البشير يعود إلى مهاجمة الولايات المتحدة من سوتشي

تعكس تصريحات الرئيس السوداني عمر حسن البشير المناوئة للولايات المتحدة غياب الثقة بين الجانبين، ويقول البعض إن هذه التصريحات التي أطلقت من روسيا تحديدا قد تعني أن مسار التطبيع الكامل بين الخرطوم وواشنطن يشهد تعثرا، لشروط تصر عليها الأخيرة ويجد النظام السوداني صعوبة في هضمها.
الجمعة 2017/11/24
البشير ولعبة التوازنات

موسكو - أطلق الرئيس السوداني عمر حسن البشير خلال زيارته التاريخية إلى موسكو سلسلة من المواقف التصعيدية تجاه الولايات المتحدة الأميركية، تتناقض والرغبة التي أبداها على مدى الأشهر الماضية في تطبيع كامل للعلاقات بين البلدين.

وقال الرئيس البشير عقب لقاء قمة عقده مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، الخميس، في مدينة سوتشي جنوب غرب روسيا، إن السودان بحاجة إلى الحماية من التصرفات “العدائية” الأميركية رغم رفع واشنطن مؤخرا الحظر الاقتصادي المفروض على بلاده طوال عشرين عاما.

واعتبر البشير، الذي يزور روسيا للمرة الأولى، أن الولايات المتحدة تتحمل الدمار الذي لحق بسوريا، مشددا على أنه لا حل للأزمة في هذا البلد دون الرئيس بشار الأسد.

ويتماهى هذا الموقف اللافت للرئيس السوداني بشكل واضح مع الرؤية الروسية الداعمة لنظام الرئيس السوري بشار الأسد.

وشدد الرئيس السوداني “على أن ما يحصل اليوم في سوريا هو نتيجة التدخل الأميركي، وأن الوضع تحسن بدخول روسيا على الخط”.

وقال البشير “نعتقد أن ما حصل في بلادنا (…) هو كذلك نتيجة السياسة الأميركية”، مضيفا “إننا بحاجة إلى الحماية من التصرفات العدائية الأميركية بما فيها منطقة البحر الأحمر”.

وأضاف أن “الوضع في البحر الأحمر يثير قلقنا، ونعتقد أن التدخل الأميركي في تلك المنطقة يمثل مشكلة أيضا، ونريد التباحث في هذا الموضوع من منظور استخدام القواعد العسكرية في البحر الأحمر”.

ويطل السودان على البحر الأحمر بمساحة تقدر بـ717 كلم، وهذا يشكل أحد الروافد الاستراتيجية التي تعزز المكانة الجيوسياسية لهذا البلد، وفي الآن ذاته يعتبر مصدر قلق متواصل بالنسبة له بالنظر للتنافس الدولي المتصاعد في المنطقة.

وقد تحول البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة إلى مركز توتر عال بين القوى الكبرى المتنافسة على تثبيت موطئ قدم به، وعلى رأس هذه القوى الولايات المتحدة وروسيا والصين.

ويأتي هذا التركيز الدولي الكبير على البحر الأحمر باعتباره واحدا من أهم طرق الملاحة في العالم حيث يربط بين ثلاث قارات هي آسيا وأفريقيا وأوروبا.

ويحتوي هذا البحر على العديد من الجزر والخلجان ذات الأهمية الاستراتيجية، على غرار خليج السويس الذي هو الامتداد الطبيعي لقناة السويس.

المواقف العدائية ضد واشنطن في سوتشي لا يمكن قراءتها على أنها انقلاب جديد في السياسة الخارجية السودانية

وفي المدخل الجنوبي للبحر الأحمر يوجد مضيق باب المندب الاستراتيجي الذي يمتد في المياه الإقليمية لثلاث دول هي اليمن وإريتريا وجيبوتي، والذي يتحكم بالحركة التجارية والعسكرية في البحر الأحمر.

وتتكشف أهمية البحر الأحمر وبخاصة مضيق باب المندب في وقت الأزمات وآخرها الصراع الدائر في اليمن بين ميليشيات الحوثيين المدعومة إيرانيا والقوات الحكومية المدعومة من التحالف العربي بقيادة السعودية، الذي تشارك به قوات سودانية.

ويرى مراقبون أن إشارة الرئيس السوداني إلى البحر الأحمر تعود إلى إدراكه بعودة الاهتمام الروسي بهذه المنطقة الحيوية في العالم، والذي انحسر بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

ويقول المراقبون إن تصريحات البشير تعكس في واقع الأمر غياب الثقة في الجانب الأميركي، رغم الحرص الذي أظهره على تطبيع سياسي واقتصادي كامل مع واشنطن.

ويشير هؤلاء إلى أن المواقف العدائية ضد واشنطن في سوتشي لا يمكن قراءتها على أنها انقلاب جديد في السياسة الخارجية السودانية، التي خطت على مدار الثلاث سنوات الماضية مسارا مختلفا يقوم على التقارب مع الولايات المتحدة مع الحفاظ على الحلفاء التقليديين والمقصود روسيا والصين.

ويلفت البعض إلى أن هذه الهجمة على واشنطن هي من باب المناورة، والضغط على الجانب الأميركي الذي لا يزال يبقي السودان ضمن قائمة “الدول الراعية للإرهاب”، فضلا عن عقوبات أخرى، رغم أن الولايات المتحدة أبدت استعدادا لبحث هذه الملفات العالقة، وذلك خلال الجولة الأولى من المرحلة الثانية من المباحثات بين البلدين التي عقدت قبل أيام برئاسة نائب وزير الخارجية الأميركي جون سوليفان في الخرطوم.

ولا يستبعد في أن تكون واشنطن قد طرحت في تلك الجولة جملة من الشروط التعجيزية بالنسبة للرئيس السوداني الذي قد يكون من الصعب عليه هضمها، كالتعويضات لضحايا تفجيري السفارتين الأميركيتين في نيروبي ودار السلام (1998)، والمدمرة الأميركية يو إس إس كول (في اليمن عام 2000)، البالغة 7 مليارات دولار، والتي أدان القضاء الأميركي حكومة السودان بالضلوع فيها، وهو ما نفته الخرطوم بشكل قاطع.

ويأمل البشير في أن يؤدي سعيه لنقلة نوعية في العلاقة مع روسيا، إلى إرسال رسالة إلى الولايات المتحدة مفادها أنه قادر على الاستغناء عن التطبيع معها، خاصة وأن روسيا عادت اليوم بقوة ليس فقط إلى الساحة الشرق أوسطية بل والدولية وبالتالي الشراكة معها ستكون مثمرة على خلاف السنوات العجاف السابقة.

وأعرب البشير عن رغبة بلاده في تعزيز التعاون العسكري مع موسكو من أجل “تحديث عتاد قواتنا المسلحة”، مشيرا إلى أن “السلاح الذي نمتلكه روسي الصنع”. وأشار البشير إلى رغبة بلاده في رفع التمثيل العسكري مع روسيا إلى مستوى مستشارين.

من جهته أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقائه نظيره السوداني أن هناك آفاقا واسعة للتعاون بين البلدين في مجالات كثيرة أهمها الطاقة.

واستعرض بوتين هذه المجالات بقوله “لدينا آفاق جيدة في مجالي الاقتصاد والطاقة، هنا يأتي التنقيب والاستخراج وتبادل الموارد، وهناك آفاق ليس فقط في صناعة المحروقات، بل وفي قطاع الطاقة الكهربائية، وفي التطوير السلمي للطاقة النووية. بشكل عام هناك الكثير من مجالات التعاون بين بلدينا”.

وحول توريد روسيا للحبوب أكد بوتين أن بلاده تعتزم رفع حجم صادراتها من الحبوب إلى السودان في العام الجاري لتصل إلى مليون طن.

وقال بوتين “السودان مشترٍ كبير لحبوبنا. نحن نعتزم في العام الجاري رفع حجم مبيعات الحبوب إليكم إلى مليون طن”.

وكانت وزارة الخارجية السودانية الثلاثاء الماضي أكدت أنه خلال زيارة الرئيس عمر البشير لموسكو ستوقع الخرطوم وموسكو عددا من العقود والاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مجالات التعدين، والاستكشاف النفطي، والاستخدام السلمي للطاقة النووية، والمجالات العسكرية والدبلوماسية والثقافية.

2