البطالة والأزمات الاقتصادية لا تمنعان الوزراء الفلسطينيين من الحصول على امتيازات

وثائق مسربة تكشف أن خفض رواتب الموظفين الفلسطينيين لا يشمل المسؤولين في الحكومة اللذين يعيشون في بذخ رغم الأزمة المالية الخانقة.
السبت 2019/06/08
مأزق جديد لمحمود عباس

لم تمنع الأزمة المالية الخانقة والظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون، منذ سنوات، الوزراء والمسوؤلين في السلطة من الحصول على امتيازات مالية والترفيع في أجورهم. وما كان هذا الأمر سيُكشف لولا تسريب وثائق تبين التناقض الكبير في سياسة السلطة الفلسطينية، التي صرفت في مارس الماضي للموظفين العموميين 40 بالمئة فقط من قيمة رواتبهم، في حين يتمتع كبار المسؤولين والوزراء بامتيازاتهم ومرتباتهم العالية وبدلات الإقامة والسفر، حسب وثائق نشرها موقع “عكس التيار”.

محمد دراغمة

  رام الله – واجه سوق العمل في الضفة الغربية مشاكل صعبة سنة 2017، مع ارتفاع معدلات البطالة وضعف النمو الاقتصادي. لكن، لم يمنع هذا الحكومة الفلسطينية من “تدليل” موظفيها سرّا بمنحهم امتيازات ضخمة، كان أبرزها زيادة الرواتب بنسبة 67 بالمئة.

بقيت المنح والامتيازات المقدمة سرية على مدار العامين الماضيين، ولم تُفضح إلا مؤخرا، إثر تسريب قرار صادر عن مجلس الوزراء في الغرض، ضمن سلسلة من الوثائق نشرتها مجموعة إلكترونية تطلق على نفسها اسم “عكس التيار” وتناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي.

هزت الوثائق الضفة الغربية، حيث فرضت الأزمة المالية على الحكومة خفض رواتب موظفيها.

ومما عقّد الوضع أن تزامن تسريب التقرير مع الأيام الأخيرة من شهر رمضان، الذي تكافح الأسر لتحمل تكاليفه. وكان من الطبيعي أن يزيد من غضب الفلسطينيين الذين اعتبروا قيادتهم “فاسدة” و”معزولة عن واقعهم”.

وقال المنسّق الخاص للأمم المتّحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط نيكولاي ملادينوف، في تغريدة على تويتر، إنّه “في الوقت الذي يعاني فيه الشعب الفلسطيني من مصاعب اقتصادية ويتمّ قطع الرواتب في غزة، فإنّ مثل هذه القرارات تتحدّى المنطق وتثير غضب الناس بحقّ!”.

وأعلن ملادينوف أنّ رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتيّه وعده بالعودة عن قرار زيادة ألفي دولار على راتبه ورواتب سائر الوزراء.

وفقا للوثيقة المسرّبة، ارتفعت الرواتب الشهرية لوزراء الحكومة من 3 إلى 5 آلاف دولار، في حين ارتفع راتب رئيس الوزراء إلى 6 آلاف دولار. وعلّق الصحافي والمعلق السياسي إيهاب الجريري، على ذلك قائلا إن “الوزراء الفلسطينيين تصرفوا كما لو أن الحكومة كانت متجرهم الخاص أين يمكنهم أخذ ما يريدون دون مساءلة”.

قال اثنان من كبار المسؤولين إن الرئيس محمود عباس وافق على هذه الزيادات، متجاهلا قانون سنة 2004 الذي يحدد رواتب الوزراء.

وتحدث المسؤولان، شريطة عدم الكشف عن هويتهما لأنهما لا يحملان إذنا يسمح لهما بمناقشة القضية مع وسائل الإعلام، مشيران إلى أن الزيادة تمت بأثر رجعي بدءا من سنة 2014 عندما تولى مجلس الوزراء السلطة، مما منح الوزراء مكافأة إضافية تصل إلى عشرات الآلاف من الدولارات.

لم تقف الزيادات عند هذا الحد. أظهرت وثيقة أخرى حصول الوزراء الذين يعيشون خارج مدينة رام الله بالضفة الغربية على 10 آلاف دولار سنويا لاستئجار منزل حيث يتواجدون. كما تحصّل المسؤولون الذين يمتلكون منازل في رام الله على تلك المنحة أيضا.

مجدي أبوزيد: الوثائق تظهر ذرّة من فساد السلطة الفلسطينية
مجدي أبوزيد: الوثائق تظهر ذرّة من فساد السلطة الفلسطينية

وضخّمت الحكومة سعر الصرف، حيث منحت وزراءها علاوة بنسبة 17 بالمئة عند تحويل رواتبهم إلى الشيكل الإسرائيلي.

ويتمتع أعضاء مجلس الوزراء كذلك بتعويض حكومي يغطي أجور سائقيهم الشخصيين ونفقات أسفارهم الدولية. وأكد المسؤولان الفلسطينيان صحة الوثائق.

"مزرعة" المسؤولين

بعد سنوات في السلطة، شهد عباس انخفاضا في شعبيته، إذ يشعر المواطنون بخيبة أمل بسبب فشله في إقامة دولة مستقلة وخسارته لقطاع غزة لصالح حركة حماس المنافسة وبسبب الأوضاع الاقتصادية العامة التي تشهدها البلاد.

وتصل نسبة البطالة في الضفة الغربية إلى 20 بالمئة، ويتراوح متوسط الرواتب الشهرية في صفوف العاملين، مثل الموظفين المدنيين، بين 700 وألف دولار.

وأثارت الوثائق المسرّبة موجة غضب واسعة على منصات وسائل التواصل الاجتماعي الفلسطينية. ووصف المنتقدون الحكومة بأنها بمثابة “مزرعة” أو “متجر” يمتلكه كبار المسؤولين. وأُجبرت السلطة الفلسطينية على تقديم رد لمحاولة إخماد هذه المشاعر الحانقة.

وأحال رئيس الوزراء المعين حديثا محمد أشتية، وهو أحد مستشاري عباس منذ فترة طويلة، القضية إلى عباس “لمراجعتها واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة”.

وبينما يتواصل التحقيق، سيتلقى الوزراء نصف رواتبهم، مثل معظم الموظفين الحكوميين، وفقا لما أعلنه المتحدث الرسمي باسم الحكومة إبراهيم ملحم.

ودافع رئيس الوزراء السابق رامي الحمدالله، الذي تمتع الوزراء في عهده بهذه الفوائد، عن الإجراءات قائلا “طلب وزراء الحكومة الزيادة من الرئيس عباس سنة 2017، ووافق عليها لتكاليف المعيشة المرتفعة”.

خيبة أمل

تقدم الوثائق التي سربت لمحة نادرة على عمل الحكومة الفلسطينية، مما أدى إلى إشعال محادثات حول ما قد تخفيه المؤسسة. ويرى المدير التنفيذي لائتلاف أمان، مجدي أبوزيد، أن هذه الوثائق لا تظهر سوى ذرّة من الفساد المنتشر في السلطة الفلسطينية، نظرا إلى عدم توفر المزيد من المعلومات المهمة.

جهاد حرب: السلطة الفلسطينية فقدت ثقة شعبها منذ زمن
جهاد حرب: السلطة الفلسطينية فقدت ثقة شعبها منذ زمن

وتتزامن التسريبات مع تقرير أصدره ائتلاف أمان، كشف أنّ الحكومة عيّنت عددا من الأفراد في الوظائف الحكومية العليا دون الإعلان عن ذلك. وشملت التعيينات أقارب المسؤولين. ورفضت الحكومة الكشف عن ميزانيات مكتب الرئاسة الفلسطينية وقوات الأمن.

ويقدّر عدد العاملين في السلطة الفلسطينية بحوالي 160 ألف موظف، وتبلغ فاتورة رواتبهم الشهرية حوالي 130 مليون دولار.

وتنبع معظم مشكلات السلطة الفلسطينية المالية من الصراع مع إسرائيل التي أعلنت حكومتها أنها احتجزت مبلغ 138 مليون دولار من عائدات الضرائب المستحقة للسلطة الفلسطينية.

واعتبرت أن المبلغ يساوي ما تقدمه السلطة من مخصصات مالية إلى عائلات الأسرى الفلسطينيين القابعين في سجونها. وقررت إسرائيل إيقاف التحويلات لمعاقبة الحكومة على دفعها رواتب لعائلات الفلسطينيين الذين نفذوا هجمات ضد إسرائيل، مدعية أن ذلك يشجع على المزيد من العنف. وردت السلطة الفلسطينية على الاتهامات الإسرائيلية مؤكدة أن تلك الأموال تصنّف ضمن الضمانات الاجتماعية للأسر التي فقدت معيلها الرئيسي، وتلك المتضررة من النزاع.

ويرفض الجانب الفلسطيني استرجاع أموال العائدات الضريبية من إسرائيل إذا اقتطعت رواتب الأسرى الأمنيين.

وتعد أموال المقاصة الفلسطينية، المصدر الرئيس لفاتورة أجور الموظفين، ودونها لن تتمكن الحكومة من الإيفاء بالتزاماتها تجاه الموظفين والمؤسسات. وردا على القرار الإسرائيلي، رفضت الحكومة الفلسطينية تسلم أموال المقاصة منقوصة، ما أدخلها في أزمة مالية خانقة دفع بها لتكثيف الاقتراض من البنوك، والتوجه نحو الدول العربية لتوفير السيولة.

يأتي هذا الصراع في وقت يواجه فيه الفلسطينيون تخفيضات كبيرة في الميزانية، بعدما قلّصت الولايات المتحدة تمويل برنامج وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) وعددا من برامج التنمية في الأراضي الفلسطينية. كما خفض برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة خدماته بسبب نقص التمويل. ولحماية مواردها المالية، سنّت السلطة تدابير تقشفية.

وأدت الوثائق المسربة إلى تعميق خيبة أمل الشعب الفلسطيني. وكشفت استطلاعات الرأي التي أجراها أستاذ العلوم السياسية ومدير المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في رام الله، خليل الشقاقي أن أكثر من 80 بالمئة من الفلسطينيين يعتبرون قيادتهم فاسدة.

وقال المحلل جهاد حرب، الذي ألّف عددا من الدراسات المتعلقة بالنظام السياسي الفلسطيني والحكم الرشيد والعمل البرلماني والنزاهة، “فقدت السلطة الفلسطينية ثقة شعبها منذ وقت طويل بسبب ممارساتها غير القانونية”. وقال إن صورة الحكومة تدهورت أكثر بعد التسريبات الأخيرة.

7