البطالة تفترس البشرية.. بانتظار ثورة "فلسفية"

الاثنين 2013/11/25

المصنع الذي كان ينتج 1000 سيارة بتشغيل 10 آلاف عامل، أصبح ينتج ألف سيارة بتشغيل 100 عامل. تلك مجرد أرقام افتراضية لها مرادفات كثيرة في جميع أنواع النشاطات الصناعية والخدمية والزراعية، وهو ايقاع عالمي يفرضه التطور التكنولوجي والمنافسة الشرسة بين الشركات.

الأسواق تستبدل البائعين بالآلات والقطارات تسير بلا سائق والروبوتات تزرع وتحصد المحاصيل وترعى الماشية، والصحف والمجلات والكتب تباع بشكل متزايد الكترونيا والمصارف تجري معظم تعاملاتها عن طريق الانترنت.

الأمثلة كثيرة، والقاسم المشترك هو شطب المزيد من الوظائف، في وقت تتزايد فيه مطالب الشعوب وغضبها وثوراتها.

وإذ تجد الدول نفسها في حفرة عميقة، تجد نفسها مضطرة لمواصلة الحفر! فهي تتنافس في خفض الضرائب لاستقطاب الاستثمارات ما يؤدي في معظم الاحيان الى تراجع عوائد الضرائب والموازنة المتاحة للإنفاق على العاطلين وبرامج الرعاية الاجتماعية.

انفجار معدلات البطالة يبدو حتميا مع تطور التكنولوجيا وحلول الآلات محل البشر، والفجوة بين الأثرياء والفقراء في اتساع متزايد حتما، وستنخفض نسبة الاشخاص الذين تحتاجهم عجلة الانتاج يوما بعد يوم.

لا يبدو اليوم أن أيا من حكومات العالم تدرك أن المشكلة في تفاقم حتمي ومتواصل، وأن السياسات الاقتصادية الحالية لن تتمكن من إيجاد حلول قابلة للتطبيق، وأن جميع الفلسفات والأفكار الاقتصادية لم تعد تجدي نفعا مع هذا الواقع.

يبدو العالم اليوم بحاجة ماسة الى فلسفة اقتصادية جديدة، توازي ظهور الفلسفتين الرأسمالية والاشتراكية. لكن ظهور تلك الفلسفة قد لا يكون كافيا، الى أن تبادر دولة مغامرة بتطبيقها، مع ما قد يصاحب ذلك من مخاض عسير ومكلف في المرحلة التجريبية.

كيف إذن ستتمكن الحكومات في المستقبل من إعالة معظم سكانها العاطلين وكبار السن، دون فرض ضرائب قاتلة قد تدفع جميع المستثمرين والشركات للهروب الى دول أخرى؟

في بريطانيا أثار مؤخرا قرار مترو أنفاق لندن تشغيل قطارات جديدة بدون سائق والاستغناء عن جميع موظفي بيع التذاكر جدلا واسعا، لأنه سيعني تسريح أعداد كبيرة من العاملين في وقت يعاني فيه الاقتصاد من الركود وسياسات التقشف، التي فرضت على الحكومة تقليص إعانات العاطلين عن العمل وبقية الاعانات الاجتماعية.

كيف إذن سيتم توزيع الدخل والثروة لإنعاش الطلب الذي بدونه يدخل الاقتصاد في ركود شديد؟

حتى الآن لا يبدو أن هناك ما يمكن مناقشته في أي بلد في العالم لتغيير الاتجاه المستقبلي لارتفاع البطالة على المدى البعيد، والتي ستسير حتما في اتجاه واحد.

الحل الوحيد الذي اعتمدته الدول على مدى عقود هو الاقتراض لتقديم الاعانات الاجتماعية لجيوش العاطلين. وكان ذلك أحد اسباب أزمة الديون التي فجرت الأزمة المالية العالمية.

واليوم تتجه الحكومات في الاتجاه المعاكس لخفض الانفاق وتقليل الاعانات وتسريح موظفي القطاع العام وشد أحزمة التقشف، الأمر الذي سيزيد جيوش العاطلين لينذر بحدوث اضطرابات كبيرة.

كرة الثلج تتدحرج وهي تكبر يوما بعد يوم، لكن جميع حكومات العالم تبدو مجبرة على التسابق الى الهاوية في ذات اللعبة بقوانينها العتيقة التي لم تعد صالحة في واقع جديد تتناسل فيه جيوش العاطلين وتتعطل فيه الدورة الدموية للاقتصاد.

لن تتمكن دولة بمفردها من زيادة الضرائب على الاقلية العاملة الى مستويات فلكية لإعالة الأغلبية العاطلة، إلا إذا تزايد التقارب والضوابط العالمية الموحدة، لتسمح بظهور فلسفة اقتصادية جديدة تطبق على مستوى العالم.

مهما كانت الحكومات سخية مع العاطلين فإنها لن تتمكن من إطفاء سخطهم وثوراتهم المحتملة، إلا إذا عثرت على قطاعات جديدة لتشغيلهم، حتى لو تطلب ذلك خداعهم بوظائف غير مجدية اقتصاديا، مثل نقل الرمال من مكان الى آخر ثم إعادتها وتكرار العملية باستمرار. مجرد مثال ساخر بانتظار فلسفة جديدة توقف كرة البطالة المتدحرجة، التي تكبر يوما بعد يوم.

11