البطالة والتهميش.. قنابل موقوتة تنذر بانتفاضة جديدة في تونس

في 17 ديسمبر عام 2010 أضرم محمد البوعزيزي المحبط من أوضاعه الاجتماعية السيئة النار في جسده، فاشتعل وأشعل معه انتفاضة غضب واحتجاجات على البطالة والمحسوبية في بلده تونس، انتهت بالإطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي وبداية حلم بتجربة ديمقراطية. وبعد خمس سنوات انتحر شاب آخر عاطل اسمه رضا اليحياوي بعد شعوره بالإحباط وفقدان الأمل في العثور على وظيفة مفجرا موجة احتجاجات كبيرة اتسعت رقعتها بسرعة لتشمل أرجاء البلاد وتهدد بانتفاضة اجتماعية جديدة.
السبت 2016/01/23
مشاهد تعيد نفسها

القصرين (تونس) - “ابني ضحية الفساد والتهميش والوعود الجوفاء”، بهذه العبارة يلخص عثمان والد رضا اليحياوي، الوضع الذي يواجهه الشباب بعد أن أشعلت وفاة ابنه خلال تظاهرة في محافظة القصرين موجة من الاحتجاجات الاجتماعية في تونس.

وقال عثمان اليحياوي، وهو يحمل صورة ابنه، “رضا فقد الأمل ولكني أقول للسلطات والجميع إن ابني سيكون محمد البوعزيزي جديد وانتحاره سيفجر الاحتجاجات أكثر إذا لم يحصل أبناء القصرين وتونس على فرص شغل بكرامة”.

وتوفي رضا اليحياوي عن 28 عاما عندما أصيب بصعقة كهربائية السبت الماضي بعد أن تسلق عمود كهرباء أثناء الاحتجاج مع آخرين على سحب اسمه من قائمة التشغيل في القطاع العام. وبعد يومين من الاحتجاجات في المنطقة الفقيرة في وسط تونس حيث تستشري البطالة انتقلت الاحتجاجات على التهميش إلى مناطق أخرى ووصلت أول مساء إلى أحياء شعبية في العاصمة التونسية.

والاضطرابات التي هزت مدينة القصرين وانتشرت بسرعة إلى أرجاء البلاد تظهر مدى عجز انتفاضة 2011 عن القضاء على التهميش ونقص التنمية وتفشي البطالة في المناطق الداخلية. وإذا كانت تونس محل إشادة واسعة على أنها قصة نجاح لانتفاضات الربيع العربي بعد انتقال ديمقراطي هادئ فقد أصبحت أيضا نموذجا للمخاطر في التعامل مع المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والتهميش والإحباط في صفوف الشبان اليائسين.

وفي القصرين، تلك المدينة المهمشة والفقيرة بوسط البلاد حيث بدأت موجة الاحتجاجات، التي انتشرت منذ بداية الأسبوع في البلاد، حاول شبان يائسون الانتحار بإلقاء أنفسهم من فوق مبنى المحافظة احتجاجا على بطالتهم. ونقل اثنان منهم على الأقل للمستشفى.

ويقول محرز اليحياوي، البالغ من العمر 36 عاما إن “إهمال الدولة لهذه المنطقة المهمشة منذ العشرات من السنين هو السبب في موت أخيه”.

ويضيف الشاب الباحث عن عمل إن “الوضع الاجتماعي شديد الصعوبة”، موضحا أن السلطات “تدفع الشباب الفقير إلى التوجه نحو الاتجار بالمخدرات أو الارهاب”، بعد أن التحق آلاف التونسيين بصفوف التنظيمات الجهادية مثل تنظيم “الدولة الاسلامية” في سوريا والعراق وليبيا المجاورة. ويشاركه الرأي الكثير من شباب القصرين حيث يرتسم الفقر على كل شيء فيها من الطرق المهملة إلى الأحياء المكتظة والمساكن المتهالكة.

فرنسا تدعم تونس بمليار يورو
تونس - قالت الرئاسة الفرنسية إن الرئيس فرانسوا هولاند قرر تخصيص مساعدات لتونس بقيمة مليار يورو على خمس سنوات لدعم اقتصاد البلاد التي تواجه اضطرابات عنيفة بسبب نقص الوظائف. وقال بيان للرئاسة الفرنسية “الخطوط العريضة لهذا البرنامج تستهدف المناطق المهمشة والشبان والتركيز على التشغيل”.

وفي أسوأ احتجاجات منذ 2011 انتشرت الاضطرابات والاحتجاجات في وسط وشمال وجنوب البلاد واقتحم المحتجون الغاضبون مقرات المحافظات وهاجموا وأحرقوا مقرات للشرطة وقتل شرطي في الاحتجاجات. ولحقت عدة أحياء بالعاصمة تونس ببقية المناطق المضطربة بعد أعمال عنف واشتباكات بين الشبان والشرطة.

ودفعت حالة الفوضى والاحتجاجات التي عمت البلاد وتم خلالها الاعتداء على ممتلكات عامة وخاصة، وزارة الداخلية إلى فرض حظر تجول من الساعة الثامنة ليلا حتى الخامسة صباحا في كامل البلاد.

وقالت بدرة قعلول، رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية والأمنية والعسكرية، إن ما تعيشه البلاد التونسية اليوم من تحركات احتجاجية وانتفاضات شعبية في مختلف البلاد متوقعة نظرا للانحدار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي لم تر تونس له مثيلا.

وفي بيان له قال حزب القطب، اليساري التقدمي، إن هذه الاحتجاجات التي ما فتئت تتوسع هي نتيجة طبيعية لجملة من الأسباب والتراكمات.

شغل.. حرية.. كرامة.. وطنية

خلال الاحتجاجات كان الشبان يرددون شعار “شغل.. حرية.. كرامة.. وطنية” في استحضار لذكريات “ثورة الياسمين” عام 2011 عندما كانوا يطالبون بحريات سياسية حصلوا عليها وفرص شغل وتنمية يقولون إن الحكومة عجزت عن تحقيقها. ولا يخفي البعض إلقاء اللوم على لا مبالاة وعدم اكتراث مسؤولين كانوا في نظام بن علي مثل الرئيس الباجي قايد السبسي الذي عاد للسلطة والحكم بعد الثورة التي أجبرت الرئيس السابق على الهروب من تونس.

شباب القصرين التونسية: لو كنا في الحكومة لاجتثثنا الفساد من جذوره

وفي القصرين، قال حمزة الحيزي، وهو شاب عاطل عن العمل منذ خمس سنوات، رغم حصوله على شهادة جامعية “كنت أعتقد بقوة أن الثورة قبل سنوات أعادت لنا الأمل في الحصول على عمل بكرامة. ولم أكن أتوقع يوما أن نعود بعد خمس سنوات للشارع لنرفع نفس المطالب”. وأضاف “لكن النظام السابق الذي عاد بقوة للواجهة سرق منا أحلامنا”.

ومنذ انتفاضة 2011 نجحت تونس في تفادي اضطرابات عنيفة هزت دول أخرى في المنطقة وأطاحت بزعمائها في مصر واليمن وسوريا وليبيا. وأدت الديمقراطية الناشئة في تونس إلى دستور جديد وانتخابات حرة وتوافق بين الخصوم الإسلاميين والعلمانيين وأشيد بها كمثال للانتقال الديمقراطي في المنطقة.

لكن التقدم الديمقراطي في تونس لم تتبعه نهضة اقتصادية. بل بالعكس ارتفعت الأسعار واستمر تهميش المناطق الداخلية وزادت معدلات البطالة. ويرى التونسيون أن هذه أبرز الأولويات التي يجب لفت الانتباه إليها. ويتفشى الشعور بالإحباط والاحتقان خصوصا في الأحياء الفقيرة في تونس وفي مدن مهمشة داخل البلاد حيث اندلعت فيها احتجاجات. وحتى الحاصلون على شهادات جامعية يصعب عليهم العثور على وظائف.

وتدفع أحيانا مثل هذه الظروف شبانا من الطبقة الوسطى والفقيرة في تونس للالتحاق بصفوف جماعات جهادية رغم تلقيهم تعليما جيدا وهي تسهل تجنيدهم للقتال في العراق وسوريا والآن في ليبيا. وتقول الحكومة إن أكثر من ثلاثة آلاف تونسي التحقوا بساحات القتال في العراق وسوريا.

وارتفع معدل البطالة في تونس إلى 15.3 بالمئة في عام 2015 مقارنة مع 12 بالمئة في 2010 بسبب ضعف النمو وتراجع الاستثمارات إلى جانب ارتفاع أعداد خريجي الجامعات الذين يشكلون ثلث العاطلين في تونس. وقد أكّدت نور الهدى القرمازي، المختصّة بالاقتصاد الدولي، قائلة “لو كنت مسؤولة حكوميّة لكان أهم قرار اتخذه هو التشغيل، وخلق فرص عمل، وجلب استثمارات”، مطالبة بـ”ضرورة محاربة الفساد، والفقر، والتّهميش”.

وعود.. لكن ماذا بعد

إضافة لسيدي بوزيد كانت القصرين أيضا من أولى المدن التي انتفضت ضد بن علي في 2011. ومعدلات البطالة والفقر في هذه المحافظة الواقعة قرب الحدود الجزائرية هي الأعلى في تونس. وبعد الثورة زادت معاناة أهالي القصرين وزاد على هموم البطالة والتهميش خطر المسلحين الإسلاميين الذين يحتمون بجبال الشعانبي في القصرين.

وفي استجابة للاحتجاجات الأخيرة أعلن مكتب رئيس الوزراء الحبيب الصيد أنه سيعود للبلاد من زيارة لسويسرا حيث يحضر اجتماعات المنتدى الاقتصادي العالمي وسيعقد اجتماعا طارئا للحكومة. وقال الناطق الرسمي باسم الحكومة، خالد شوكات إن الحكومة ستسعى لتوظيف أكثر من ستة آلاف شاب من القصرين وتبدأ في تنفيذ مشروعات.

وبعد الإعلان تدفق آلاف العاطلين على مقر المحافظة في ساعة مبكرة أول أمس الخميس لقيد أسمائهم بسجل المرشحين لوظائف لكن حدة التوتر ما زالت مرتفعة ومازال الاحتقان شديدا. وقال شوكات “نحن نتفهم طلبات المحتجين وهي شرعية ولكن هناك محاولات للتسلل داخل صفوف المحتجين وتشويه تحركاتهم وبالتالي تشويه صورة النموذج الديمقراطي التونسي”.

الحبيب الصيد: ليس لدينا عصا سحرية لإعطاء وظائف للجميع في نفس الوقت

وتأتي الاضطرابات والاحتجاجات في وقت حساس تحاول فيه تونس إنعاش اقتصادها العليل بعد ركود استمر سنوات بسبب تراجع الاستثمارات الأجنبية. وتلقى قطاع السياحة ضربة قوية بعد ثلاث هجمات كبرى لجهاديين استهدفت فندقا في منتجع سوسة ومتحف باردو وحافلة للحرس الرئاسي في العاصمة.

ويتهم المعارضون الحكومة بتجاهل مطالب التنمية والتشغيل في المناطق الداخلية. وقال حمة الهمامي، زعيم الجبهة الشعبية المعارضة، إنه حذر السلطات من خطورة تجاهل ملف التنمية، فيما قال عصام الشابي، القيادي بالحزب الجمهوري المعارض، “الوضع متفجر وشبيه بالقدر التي تغلي وقد ينفجر في أي وقت. للأسف الوضع يشبه كثيرا ما حدث في 2011 وقد نجد أنفسنا أمام سيناريو مماثل إذا لم تتحرك الحكومة بسرعة وتعالج الوضع″.

وأضاف أنه يتعين إجراء حوار وطني واسع لتشكيل برنامج وحكومة إنقاذ تنكب على مخطط واضح يخرج تونس من أزمتها خصوصا وأن المحتجين أصبحوا لا يثقون في هذه الحكومة ويهاجمون رموز الدولة وفق تعبيره. وحتى الآن ليس هناك مؤشرات واضحة على أن الاحتجاجات قد تهدأ فورا بعد أن توسعت رقعتها بشكل واسع في أغلب مناطق البلاد.

وفي القصرين قال محمد الخليفي، الحاصل على شهادة جامعية في تدريس العربية منذ سنوات “الحكومة تقول إنها لا تملك عصا سحرية لمعالجة الوضع. وجوابنا هو لا نريد سحرا بل نريد فقط حقنا في العمل بكرامة”.

7