البصرة.. عنقود الماس

المبدع البصري لم ينقطع عن العطاء وإغناء الحياة الثقافية، بل حتى في ظل الظروف الراهنة.. ما زلنا نتابع ثراء الحياة الثقافية والنشاط الأكاديمي المتواصل.
الجمعة 2018/09/14
البصرة بالأمس غير البصرة اليوم

كان ذلك في العام 1969 وكانت المناسبة انعقاد مؤتمر الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، ومهرجان الشعر العربي، في بغداد، غير أن أي نشاط ثقافي يعقد في بغداد لا يكتمل إلا بمباركة البصرة، مدينة الخليل والجاحظ وأبي نواس والسياب، يومها توجهت وفود المؤتمر، كتابا ومفكرين وشعراء إلى البصرة، وفي ليلة من لياليها، سمعت القاصة الدمشقية الراحلة قمر كيلاني تقول.. هذه ليست مدينة كغيرها من المدن، إنها عنقود ماس، وهي كذلك فعلا، وأقصد من قولي هذا، لقد كانت أيامذاك.

غير أن جميع الذين رافقتهم إليها من شعراء وفنانين، وهم كثر، إذ امتدت علاقتي بها إلى أكثر من ثلاثة عقود، في يسرها وعسرها، في أعوام السلام والبناء والأمان، وفي سني الحرب والحصار والقلق، أقول، كان جميع الذين رافقتهم إليها، يعرفون تاريخها ودور أبنائها في تاريخ الحضارة العربية، ويعرفون المبدعين الكبار في حاضرها، إذ لم تتكئ على ماضيها بل واصلت دورها الحضاري، كما واصل أبناؤها عطاءهم الفكري والجمالي، فكرا وشعرا وسردا وتشكيلا وموسيقى، وكانوا جميعا ينبهرون بجمالها وطيبة إنسانها، وكلنا عرف البصري البسيط المتواضع الكريم، الشهم الحضاري.

ومن المفارقات حقا، إن مدينة الماء وحاضنة شط العرب، يقتل الظمأ الحياة فيها، وإن عنقود الماس، حيث كانت شوارعها وبناياتها وبيوتها تتلألأ بنور مصابيحها، حتى كأن فضاءها الأرضي صورة لفضاء سمائها، تعيش المعاناة من الظلام ويعاني أبناؤها من الظمأ ومن حرارة صيفها الذي قال فيه أحد الظرفاء.. والحرّ يسلق بيضة في الشارع، وإن مدينة الخير في الزراعة والصناعة والنفط والتجارة، وميناء العراق تصديرا واستيرادا، يجوع أبناؤها ولا يجد شيبها وشبابها أية فرصة عمل، وكان العاطلون عن العمل يقصدونها من كل مدن العراق وقراه وبواديه وسواهم من العرب والأجانب، للعمل والعيش فيها، وكانت تستقطب كثيرين من أشقائنا في الخليج العربي، وقد كتب غير واحد منهم، عن علاقاتهم بالمدينة التي كانت لؤلؤة الخليج العربي.

روى لي الشاعر والدبلوماسي اليمني أحمد حسين المروني قائلا: كنت ضمن البعثة الدراسية اليمنية الأولى التي أوفدت إلى العراق في العام 1936 وحين اقتربت السفينة التي كانت تقلنا من ميناء البصرة، حيث كان الوقت ليلا، وشاهدنا الأنوار فتبلبلت أفكارنا مما رأينا، إذ لم نكن في اليمن قد عرفنا الطاقة الكهربائية، حتى تصور بعضنا إن ما نراه نوع من الجن! إذ كان ليل البصرة مهرجانا من النور الذي لم نعرفه ولم نألفه.

ومن أكثر المفارقات التي فاجأتني وأنا أتابع أنباء انتفاضة البصريين، هو عدد الميليشيات التي تمارس نشاطها في البصرة، وهذا الوجود الميليشياوي الكثيف بما عرف عن منتسبيه من انفلات، وهو وجود طارئ على البنية الاجتماعية الحضرية والحضارية البصرية، قد نغص على البصريين حياتهم ودفع بهم، بالإضافة إلى المفارقات التي أشرنا إليها من قبل، إلى ما رأيناه من سلوك اتسم بالرفض والغضب.

إن كل من عرفت من البصريين وهم كثر، وبخاصة ممن عايشتهم أو رافقتهم في الوسط الثقافي من شعراء وأكاديميين وكتاب وموسيقيين وتشكيليين ومنهم من تجاوزت علاقتي الشخصية بهم إلى علاقات عائلية، لم أجد فيهم إلا الطيبة وسماحة الأخلاق، ولم أعرف عنهم أي سلوك عصابي أو عدواني، وفي جميع الظروف التي عاشها الإنسان البصري ومنها ظروف الحرب القاسية، لم ينقطع المبدع البصري عن العطاء وإغناء الحياة الثقافية، بل حتى في ظل الظروف الراهنة التي قادت إلى الغضب والتمرّد، ما زلنا نتابع ثراء الحياة الثقافية والنشاط الأكاديمي المتواصل، حتى كأن البصرة الغاضبة تحرص على صورة البصرة المبدعة ولا تفرط بها.

14