البصرة محافظة منكوبة يغرق أهلها في مياه مالحة وملوثة

الفقراء ضحايا التسمم لعدم قدرتهم على شراء مياه معدنية، وشط العرب يتحول إلى مكب كبير للنفايات.
السبت 2018/09/01
محاولة انعاش ما تبقى

البصرة (العراق) – ينتظر يونس سليم على سرير جناح الطوارئ في مستشفى البصرة أن يعاينه أحد الأطباء المنهمكين في علاج المرضى، إثر إصابته بتسمم سببته المياه الملوثة كما هو حال آلالاف من العراقيين من أبناء هذه المحافظة الجنوبية.

في الوقت الذي يشهد فيه العراق نقصا كبيرا في منسوب المياه بسبب الجفاف، تعيش البصرة وسط معاناة: المياه الملوثة والمالحة ونقص الخدمات العامة وانقطاع التيار الكهربائي والمجاري المفتوحة وتلوث الهواء بسبب مشكلات احتراق تنتشر في حقول نفطية في المنطقة.

ومع معاناة هذا الرجل من الألم بسبب المغص بعد شربه مياه الصنبور نظرا لارتفاع ثمن المياه المعدنية، ينظر إلى آخرين حوله يتلقون حقنا لمعالجة الجفاف الذي أصابهم بسبب الإسهال الحاد.

وأكد سليم “نعطي مياها معدنية فقط لأطفالنا الثلاثة، لكنني وزوجتي نشرب في أغلب الأحيان” مياه الصنبور. وقال رياض عبدالأمير، مدير عام دائرة الصحة في البصرة، إنه منذ 12 أغسطس الماضي “استقبلنا أكثر من 17 ألف حالة إسهال ومغص وتقيؤ”

في محافظة البصرة، وهي من بين المحافظات الأكثر اكتظاظا بالسكان في البلاد والوحيدة التي تطل على الخليج. لكنه حذر من أنه رغم أن “حالات التسمم بسيطة حتى الآن وجميع المرضى يعودون إلى منازلهم، إلا أن الوضع يزداد سوءا”. وقال إنه لم يواجه مثل هذه الأزمة على مدى 11 عاما من عمله، تزامنا مع خدمات عامة متداعية وارتفاع في الأسعار.

 رضوخ واستسلام للواقع
 رضوخ واستسلام للواقع

وتبذل أم حيدر وهي بائعة في أحد أسواق البصرة بدورها، جهودا لتوفير المياه النقية لعائلتها المؤلفة من 30 شخصا، قائلة إن “ألف لتر تكلف عشرين ألف دينار (حوالي 17 دولارا) وخلال نصف ساعة نشرب ونغسل للأطفال لا يبقى منها شيء”، فيما كانت نفس الكمية تكلف سابقا خمسة آلاف دينار.

أفاد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الذي واجه خلال الشهرين الماضيين احتجاجات شعبية واسعة في البصرة، أن معدلات الملوحة في المياه في ارتفاع “منذ عقود” فيما ينخفض تركيز الكلور وهناك “نقص في الأمطار” هذا العام.

ويتقاسم العراق وإيران شط العرب حيث يصب نهرا دجلة والفرات مياها عذبة لكنها تختلط بمياه البحر المالحة القادمة من الخليج.

وأصبحت مياه الخليج المالحة تتقدم لمسافة 40 كيلومترا داخل مجرى النهر شمال مدينة البصرة. وقامت تركيا وإيران خلال سنوات من الحروب المتكررة التي

شهدها العراق، بإقامة سدود على مصبات الأنهار المشتركة مع العراق الأمر الذي أدى إلى انخفاض حاد في منسوب المياه ما تسبب في تغييرات بيئية.

المئات من أهالي محافظة البصرة يتظاهرون ضد بطء الإجراءات الحكومية لمعالجة أزمة تلوث وملوحة المياه

 كما أنه بالإضافة إلى ارتفاع نسبة الملوحة، هناك نفايات يحملها النهران بينها مياه صرف صحي في هذا البلد الذي يبلغ عدد سكانه 38 مليون نسمة، ففي البصرة، تتدفق مياه الصرف الصحي عبر قنوات مفتوحة إلى شط العرب، إلى جانب مواد ملوثة أخرى تسببها صناعات نفطية، تمثل هذه الأخيرة المصدر الرئيسي لميزانية البلاد، وهناك مصانع بتروكيماويات إيرانية في الجانب الإيراني من شط العرب.

وقال فيصل عبدالله عضو مفوضية حقوق الإنسان الحكومية، إن “شط العرب أصبح مكبا للنفايات، ولم تجدد محطات المعالجة منذ 15 عاما”.

وأعلنت المفوضية العليا المستقلة لحقوق الإنسان في العراق، أمس الجمعة، محافظة البصرة الغنية بالنفط جنوبي البلاد “منكوبة” بعد تزايد حالات التسمم جراء تلوث المياه وتراجع الوضع الصحي.

وصرح فاضل الغراوي عضو المفوضية أن “مفوضية حقوق الإنسان (تابعة للبرلمان) أعلنت أن محافظة البصرة مدينة منكوبة بعد تسجيل أكثر من 17 ألف حالة تسمم جراء التلوث”.

وأضاف المسؤول العراقي أن “الوضع يزداد سوءا في المحافظة، حيث أن المؤسسات الصحية تستقبل يوميا المئات من حالات التسمم جراء تلوث المياه وتراجع الواقع الصحي”.

ثروات بحرية مهدورة
ثروات بحرية مهدورة

وأشار إلى أن “إعلان المحافظة منكوبة يستدعي من الجهات المسؤولة البدء بإجراءات عاجلة لتخفيض نسب الأملاح في المياه ودعم المؤسسات الصحية”، وبذل جهود لتأمين حصصها المائية انطلاقا من سدود على منابع المياه.

وتظاهر المئات من أهالي المحافظة، ضد بطء الإجراءات الحكومية لمعالجة أزمة تلوث المياه.

وقال أحمد الخزعلي أحد المتظاهرين إن “وضع البصرة سيء للغاية وخصوصا مناطق شمالي المحافظة التي تعاني من التلوث في المياه والأجواء”. مشيرا إلى أن “الأطفال هم ضحايا عجز الحكومة عن وضع الحلول المناسبة للأزمة المائية”.

وأوضح الخزعلي أن “أهالي ناحية عزالدين سليم خرجوا في تظاهرات تعبيرا عن سخطهم من الوضع الحالي، وتقاعس الحكومة والمؤسسات الرسمية عن أداء مهامها بالشكل العاجل لما يتطلبه الموقف”.

وتعتمد البصرة، في الغالب على مياه شط العرب لتغذية مشاريع الإسالة، إلا أن نسبة الأملاح الذائبة في المياه بلغت مؤخرا 7500 تي.دي.أس (tds)، بحسب وزارة الموارد المائية، في حين تقول منظمة الصحة العالمية، إن النسبة تصبح غير مقبولة في حال تجاوزت 1200 تي.دي.أس.

وتعتبر البصرة، ثاني أكبر مدن العراق مساحة بعد محافظة الأنبار (غرب)، وتقع في أقصى جنوبي البلاد، على الضفة الغربية لشط العرب، وهو المعبر المائي الذي يتكون من التقاء نهري دجلة والفرات في القرنة.

وتحتوي البصرة على أكبر آبار العراق النفطية، وتنتج ما لا يقل عن 80 بالمئة من نفط البلاد، وهي المنفذ البحري الوحيد للبلاد على العالم، ويصدر غالبية النفط عبر موانئ البصرة.

 وأضاف عبدالله أنه من “المفترض أن يصل المحافظة 75 مترا مكعبا من المياه في الثانية الواحدة، لكن ما يصل فعلا هو 59 مترا مكعبا في الثانية” بسبب استغلال محافظات تمتد على النهرين للمياه في ظل ضرورة لتدفق مياه عال ليحل بدلا عن مياه الخليج التي تتصاعد في محافظة البصرة.

يتقاسم العراق وإيران شط العرب حيث يصب نهرا دجلة والفرات مياها عذبة لكنها تختلط بمياه البحر المالحة القادمة من الخليج

وقال جاسم محمود الذي خسر هذا العام جميع إصبعيات الأسماك وعددها 50 مليونا وبات غارقا في الديون، “هذا أسوأ موسم” منذ 25 عاما، مضيفا “أكيد هذا آخر عام لنا”.

وفي مكان آخر، كان هناك المئات من الأسماك المتفسخة بفعل حرارة الشمس على ضفاف البحيرة فيما تطفو أخرى على سطح المياه التي تتغذى من نهر دجلة.

وشدد كاظم الغيلاني، مهندس زراعي كان يجري اختبارات بمساعدة جهاز فحص نسبة الملوحة، على أن “الملوحة تبلغ 12 مليغراما لكل كيلوغرام من الماء، وفي الأمر الطبيعي، تتراوح بين 1 و1.5 مليغرام”.

وفيما تتواصل تظاهرات يومية أمام مبنى مديرية صحة البصرة، قال الطبيب عبدالأمير “نحن نعالج نتائج الأزمة” لكن “البحث عن أسبابها عند جهة أخرى”، في إشارة إلى مناطق أخرى.

ودافع رئيس الوزراء عن حكومته بالقول “لا يمكننا أن نلوم الحكومة الحالية” مشيرا إلى أن صيانة المياه وتنقيتها من “مسؤولية المحافظات”. وأعرب الطبيب عن قلقه لأن المياه المالحة ذات التركيز المنخفض جدا من الكلور في ظل درجات حرارة منخفضة متوقعة خلال موسم الخريف، تشكل أجواء مواتية لظهور الكوليرا.

17