البشير يعلنها حربا على المتمردين بعد ضمان دعم جنوب السودان

التصعيد العسكري القائم حاليا في إقليم دارفور لا يمكن البحث في دوافعه بعيدا عن عملية التطبيع الجارية بين الخرطوم وجوبا، فالنظام السوداني تمكن على ضوء الضعف الذي يعانيه سلفاكير من إقناع الأخير بأهمية بناء علاقات طبيعية بينهما شريطة وقف دعمه للمتمردين وترك مصيرهم بيد الجيش السوداني.
الجمعة 2016/01/29
شد عصبي في انتظار العبور إلى الشمال

الخرطوم - يشهد إقليم دارفور غرب السودان وبخاصة جبل مرة معارك طاحنة بين الجيش السوداني المدعوم بقوات الدعم السريع والحركات المتمردة، أدت إلى نزوح الآلاف من المدنيين وسط غياب أي معطيات رسمية حول أعداد القتلى والجرحى.

وتعرض جبل مرة (وهو سلسة جبلية وعرة تمتد على آلاف الكيلومترات من شمال إقليم دارفور إلى جنوبه) خلال الأيام الأخيرة إلى قصف جوي عنيف، الأمر الذي أثار مخاوف المجتمع الدولي ودفع بالأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إلى التنديد ومطالبة النظام بوقف عملياته العسكرية هناك.

ويأتي هذا التطور رغم قرار الرئيس عمر البشير بوقف إطلاق النار مطلع يناير الحالي.

ويربط محللون هذا التصعيد من قبل النظام على معاقل المتمردين وخاصة على حركة تحرير السودان بزعامة عبدالواحد محمد نور، بالاتفاق الذي تم التوصل إليه مع حكومة جنوب السودان والقاضي بوقف دعم الأخيرة لمتمردي دارفور.

وتعتبر حركة تحرير السودان إحدى أبرز الحركات الدارفورية التي تتلقى دعما من دولة الجنوب، ويتسم موقف الحركة حيال التسوية مع النظام بنوع من التصلب والراديكالية مقارنة بباقي الحركات التي نجح النظام في “ترويضها” لقبول المفاوضات.

وتطالب قيادة حركة تحرير السودان بحكم ذاتي لإقليم دارفور، ولطالما ردد زعيمها عبدالواحد جملته الشهيرة “الحكم الذاتي ليس منحة من الحكومة أو المعارضة كما أنه حق طبيعي لكل أقاليم السودان”.

والمعارك في دارفور بين النظام والحركات المتمردة، ليست حديثة العهد بل تعود إلى فبراير 2003 وقد اندلعت على خلفية سياسة التمييز العرقي والديني التي ما فتئت تنتهجها حكومة الإنقاذ ذات الخلفية الإسلامية.

ولطالما حاولت الحكومة التملّص من هذه التهم عبر التأكيد على أنه صراع مفتعل ساهمت دولة الجنوب في تأجيجه لإضعاف السلطة المركزية في السودان.

وقد كلف هذا النزاع النظام السوداني وعلى رأسه عمر حسن البشير الكثير، حيث أصدرت المحكمة الجنائية الدولية بحق الأخير بطاقة اعتقال بسبب اتهامه بارتكاب جرائم حرب في الإقليم. كما وقع فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية على الخرطوم ظلت تعاني منها إلى اليوم.

ورغم ذلك يقول مراقبون إن النظام ما يزال على نهجه في اعتماد الحل العسكري أولوية لحسم هذا الملف.

ومن هذا المنطلق عمد إلى التقارب مع حكومة سلفاكير ميارديت، وبالتالي قطع سبل الدعم عن الحركات المتمردة وأبرزها حركة عبدالواحد، مقابل تقديم جملة من التنازلات أهمها وقف دعمه هو الآخر لمنافسه رياك مشار.

وتوّج هذا التوافق بين الحكومتين بقرار الرئيس البشير فتح الحدود بين الدولتين.

وقالت وكالة الأنباء السودانية، الأربعاء، إن الرئيس عمر البشير أصدر قرارا “يقضي بفتح الحدود مع دولة جنوب السودان.. كما وجه سيادته الجهات المختصة إلى اتخاذ كافة التدابير لتنفيذ هذا القرار على أرض الواقع”.

19 ألفا عدد المدنيين النازحين من منطقة جبل مرة نحو شمال دارفور

وأغلقت الحدود بين البلدين عام 2011 مع تدهور العلاقات في أعقاب انفصال الجنوب في نهاية حرب أهلية طويلة آخذا معه ثلاثة أرباع نفط البلاد أي ما يقدر بخمسة مليارات برميل من الاحتياطيات المؤكدة، وفقا لإحصائيات إدارة معلومات الطاقة الأميركية.

وقال وزير الإعلام السوداني أحمد بلال عثمان، الخميس، “نأمل في أن يسحب الجنوب يد المساعدة التي يمدها للحركات المتمردة المناهضة لحكومتنا في دارفور والنيل الأزرق وجنوب أم درمان”.

وتوقع عثمان استعادة العلاقات التجارية بين البلدين وأن يتمكن جنوب السودان الذي لا يطل على بحار من الاستفادة من موانئ الشمال كما كان الحال في الماضي.

ورحبت حكومة جنوب السودان بقرار الشمال فتح الحدود معها، معتبرة أن هذه الخطوة ستعزز الروابط الاقتصادية بين البلدين.

وقال المتحدث باسم الحكومة مايكل ماكي لويث “إنها خطوة إيجابية في الطريق الصحيح لأن هذا ما سيقود إلى تطبيع العلاقات مع السودان”.

وكان رئيس جنوب السودان سلفا كير أعلن، الثلاثاء، في خطوة غير متوقعة تطبيع العلاقات ردا على موافقة البشير، الأسبوع الماضي، على تخفيض رسوم عبور نفط جنوب السودان في أراضي السودان عبر خط أنابيب إلى البحر الأحمر.

ويرى متابعون أن هذه القرارات التاريخية بين الطرفين والتي جاءت بعد سلسلة من المفاوضات الشاقة بينهما، من شأنها أن تؤثر على مسار الحرب في أقاليم السودان وبخاصة دارفور. حيث ستجد الحركات الدارفورية نفسها محاصرة ومضطرة لتقديم تنازلات لطالما سعى إليها النظام.

وما المشهد الدائر اليوم في جبل مرة سوى مؤشر على الوضع المستقبلي المخيف الذي ينتظر هذه الحركات والمدنيين الذين تتهمهم حكومة الخرطوم بالعمالة لصالحها.

وأعربت بعثة الأمم المتحدة في السودان عن قلقها إزاء نزوح أكثر من 34 ألف شخص جراء المعارك المندلعة بين الجيش السوداني ومتمردين بإقليم دارفور المضطرب غرب البلاد.

وذكرت رتا رويداس، المنسق المقيم للأمم المتحدة بالسودان في بيان صحافي، الأربعاء، أن التقارير الأولية تشير إلى فرار نحو 19 ألف مدني إلى ولاية شمال دارفور بخلاف نحو 15 ألفا آخرين فروا إلى ولاية وسط دارفور، عقب اندلاع القتال في منطقة جبل مرة الجبلية التي تتمدد في 3 من ولايات دارفور”.

وتلقت بعثة يوناميد معلومات، هذا الأسبوع، تفيدُ بحرق 19 قرية بالقرب من روكرو، شمال جبل مرة، وسط دارفور أثناء المعارك، “كما يُعتقد أن معظم سكان هذه القرى فروا إلى سرتوني وكبكابية وطويلة، بينما احتمى آخرون بالمناطق الجبلية المحيطة، فيما العديد من الأطفال لا يزالون في عِداد المفقودين”.

2