البطريرك كريم وريث كرسي أنطاكيا الذي خالف تقاليد الكنيسة وتدّخل في السياسة

السبت 2016/01/23
البطريرك كريم حائر أين يقف في أصعب ظرف يمر به مسيحيو المشرق

باريس - الحبر الأعظم، رأس الكنيسة السريانية المشرقية وراعيها، الخليفة 123 للقديس مار بطرس الرسول على كرسي أنطاكيا تم تنصيبه على كرسي البطريركية قبل سنة ونصف من الآن في أصعب ظروف يمر بها مسيحيو المشرق، فصار خلفاً للبطريرك الراحل مار إغناطيوس زكا الأول عيواص، الذي كان له دور بارز في إعلاء شأن الكنيسة السريانية في العالم.

البطريرك مار إغناطيوس أفرام الثاني كريم، بطريرك الكنيسة السريانية الأنطاكية الأرثوذكسية في العالم، التي تتخذ من دمشق مقراً لها والتي تضم نحو مليونين ونصف مليون من الأتباع، استلم مهمة دينية صعبة للغاية تقول أوساط مسيحية إنه أخفق في فصلها عن السياسة.

النأي الصعب بالنفس

بعد استلامه منصبه، تعددت آراء أتباع كنيسته فيه، ولم يستطع جمعهم على كلمة واحدة أو موقف واحد، خاصة وأنه لم يحاول السير على خطى من سبقه من البطاركة، الذين نأوا بالنفس سياسياً عمّا يجري في الشرق الأوسط وسوريا على وجه الخصوص فأرضوا الغالبية العظمى من السريان الأرثوذكس وضمنوا سلامتهم.

أيّد تدخل روسيا العسكري في الحرب السورية ووصفها بأنها “صانعة للسلام”، كما بارك تشكيل ميليشيات مسيحية مسلحة في سوريا، وهي أول ميليشيات مسلحة مسيحية تشهدها سوريا في تاريخها، كما وصف جميع التنظيمات المسلحة التي تقاتل النظام السوري بالإرهابية وحمّلها وحدها مسؤولية الكارثة التي حلت بسوريا، ودعا الولايات المتحدة والقوى الغربية لوقف تمويلها، فوصف بعض المعارضين مواقفه بأنها تتطابق مع موقف النظام السوري.

حزنت المعارضة السورية لأن الممثل الروحي لـ”ملح الأرض” كان قاسياً عليها بوضعها كلها في سلة الإرهاب، ولأنه لم يقف على الحياد كما يجب، ونسي أن الغالبية العظمى من المعارضة المسلحة كانت ترفض الزج بالمسيحيين في الحرب بل وتحميهم. وأن فصائل محددة جداً ومعروفة هي التي ضايقتهم وآذتهم. كما أعرب المسيحيون عن خشيتهم أن تساهم الميليشيات المسيحية المسلحة بزيادة الخطر الإرهابي المتطرف ضدهم، وانتقد بعض المعارضين السياسيين تدخّله بالشأن السياسي وشددوا على أن الدين لله والوطن للجميع.

رأس الكنيسة السريانية يؤيد تدخل روسيا العسكري في الحرب السورية ويصف موسكو بأنها "صانعة للسلام"، كما يبارك تشكيل ميليشيات مسيحية مسلحة سورية وهي أول ميليشيات مسلحة مسيحية تشهدها تلك البلاد في تاريخها، ورغم ذلك يصف البطريرك جميع التنظيمات المسلحة التي تقاتل نظام الأسد بالإرهابية

في مواجهة المسيحيين

في مايو الماضي بدأ البطريرك يفقد بعضاً من رصيده المعنوي والشعبي، حين ظهر مع بشار الجعفري، سفير النظام السوري في الأمم المتحدة في ندوة مشتركة مع الجالية السورية في الولايات المتحدة، وتسبب ذلك اللقاء المشترك بانتقادات له من المعارضة السورية، ومن المسيحيين الحياديين، حيث قالوا إن مقام البطريرك ومكانته الدينية والرمزية أعلى بكثير من أن يُشارك بهكذا مناسبات وأن يرافق “موظفاً لدى نظام دكتاتوري خاصم وعادى غالبية شعبه من أجل كرسيّ السلطة”، وتعززت لدى البعض شكوك بخضوع البطريرك لوصاية النظام السوري ورهن قرار وموقف الكنيسة لإرادة السلطة السياسية.

حضر البطريرك في أكتوبر الماضي، مهرجاناً لانتخاب ملكة جمال اللاذقية، معقل الرئيس السوري، فشهد الشارع المسيحي السوري لأول مرة استياءً من بطريركه، إلى درجة أوحت بأن الكنيسة قد تُقبل على انقسام بين الغرب والشرق بسبب سياساته، ووجه له مطارنة رسالة انتقادية استفسروا فيها عن أسباب حضوره مسابقة ملكة جمال في عقر بيت النظام في هذا الظرف الصعب ولمصلحة من حضرها، واتّهموه بالتقصير وإهمال مهامه وواجباته اللاهوتية الأساسية، وحمّلوه مسؤولية “الوهن” الذي أصاب جسد الكنيسة السريانية، وشلّ عمل المجمع المقدس، الذي يعتبر أعلى سلطة تشريعية في الكنيسة السريانية.

كما أعرب مسيحيو القامشلي (العاصمة الثقافية لسريان سوريا) عن صدمتهم من هذه المبادرة للبطريرك في وقت تغرق فيه سوريا بحرب داخلية كارثية مُدمرة، واعتبرته دلالة سياسية تصب في خانة التأييد للنظام في وقت هم في أمس الحاجة للنأي بالنفس.

حرب موسكو المقدسة

بعد ذلك بشهر، قام البطريرك بزيارة لموسكو، وأيضاً كانت زيارته مثار اختلاف في تقويمها، حيث رحّبت بها الأوساط المسيحية غير المُعارضة. بينما أثارت شكوك وتساؤلات حول أهدافها وأبعادها في الأوساط المسيحية المعارضة، خاصة وأن الزيارة تجاوزت إطارها الديني والكنسي وأخذت بعداً سياسياً.

حيث التقى خلالها بوزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف وأدلى بتصريحات متماهية مع تصريحات المتحدثين باسم النظام السوري، أيّد فيها التدخل العسكري الروسي في الحرب السورية، ووصف جميع التنظيمات المسلحة التي تقاتل النظام السوري بالإرهابية.

ميليشيات مسيحية تتنقل بين المناطق المسيحية السورية في الجزيرة وصدد ووادي النصارى بمباركة من البطريرك
وقال إن موسكو “تجلب الأمل إلى نفوس السوريين”، وهي “صانعة سلام”، فحشر نفسه وكنيسته في مواقف سياسية لم يكن مضطراً أو مجبراً عليها، وهي من كبرى وأعرق الكنائس السورية والمشهود لها بوطنيتها ولم تربط يوماً مصير ومستقبل السريان والمسيحيين بمصير شخص رئيس أو نظام، خاصة وأن التدخل الروسي هو قضية خلافية بين السوريين ويعتبره البعض عدواناً واحتلالاً لسوريا، وقال مسيحيون سوريون في بيان لهم إن البطريرك نقل إلى موسكو وجهة نظر النظام والموالين وهي نظرة ناقصة ومبتورة لا بل مشوِّهة للحالة المسيحية السورية عامة.

في مارس العام الماضي أصدر البطريرك بياناً شدد فيه على أن الآشوريين السوريين يعيشون بسلام وأمان ضمن محيطهم، ولم يعانوا يوماً ما في التعامل مع أيّ من المكونات الأخرى. ونفى وجود أيّ جهة مسلحة تمثل الكنيسة، ونوّه بأن الآشوريين اعتمدوا سياسة النأي بالنفس ضمن الصراع القائم ليس لأن الأزمة لا تعنيهم بل لأنهم بعيدون كل البعد عن ثقافة التسلح في حياتهم اليومية أو المستقبلية، لكن ما قام به فيما بعد خالف كل هذا الكلام.

قوات السوتورو

بعد أربعة أشهر، وتحديداً في يوليو العام الماضي، ووسط الكثير من ردود الأفعال المنتقدة، قام البطريرك بزيارة لخطوط القتال حيث تنتشر ميليشيات مسيحية تحمل اسم “سوتورو”، وهم يقاتلون مع النظام، وصلّى من أجل نصرتهم، وأقنع أكثر من مئة شاب مسيحي ممن نزحوا من مدينة الحسكة هرباً من المعارك بالعودة إليها وحمل السلاح والالتحاق بقوات الحماية السريانية “السوتورو” و”قوات حماية الجزيرة” المسيحية، واعتبره بعض أتباع الكنيسة خطأ جسيماً وتوريطاً للشباب المسيحيين للالتحاق بالعسكرة لصالح النظام.

البطريرك يفاجئ رعيته بظهوره مع بشار الجعفري، سفير النظام السوري في الأمم المتحدة في ندوة مشتركة في الولايات المتحدة، فتسبب ذلك اللقاء المشترك بانتقادات له من المعارضة السورية، ومن المسيحيين الحياديين، الذين قالوا إن مقام البطريرك ومكانته الدينية والرمزية أعلى بكثير

لم يسبق في تاريخ الكنيسة السريانية الأرثوذكسية أن قام أحد رؤسائها بتفقد أحوال مقاتلين على جبهات القتال، حتى إبّان مذابح (سيفو) ضد سريان ومسيحيي السلطنة العثمانية عام 1915 لم يحصل هذا الأمر، لكن يبدو أن الحرب السورية المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات، وبما حملته من خطر وجودي/كياني على الوجود السرياني الآشوري والمسيحي عامة في سوريا، غيّرت الكثير من المفاهيم والقناعات الدينية واللاهوتية لدى بعض رجال الدين المسيحي.

بعض المسيحيين خففوا من وطأة الزيارة، وقالوا إن هذه الميليشيات المسيحية التي تم تشكيلها قبل نحو سنتين في شمال سوريا تدافع عن البلدات والمناطق المسيحية في حال تعرضها لأيّ اعتداء من أيّ جهة، المتشددين أم النظام، وهي ذراع عسكرية لمسيحيي سوريا أسوة بالقوى والتيارات والقوميات السورية الأخرى التي تمتلك ميليشيات خاصة بها.

منذ استقلال الدولة السورية الحديثة، هذه هي المرة الأولى التي يعتلي فيها سوري الجنسية كرسي البطريركية السريانية الأرثوذكسية في المشرق والعالم، الذي انتقل بين المدن والتجمعات السريانية التاريخية حتى استقر أخيراً بالعاصمة السورية دمشق حيث انتقل من حمص إليها في ثلاثينات القرن الماضي.

أزمات المشرق

البطريرك أفرام كريم هو ابن القامشلي السورية، انتقل من القامشلي إلى دمشق فالقاهرة، وعاش جزءاً من حياته في أيرلندا وإنكلترا، وصار مطراناً على رأس أبرشية السريان في ولاية نيوجرسي الأميركية قبل تنصيبه بطريركاً في نهاية مايو 2014. وأبدت الحكومة السورية اهتماماً لافتاً به واستقبله بشار الأسد قبل التنصيب وبعده.

البطريرك مار إغناطيوس ينفتح على المواقف الروسية مثيراً انزعاج مسيحيي سوريا الذين اعتادوا عدم تدخل راعيهم في السياسة

لكن الكنيسة السريانية المشرقية كانت تعاني من مصاعب أفرزتها الأزمة السورية، ولم يستطع البطريرك معالجتها فوراً، فصبّ بعض المسيحيين جام غضبهم عليه، وقال بعض السريان من غير السوريين إن البطريركية أهملت بوجوده أكبر أبرشياتهم في سوريا، كأبرشية الجزيرة والفرات وأبرشية حلب وأبرشية حمص، فيما قال بعض السريان من غير السوريين إن حال أبرشية الموصل وتوابعها وأبرشية القدس وسائر الديار المقدسة ليست بأحسن حال من مثيلاتها السورية.

سادت مشاعر تفاؤل في المجتمع السرياني مع وصول البطريرك إلى كرسيه، لكن سرعان ما تراجعت كثيراً بعد سلسلة إخفاقات في إدارة شؤون الكنيسة وزيادة حدة الاصطفافات داخل طبقة الإكليروس السرياني بين مناصرين للبطريرك أفرام ومعارضين له، وبرز استقطاب سياسي حاد داخل المجتمع السرياني بين أنصار التيار (السرياني الآرامي) من جهة وبين أنصار التيار (السرياني الآشوري) من جهة ثانية وأنصار التيار (السرياني السوري) من جهة ثالثة، أدت لاصطفافات تُنذر بحصول انشقاقات في الكنيسة السريانية الأرثوذكسية التي لها العديد من الأبرشيات في دول الاغتراب الأوربي ـ الأميركي وفي الهند أيضاً.

يقول بعض المسيحيين إن سياسة البطريرك المسايرة للنظام السوري أثمرت مكاسب للسريان وللمسيحيين المشرقيين بشكل عام. فقد قام النظام في يناير العام الماضي بإجراء مختلف عن سياسته السائدة تجاه مذابح الآشوريين السريان (سيفو) التي ارتكبتها العشائر الكردية الموالية لجيش السلطنة العثمانية في العام 1915 تمثلت بإحياء ذكرى هذه المذبحة على الصعيد الرسمي والشعبي والإعلامي والسياسي، بعد عقود طويلة من التجاهل والنكران، لكن المعارضة السورية تقول إن هذا الاختلاف في موقف النظام هو محاولة لكسب تأييد المسيحيين

من جهة وزيادة الضغوط على تركيا التي تقودها حكومة حزب العدالة والتنمية وتحتضن المعارضات السورية التي تُقاتل النظام.

وهكذا خالف البطريرك مار إغناطيوس أفرام الثاني كريم تقاليد الإكليروس المسيحي المشرقي من كل الطوائف في تدخله المباشر في الشؤون السياسية، مع أن عدد السريان الأرثوذكس في سوريا قليل جداً قياساً بالطوائف الأخرى، ولعله أقل عددا من أتباع أيّ طائفة أخرى.

12