البطل الكلاسيكيّ عاريا من أسطورته

الاثنين 2015/02/02

لا يكاد يغيب وصف البطل والبطولة عن سياق المقاربة اليوميّة لفعل من الأفعال، بحيث يكاد يصبح ميدان تندّر ومصارعة في الوقت نفسه. فكلّ طرف يحتاج إلى جرعات دعم ومساندة داخليّة من التعظيم، ويكون في الوصف بالبطولة ما يروي قليلا من الظمإ للظهور والصدارة.

يحتفظ حضور البطل بألق خاصّ لافت في الذاكرة الجمعيّة للشعوب كلّها، ذلك أنّ لكلّ شعب أبطاله وبطولاته، ولا بأس أن اختلط الوهم بالواقع في اختراع ما يواسي أو يمنح بعض التعلّة، وتكون المقارعة ببطولة الماضي نوعا من أنواع إثبات الجدارة بالحاضر والمستقبل. أي أنّ الاستعانة بصور البطل تكون من منطلق ترسيخ الجذور وتكريس الوجود.

باختلاف النظرة للبطل بين عصر وآخر يمكن السؤال: عمّ يمكن أن يغدوَ البطل المعاصر؟ هل يكون ذاك الجبّار ذو القوّة العاتية؟ ألا تنهض المكتشفات العلميّة بدور البطولة، ومن ورائها الإنسان العالم؟

اعتمد المفكر الأميركي جوزيف كامبل في كتابه “البطل بألف وجه” على علم نفس الأعماق والتحليل النفسي، وذكر أن صورة البطل تخدم رؤى الجماعة، وتجسد أحلامها وآمالها في تخطي واقعها إلى المثال المنشود، وقد انطلق في مقارباته عن الرمز والبطولة، ورأى أن أساطير البشرية ازدهرت وألهمت الإنسان على مدار تطورها كلما أبدع على مستوى الفاعلية الإنسانية، سواء منها الجسدية والروحية، وذلك إلى المدى الذي يتسع إليه العالم، وفي الأزمنة جميعا وفي خضم الشروط المختلفة، كما أكّد أنه يمكن القول دونما مبالغة إن الأساطير تمثل الرافد السرّي الذي تتدفق عبره طاقات الكون التي لا تستنفد لتصبّ في ظواهر الثقافة البشرية.

بالمقارنة بين البطولة على أكثر من مستوى، اعتبر كامبل أن ما يثير الملاحظة هو أن انتصار بطل الحكايات يبقى على المستوى البيتي، في حين يكون انتصار بطل الأساطير على المستوى التاريخي العالمي. واعتبر كذلك أنه سواء كان البطل مضحكا أم مهيبا، إغريقيا أم بربريا، ملحدا أم مؤمنا، فإن الملامح الجوهرية لمغامرته لا تختلف إلا قليلا. وأكّد أن القصص الشعبية تظهر فعلة البطل على أنها إنجاز جسدي، فيما الديانات تظهرها كفعل أخلاقي. ويشير إلى أن الأساطير الشعبية تخلق العمران في كل مكان مهجور بكائنات خداعة وخطرة، وذلك بعيدا عن مجال الحركة الاعتيادية للمكان، ويؤكّد على الإعلاء من شأن القانون كبطل مطلق.

لاشكّ أنّ العصر الحديث شهد تحوّلات كبرى في صورة البطل الكلاسيكية، بحيث أنّ المعايير تغيّرت والنظرات تبدّلت، وهذا ما يفترض أن يؤدّي إلى تحوّل التعظيم نحو القانون الذي يكفل العدالة والمساواة، بحيث يصبح هو البطل المعاصر، وألّا يظلّ شهيد الحاضر والمستقبل.


كاتب من سوريا

15