البصرة فينيسيا الشرق: الهوة عميقة بين الأمل والواقع

لم تحظ مدينة البصرة في التاريخ القريب بلحظة هدوم وأمن حتى تتمكن المدينة وسكانها من بناء صروح فكرية وعمرانية تحميها من تقلبات الزمن. فالبصرة شاهدة على حرب الثماني سنوات ضد إيران وحظيت بإعادة إعمار هي وجزيرة الفاو بعد انتهاء الحرب عام 1988، إلا أن ذلك سرعان ما انتفى بعودة العراق إلى حرب مع الكويت انتهت بإجراءات خنقت العراقيين إلى أن جاء الغزو الأميركي عام 2003 وتحول العراق إلى ما هو عليه اليوم، وقد جاءت هذه القراءة في دراسة لبيتر هارلينغ المهتم بالعراق وسوريا ولبنان في مؤسسة “مجموعة الأزمة الدولية” ومقرها في بروكسل.
الثلاثاء 2016/08/09
في انتظار من لا يأتي في شط العرب

بروكسل - كان من المفترض أن تكون البصرة، وهي ثاني أو ثالث أكبر مدينة عراقية، حاضرة عظيمة مثلها في ذلك مثل دبي وأبوظبي والدوحة ومدينة الكويت، وكان من المفترض أن تهيمن على الخليج، فميناء أم قصر في المدينة يتيح لبقية العالم النفاذ إلى أحد أكبر البلدان المنتجة للنفط، وهي أيضا سوق استهلاكية محتملة ضخمة؛ مواد المحروقات متوفرة بكميات كبيرة في المكان واستغلال الرواسب منخفض التكلفة مما يعطي هوامش ربح كبيرة مهما تغير سعر النفط.

مدينة مضطربة

يشير بيتر هارلينغ إلى أنه في زمن غير بعيد كانت البصرة تعرف بمجتمعها المنفتح على العالم ونخبتها المثقفة وقوتها العاملة الماهرة، أي أنها كانت مدينة بأتم معنى الكلمة وكان من المفترض أن تصبح قوة صناعية ومنصة للتجارة الاقليمية. أراضيها الخلفية مناسبة لإنتاج الأرز والتمور التي كانت تشتهر بها في ما مضى، “لكن الآن عندما تصل الى المطار، أول شيء تراه هو لافتة كتب عليها ‘البصرة: جنة الاستثمار’ وكل ما يمكنك فعله هو الضحك والشعور باليأس”.

تبدو البصرة مثل مدينة واقع مرير من العالم الثالث، فالدولة فيها غائبة تقريبا باستثناء كونها ولاية تشتكي من حرمانها من ميزانية خاصة بها منذ سنة 2013، لذلك تعج البصرة الأسبوع تلو الاخر بالمتظاهرين الذين لا يتوقفون أبدا عن الاحتجاج بالرغم من أنهم لا يجذبون الكثير من الدعم الشعبي، كما تكاد الميليشيات الطائفية بانتشارها المكثف تغيّب حضور قوات الأمن الرسمية، وكذلك الشركات النفطية الأجنبية التي تطل بخجل في أزقتها ولا تكاد تظهر لدواع أمنية، ففي أفضل الأحوال يوظفون العمالة اليدوية محليا عندما تلتجئ عشيرة ما أو غيرها الى العنف لضمان تلقيها نصيبا من أموال النفط.

بيتر هارلينغ: البصرة مثل مدينة واقع مرير من العالم الثالث فالدولة فيها غائبة تقريبا

ويشهد الاقتصاد في البصرة تحولا سريعا من الاعتماد على قطاعات مشكوك فيها مثل التمويل العمومي واستهلاك البضائع المستوردة، نحو الواقع المزري للفساد المتفشي والمتاجرة في المحروقات والمخدرات، وفي الآن نفسه أدى الانفجار السكاني المتواصل إلى تطور حضري دون قيود.

وهي عند التأمل، النقيض التام للدولة المدينة، ذلك النموذج القديم لمدن مستقلة وغنية بالموارد يظهر من جديد عندما تنحل الدولة الوطنية. فمن يصنعون القانون في البصرة هم أجانب، والمحافظة تابعة لنظام موغل في المركزية، فحتى القرارات البسيطة تؤخذ في بغداد حيث لا توجد إلا قلة لتتحدث باسمها، وزير واحد من بين ثلاثين وزيرا وتسعة بالمئة من المقاعد في البرلمان، وتمثل الطبقة السياسية المحلية الأحزاب والميليشيات غير الأصلية ذات العلاقة الطفيلية مع المدينة.

يرتبط الحضور العشائري الضخم في البصرة بثلاث موجات من الهجرة، وذلك نتيجة لاستغلال المزارعين من قبل ملاك الأراضي الكبار في النصف الأول من القرن العشرين، ولتجفيف الأهوار الكبرى في جنوب العراق من قبل نظام صدام حسين في الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين، وللانتفاضات الشعبية الناتجة عن الغزو الأميركي في سنة 2003.

وجلبت بعض العشائر الأكثر تمردا وتأثيرا معها أسلوب عيش بعيد كل البعد عن أسلوب عيش السكان المحليين، ومن بينها عشيرة القرامشة التي تملك تقليدا قويا لرفض السلطة التي نشأت في الأهوار التي كانت ملجأ المتمردين على مدى عقود من الزمن.

تجد بذلك البصرة نفسها في وضع تعيشه الكثير من المناطق الغنية بالموارد الأولية والتي تنهبها الحكومات الوطنية وتعامل معاملة المستعمرات، مثل بلوشستان (في باكستان) وشرق سوريا، ودلتا النيجر (في نيجيريا). وكثيرا ما يؤدي الشعور بالظلم الذي يخلقه هذا الوضع الى الثورات أو الحركات الانفصالية، لكن في البصرة تبدو الشكاوى شكلية، والتهديدات بالانفصال تنقصها القناعة، ولا يُسمع لآراء تقول إن المدينة قد تفعل المزيد لنفسها.

يعطي البصريون الانطباع بأنهم ممزقون بين الشكل الذي يمكن أن تكون عليه مدينتهم، والتسليم بأنهم تركوا على الهامش، وربما يكون ذلك بسبب أن الهوة بين الأمل والواقع كبيرة جدا الى درجة أنهم لا يعرفون من أين يبدأون. فقد أصبحت قنوات المياه التي جعلت المدينة تسمى سابقا فينيسيا الشرق مليئة بالقمامة، والمجرى المائي شط العرب المهيب، وهو ملتقى نهري دجلة والفرات، فيه طبقة زيتية ويفوح برائحة الأسماك الميتة. ويقول البعض إن أحسن حل هو بناء أعلى برج في العالم، أي مدينة عمودية بالكامل، من أجل التخلص من الوحل والوصول إلى النجوم.

الاقتصاد في البصرة يشهد تحولا سريعا من الاعتماد على قطاعات مشكوك فيها نحو الواقع المزري للفساد

وفي الوقت نفسه ترزح البصرة تحت انتشار السلاح، فتجد الأرتال شبه العسكرية تجوب شوارع المدينة باستمرار وهي مدججة بالأسلحة.

وتوجد صور “الشهداء” في كل مكان، وتوحد جنازاتهم المجتمع في احتفالات ضخمة. المحاربون الشبان هم في الغالب متطوعون وليسوا مجندين، ومع ذلك تجد القضية التي يحاربون من أجلها غامضة جدا؛ حرب في الطرف الآخر من العراق ضد داعش لا تمثل تهديدا يذكر للبصرة حتى أن مقرات الميليشيات الشيعية غير محصنة بالمرة.

فضلا عن ذلك فإن الأحزاب الإسلامية هي التي تقود المعركة بشكل أساسي، وهو ما يثير الاشمئزاز، أو تقودها القوات شبه العسكرية التي كثيرا ما ترتبط بإيران، ذلك الجار غير المناسب الذي يثير الانتقاد أكثر من التعاطف، إذ أن الإيرانيين يحتقرون العرب سواء كانوا من الشيعة أو من غير الشيعة فهم لم يغفروا لهم إلى الآن الحرب في الثمانينات، ويسمحون بالاتجار في المخدرات حتى يتمكنوا من تحقيق الثروة على حساب البسطاء. هذه التنظيمات تبدو وكأنها تتبجح بحجم خسائرها عند تمجيد العدد الكبير من ضحاياها بالرغم من أن أعدادهم لو كانت في حرب تقليدية لأحبطت المجتمع إحباطا كبيرا.

ومع كل ذلك فإن الحماسة للحرب أكثر حيوية وتحصل على إجماع أكبر من أي جزء آخر من العراق، إذ يفتخر البصريون بتوفيرهم المقاتلين لأكثر من نصف الحشد الشعبي الذي تشكل على إثر فتوى أصدرها آية الله السيستاني في يونيو 2014 التي دعت العراقيين إلى مساندة الجيش ضد تقدم تنظيم داعش، وقد كان لذلك أثر على التركيبة الاجتماعية والسلوكات اليومية للبصرة التي تعيش على وقع تلك الميليشيا.

أوهام طائفية

يطرح مراقبون عددا من التساؤلات من بينها سر استعداد البصريين للتضحية بأنفسهم؟ والجواب الأكثر انتشارا هو الالتزام الديني، أي واجب الامتثال للسيستاني لأنه أكبر مرجعية لدى الشيعة العراقيين. لكن آراءه كثيرا ما يتم تجاهلها إذا كانت تعارض مصالح الطبقة السياسية، أو العادات المعيشية للعراق، أو حتى التشيع الشعبي أو المعايير الاجتماعية المهيمنة.

إشارات نصر وهمية

يمكنه الصراخ داعيا الأحزاب السياسية إلى القيام بتنازلات ضرورية وواضحة أو منع جلد الذات رسميا أثناء الحج للأماكن المقدسة أو الجنازات المكلفة بشكل مفرط أو اللجوء إلى القانون العشائري، لكن الناس لن يستمعوا إليه، بينما دعوته إلى التعبئة سمعت بوضوح وبصوت مرتفع.

الحشد هو نقيض التجنيد، فهو حركة اجتماعية حقيقية راسخة في مخيلة وتقاليد المجتمع الشيعي الذي يحس بخذلان النخب له ويحاول إيجاد اتجاهاته، وقد ظهر ذلك مع الحرب على داعش التي من الأسهل فهمها كتعبير مجازي إذا كنت تعيش بعيدا عن الجبهة الشمالية، وذلك ما تناغم مع البرهة التأسيسية للتشيع، بعد مقتل الحسين ابن علي.

ويعاد تمثيل المعركة كل عام في شهر محرم الشهر الأول من التقويم الهجري (وبصفة خاصة أثناء احتفالات عاشوراء) في تعاز مسرحية وأشكال أخرى من الاحتفالات مثل التنكيل بالذات. وهذه الاحتفالات تساعد الناس على تجربة تضحية الحسين، وهي القطعة المركزية لثقافة تعتمد على التضحية التي تقدم التشيع على أنه مقاومة دائرية للعدوان والاستبداد.

اليوم تعاد القصة يوميا في الحرب ضد داعش التي يفترض أنها تجمع كل أعداء التشيع: من سنية استبدادية وغرب إمبريالي يتلاعب بالعدو، وإسرائيل، كما هو شأن كل نظرية مؤامرة جيدة. الشهداء الذين يموتون في سبيل القضية الشيعية يرسمون في أيقونة تنتمي إلى الحسين. لقد أصبحت المعركة الآن حرفية أكثر من كونها مسرحية، أصبحت فيلما يقتل فيه الممثلون فعلا بدل التظاهر بالموت.

لهذه الحيوية الكئيبة جانب سياسي حيث فشل الممثلون المفترضون للتشيع العراقي في الاستفادة من إزاحة صدام حسين، وتبين أن فجر العهد الجديد المنشود على مدى قرون من الهيمنة خيبة أمل، ولم يعد أي أحد يؤمن بالمستقبل مما يجعل الرجوع المتواصل إلى ماض أعيد اكتشافه أسهل بكثير.

ومن المفارقات أن ذهنية الضحية المعقدة التي نشأت من خضوع على مدى قرون يمكن اليوم التعبير عنها بحرية تامة، فليس ثمة ما يمنع ذلك ناهيك أنها تُفرض على الجميع ويعبر عنها على العلن، وتهيكل المجتمع وتحدد الشرعية السياسية، فعلى كل زعيم شيعي أن يذعن، أو على الأقل يظهر أنه يذعن، للممارسات الشيعية مطلقة العنان، وهي ممارسات كثيرا ما تتعارض مع الأيديولوجيات الأكثر هيكلة وحسابات النخب الساخرة من التقاليد.

7