البشير يطرق أبواب الغرب من بوابة الأمم المتحدة

يجد النظام السوداني في قمة التنمية المستدامة التي ستنعقد بمقر الأمم المتحدة بنيويورك في سبتمر المقبل فرصة جديدة لطرق أبواب المجتمع الدولي الذي يضع شروطا عدة لقبوله ضمن منظومته لعل أبرزها إنهاء الصراعات التي يخوضها ضد الحركات المسلحة، وفتح الطريق لحوار جدي مع المعارضة.
الأربعاء 2015/08/05
بكري حسن صالح يربط إسقاط أحكام الإعدام بحق قادة الحركة الشعبية بمشاركتهم في "الحوار الوطني"

الخرطوم- يسعى النظام السوداني جاهدا إلى كسر العزلة الدولية التي تطوقه منذ التسعينات، وذلك بطرق جميع الأبواب التي يمكن أن توصله لتحقيق هذا الهدف.

ويقول خبراء إن قرار الرئيس عمر حسن البشير بالذهاب إلى نيويورك رغم وجود أمر باعتقاله من قبل المحكمة الدولية، يصب في هذا الاتجاه. وصرح، مؤخرا، نائب مندوب السودان بالأمم المتحدة أن الرئيس البشير يعتزم السفر إلى نيويورك في سبتمبر ليلقي كلمة أمام الأمم المتحدة.

ويورد جدول أعمال مبدئي وضعته المنظمة الدولية خاص بقمة التنمية المستدامة اسم الرئيس السوداني على أنه سيلقي كلمة في 26 سبتمبر. ولدى سؤاله عما إذا كان البشير سيحضر القمة قال نائب مندوب السودان لدى الأمم المتحدة حسن حميد حسن “نعم”، ولكنه لم يعط المزيد من التفاصيل.

وكان جدول أعمال مؤقت خاص باجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تبدأ في 28 سبتمبر أشار فقط إلى السودان على أنه ممثل تمثيلا وزاريا. وجدير بالتذكير أن البشير أراد في عام 2013 التحدث في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولكن مسؤولين سودانيين قالوا إن طلب التأشيرة الأميركي كان معلقا، وهو ما حال دون سفره. ووصفت واشنطن طلب التأشيرة في ذلك الوقت بأنه “مؤسف”.

وأفلت الرئيس السوداني في القمة الأفريقية الأخيرة التي انعقدت بعاصمة جنوب أفريقيا جوهانسبورغ من الاعتقال، وسط اتهامات وجهها القضاء الجنوب أفريقي والمحكمة الجنائية لحكومة هذا البلد بتعمدها المماطلة في تسليمه إلى حين تمكنه من العودة إلى السودان.

الولايات المتحدةتشترطلإقامة علاقات طبيعية مع الخرطوم إنهاء الصراعات في بعض الأقاليم السودانية

وجنوب أفريقيا هي من الدول الموقعة على اتفاقية المحكمة الجنائية. وغمزت أوساط دبلوماسية، آنذاك، إلى أن إفلات البشير جاء بغطاء غربي، فلو كانت هناك إرادة دولية حقيقية للقبض عليه لحصل ذلك.

وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية ومقرها في لاهاي بهولندا في 2009 و2010، مذكرات اعتقال اتهمت فيها البشير بارتكاب إبادة جماعية وغير ذلك من الفظائع ضمن مساعيه لسحق انتفاضة في إقليم دارفور بغرب السودان.

ويعاني البشير منذ تقلده الحكم عبر انقلاب قاده هو وزعيم جبهة الإنقاذ آنذاك حسن الترابي في 1989، من فتور في العلاقات مع الغرب. وازداد الوضع سوءا عندما احتضن قيادات متطرفة على أراضيه بداية التسعينات أمثال زعيم القاعدة أسامة بن لادن الذي اغتيل في 2012 بباكستان.

وبات النظام منذ ذلك الحين يعيش شبه قطيعة مع المجتمع الدولي، وإن بقيت بعض الدول الغربية وفي مقدمتها واشنطن تتعامل معه أمنيا وفي السر، بالنظر لعلاقاته الوثيقة بقادة التنظيمات الإرهابية خاصة في أفريقيا.

هذا الوضع الذي يعيشه النظام أدى إلى انهاكه اقتصاديا، وهو ما دفعه، خلال السنتين الأخيرتين، إلى تغيير مقاربته تجاه الغرب والدول العربية التي ساهمت ارتباطاته بإيران في توتر العلاقة معها.

وقد بدأ التغير في الموقف السوداني يظهر جليا بمسارعة البشير إعلان تأييده للتحالف العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية ضد انقلاب الحوثيين في اليمن، كما عمل منذ تولي عبدالفتاح السيسي رئاسة مصر على تركيز علاقات جيدة معه، وإن كان عدم الثقة يبقى حاضرا وبقوة تجاهه.

ويرى البشير أنه حان الوقت لطرق أبواب الغرب، وقد قام بعدة خطوات في هذا الصدد، خلال الأشهر الأخيرة، منها إقناع واشنطن بفتح حوار معه، كما سمح للدبلوماسية الأوروبية وعلى رأسها الألمانية بإدارة ملف التسوية بينه والمعارضة، على خلاف ما كان يكرره مسؤولوه سابقا بإن الأمر هو شأن داخلي لا علاقة للخارج به.

الرئيس السوداني أبدى حرصا شديدا لإنجاح التسوية مع المعارضة حتى مع أولئك الذين يصنفهم ضمن المجموعات الإرهابية

وتشترط الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لإقامة علاقات طبيعية مع الخرطوم إنهاء الصراعات الدائرة في بعض الأقاليم السودانية، وتحقيق المصالحة مع أطراف المعارضة بشقيها السياسي والعسكري، مع فتح الباب أمام الحريات العامة.

وقد أبدى الرئيس السوداني، مؤخرا، حرصا شديدا لإنجاح التسوية مع المعارضة حتى مع أولئك الذين يصنفهم ضمن المجموعات الإرهابية كالجبهة الثورية. وقال، الإثنين، النائب الأول للبشير بكري حسن صالح في مؤتمر صحفي إن الرئيس أطلق التزاما أخلاقيا ودينيا بضمان سلامة قادة الحركات المسلحة المنضوين تحت تنظيم الجبهة الثورية، للحضور إلى الخرطوم والمشاركة في الحوار الوطني، مضيفا “بعد ذلك يمكن الجلوس إليهم ومعرفة ما يطلبوه من ضمانات”.

ويواجه كل من مالك عقار وباسر عرمان قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان، أحكاما قضائية بالإعدام في أغسطس من العام 2014، على خلفية الأحداث التي شهدتها ولاية النيل الأزرق في سبتمبر 2011.

وربط بكري حسن صالح إسقاط تلك الأحكام القضائية بالتوصل إلى اتفاق متكامل، مردفا “حينها تسقط الأحكام تلقائيا”. واعتبر نائب البشير أن قضايا المنطقتين ودارفور، ليست أكثر صعوبة من مشكلة جنوب السودان التي حسمت بالحوار بعد تفاوض امتد لتسعة أشهر.

وأقر بأن الحرب في تلك المناطق عطلت مسيرة الانطلاق وتسببت في إشكالات للدولة، كما أنها باتت مسوغا أمام الآخرين للتدخل في السودان. ويشهد كل من جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور صراع بين الحركات المسلحة والنظام أدى إلى سقوط الآلاف من القتلى والجرحى.

ويرى مراقبون أن النظام جدي هذه المرة في الحوار أو بالأحرى في كسر الجليد الذي يحيط بعلاقته مع المعارضة، ولا يعود ذلك لإيمانه بالتسوية السياسية بالنظر لتاريخه، وإنما لرغبته الملحة في العودة إلى المجتمع الدولي.

4