وقد مكنته تلك السطوة من إقصاء الحركة السياسية النشطة في السودان، وإفراغها من قاعدتها الجماهيرية، لكن الوضع مختلف الآن على ما يبدو. فالحركة الاحتجاجية آخذة بالتصاعد التدريجي، وقد ارتفع سقف مطالبها في يومها الخامس لتطالب بإسقاط النظام في تقليد لما حدث في دول الربيع العربي، وقد بدأت تظهر على شبكات التواصل الاجتماعي دعوات لتنظيم التظاهر والاستفادة من تجارب الشعوب الأخرى، ومع الكراهية الدولية الواضحة والموجودة أصلاً لنظام البشير فإن فرص استمرار حركة الاحتجاج وتطورها تبدو متوافرة، ومع تعمد النظام الوقوع في الأخطاء نفسها التي وقع فيها سابقوه من قطع لشبكة الانترنت، والتوعد بمحاسبة المخربين، ثم حملة الاعتقالات التي طالت عدداً كبيراً من الناشطين، فإن الخلل في بنية النظام بدأت تأخذ شكلاً منظماً، ولا يبدو أن البشير سيتمكن من الالتفاف عليها، أو تطويقها.

ولن يكون المجتمع الدولي بحاجة لمجازر شبيهة بتلك التي ارتكبها نظام الأسد، كي يدين النظام السوداني، فالبشير مدان أصلاً، وهو لا يستطيع التحليق بطائرته الرئاسية فوق أي من الدول دون أن يحصل على تطمينات بأن لن يتم القبض عليه.

فإن كانت وصفة الأسد قد ضمنت له البقاء على كرسي الرئاسة سنتين ونصف منذ اندلاع شرارة الثورة، وقد أدى بقاؤه إلى مقتل أكثر من مئة وخمسين ألف سوري وتدمير ثلث سوريا تقريباً، وتهجير الملايين من أبنائها، فهل سيتمكن البشير من خلال استخدامه الوصفة نفسها من الاحتفاظ بالكرسي فترة زمنية أطول، أم ستكون احتجاجات سبتمبر السودانية بداية ربيع سوداني قصير يزيح خريف البشير الطويل؟


كاتب سوري

9