البصرة فينيسيا الشرق لم يبق منها إلا ليل مظلم

الجمعة 2014/01/17
البصرة تلقب بالرعناء وذلك لتقلب الجو فيها أثناء اليوم الواحد

البصرة.. فينيسيا الشرق ودرة الخليج وعروس الشرق والبوابة الشرقية ومدينة السندباد.. وأسماء كثيرة أخرى ذكرها العلماء بأمهات الكتب.

فمن ذلك كانت تدعى بالخُريبة قبل الفتح الإسلامي وربما اُطلق عليها هذا الاسم بسبب وجود مدينة قديمة خربة قريبة من الموقع، وبعد بنائها سميت بأسماء كثيرة منها: أم العراق، خزانة العرب، عين الدنيا، البصرة العظمى، البصرة الزاهرة، ثغر العراق الباسم، الفيحاء، قبة العلم، كما تجمع مع الكوفة أيضاً ويطلق عليهما العراقين أو البصرتين.

كما أشار أحد الباحثين إلى أنها تدعى (الرعناء) وذلك لتقلب الجو فيها أثناء اليوم الواحد وخاصة في فصل الربيع.

أما في أصل معنى اسمها الحالي فقيل فيه الكثير من الأخبار، منها: الأرض ذات الحجارة الصغيرة، فقد قال الأخفش في البصرة : حجارة رخوة إلى البياض و بها سميت البصرة، وقال حمزة الأصفهاني إنها كلمة فارسية أصلها – بس راه- أو باصوراه أي الطرق المتشعبة، وأوردها يعقوب سركيس إلى اللغة الكلدانية وقال عنها إنها تعني -الأقنية أو باصرا – ومعناه: محل الأكواخ.

وقد ذهب آخرون إلى أن كلمة بصرة أو بصيرة كلمة أكدية مشتقة من كلمة باب وكلمة (صيري) وتعني الصحراء إذ ترد هذه الكلمة في حوليات سنحاريب كاسم من أسماء القبائل التي حاربها ولأنها تحالفت مع الثائر الكلداني مردوخ بلادان أطلق عليها اسم (صابي صيري) أي (سكان الصحراء) فيكون اسمها (باب الصحراء) وهو تفسير قريب جداً إلى موقعها الجغرافي.. وهناك الكثير من الآراء ولكنها في الأخير تبقى (البصرة) وكفى! في مدينة البصرة تجد مجتمعا مختلف الأطياف وكأنه وطن صغير داخل وطن، ففيها يتجلى العراق، وقد يكون السبب الأساس في ذلك كله، كونها مفتوحة على الخليج والتجارة. عاش في البصرة الكثير من القوميات من عرب، أكراد، آشوريين، كلدان، أرمن، هنود، بلوش، أفغان، وإيرانيين، وبقايا الأتراك، والأنكليز الذين احتلوها وطاب لهم طعمها فعادوا لها تارة أخرى !!

في هذه الأسطر التي أردتها افتتاحا تمهيديا لهذا التحقيق خطرت ببالي فكرة أن اتصفح الصور القديمة لمدينة البصرة والتي حصلت عليها من أحد الأصدقاء، وأن أقف في نفس المكان الذي – ربما وقف –فيه المصور قبل أكثر من 80 عاماً أو يزيدون قليلاً، فما صدمني، هو تغير ملامح المدينة.. وغياب الكثير من رموزها الجميلة… وكفى بالصور إليك شاهدا وشهيدا..

لم تعد البصرة تحتفظ بصدارة المحافظات التي فيها أكبر غابة للنخيل

لقد صُدم أحد الأصدقاء عند زيارته البصرة لحضور أحد مهرجانات المربد حيث كنا نتمشى سويا في وسط العشار فتوقف مدهوشاً على ضفة شط العشار وقال لي بغصة: لقد قتلوا شط العشار بالنفايات!

وكان هذا الصديق دائماً ما يسألني عن شط العشار الذي تحول إلى مكب لنفايات المحال التجارية.. وهو في السابق – وحتى تسعينيات القرن الماضي –كان صالحا للحياة ومعلماً من معالم البصرة الجميلة!

أما مزارع النخيل التي كانت ممتدة على طول شريان الحياة في البصرة – شط العرب – فهي لم تعد كسابق عهدها ولم تحتفظ البصرة بصدارة المحافظات التي فيها أكبر غابة للنخيل في العراق وربما في العالم، فهي تمتد من نقطة التقاء نهر دجلة بالفرات في منطقة القرنة حتى مصبه في الخليج العربي في الفاو. وفي أحد التقارير يُذكر أن العراق يحتوي على أكثر من 30 مليون نخلة، وحوالي نصف هذا العدد أو ربما يزيد قليلا يتربع على عرش محافظة البصرة، ولكن عمليات التجريف التي حصلت والتي لا تزال تحصل إلى حد الآن لا حل لها سوى الصمت..

و كانت هناك خطوط بين ضفتي شط العرب عندما كانت مياهه نظيفة جدا حتى تسرح على صفحاته نوارس حالمة تعانق الموج، وتخفي بين قطراتها بوح العاشقين، كانت الابلام، وبالخصوص البلم العشاري الذي انقرض الآن، والمراكب الصغيرة والكبيرة أو ما يعرف محليا بـ (البوم) تدخل نهر الداكير أو النهر المقابل لمقام الأمير علي في جهة العشار.

أما أهالي المناطق التي تغفو على ضفته الأخرى فكانوا يجدون صعوبة في التنقل ولم يكن أمامهم سوى استعمال هذه الوسيلة في النقل. أما الآن فلا تُستخدم (الأبلام) إلا في حال انقطاع جسر (التنومة) أو يفضله بعض الشباب في الأعياد للاستمتاع برحلة نهرية. وتبقى الغوارق و(الطمي والغرين) التي تغطي كل منها جزءاً كبيرا من شط العرب إحدى أهم المشكلات التي لابد من إيجاد حل لها.

الكثير من الأدباء العراقيين ذكروا معالم البصرة، وكان أهمها ساعة (سورين) التي يذكرها بعض الناس إلى حد الآن، إذ كان أهالي البصرة، يضبطون ساعاتهم الشخصية عليها وقد باءت كل محاولات إصلاحها بالفشل الذريع وبقيت أنقاضاً مركونة في أحد المستودعات!

أما السينمات وشارع السينمات أو ما يعرف بـ (شارع الوطن واطلس) فقد تحول بعض من مبانيها إلى (مولات تجارية عملاقة)، سوى سينما الوطن التي أصبحت مستودعا للسيارات والأنقاض.

17