البطل يولد فينا أو "رجل اليوتيوب"

الأحد 2016/08/28

انتهت منذ أيام الألعاب الأولمبية ريو 2016، وودع الجميع أرض البرازيل على أمل اللقاء بعد أربع سنوات في طوكيو، غادر الجمع المكان، ولكل مشارك قصة وذكرى، فهذا سعيد وفخور بما حققه وذاك محبط بسبب خروجه مغلوبا خاسرا وآخرون يمنون النفس بالتعويض في الموعد الأولمبي المقبل.

غادر الجميع ريو، لكن بقيت في الذاكرة بعض الصور الناصعة تجسد إنجازات رياضيين وأساطير أبدعوا وتألقوا وشغلوا كل الناس مثل الجامييكي بولت والأميركي فيلبس والبرزايلي نيمار والبريطانيين ماراي وفرح وغيرهم كثر.

ومع ذلك، فربما هذه الذاكرة لم تحفظ بشكل دقيق اسم أحد أعضاء بعثة المنتخب الكيني لألعاب القوى، إنه رامي الرمح يوليوس يغو.. الأكيد أن غالبية من تابعوا الأولمبياد لم يتفطنوا لهذا الاسم الذي نجح ولا أحد ركز على ذلك في أن يجسد فعليا كل معاني الروح الأولمبية القديمة النابعة من زمن الإغريق الأول.

فهذا الرياضي البسيط كافح وناضل وصبر وثابر، ثم بات نجما عالميا أولمبيا بأبسط الإمكانات والمقومات، كوّن نفسه وعلمّها وحوّل جسده إلى جسد بطل رياضي لا يشق له غبار، وإليكم القصة من بدايتها:

نشأ يوليوس في أحد قرى وفيافي كينيا، شغف صدفة برياضة رمي الرمح، فأدمن على متابعتها ومشاهدة الملتقيات الدولية، حلم أن يكون يوما ما بطلا في ممارسة هذه الرياضة، فكر وتدبر ثم قرر أن يشمر على ساعد الجد، فبدأ العمل بلا تعب أو كلل، قرر أن يعمل بمفرده ويخرج البطل الساكن فيه.

وبما أنه طفل فقير في بلد فقير وفي قرية نائية، اختار حلا لم يخطر على بال على أحد، فقد أدمن على مشاهدة مقاطع الفيديو التي تتضمن مشاهد لأبطال رياضيين في هذه اللعبة، وصنع وهو طفل في سن العاشرة رمحا تقليديا بدأ يتعلم على رميه في البراري الخضراء في مسقط رأسه بكينيا.

كان يقلد أساليب أبطال هذه الرياضة ويجاهد نفسه حتى يتعلم أصولها بإتقان، عشقه لرمي الرمح كبر معه وكبرت أحلامه.

فجاء اليوم الذي شاهده أحد المدربين في كينيا المعروفة بإنجاب أبطال ألعاب القوى في سباقات المسافات الطويلة ونصف الطويلة، أعجب به وانبهر بأسلوبه المميز في التعامل مع الرمح، إنه أسلوب يحاكي، بل يتطابق مع أساليب أفضل الأبطال في العالم.

احتضنه هذا المدرب وقدمه إلى الجميع في كينيا على أنه أحد الأبطال الموهوبين في اختصاص جديد على الرياضة الكينية، فكبرت الأحلام أكثر فأكثر.

واصل يغو تدريباته بشغف ومثابرة إلى درجة أن هوسه برمي الرمح وإصراره على النجاح دفعه إلى التوجه يوميا إلى مراكز الإنترنيت العمومية كي يشاهد مقاطع الفيديو عبر اليوتيوب التي تتضمن طريقة التعامل المثالي في رمي الرمح، تابع أخبار أبرز ممارسي هذه الرياضة في العالم وحفظ كل تحركاتهم وتصرفاتهم وأسلوبهم المميز، ثم بعد ذلك انطلق في التعلم والتطبيق.

غدا الفتى اليافع يوليوس شابا في أوج العطاء، والتحق بالعاصمة الكينية نيروبي كي يواصل تدربه هناك مع منتخب بلاده، فأطلق عليه لقب “رجل اليوتيوب” لإدمانه الشديد على متابعة كل المقاطع الحديثة التي تتضمن طرق وأساليب رمي الرمح المستحدثة في عالم المحترفين.

وبدأت عبقرية رجل اليوتيوب تظهر بعد سنوات من العمل والتعب والعطاء والتعلم في أصعب الظروف وأقساها، فيوليوس بات جاهزا للمشاركات الدولية، وفعل ذلك لينجح بتحقيق عدة نتائج رائعة في بطولات أفريقيا قبل أن يمثل بلاده في أولمبياد لندن 2012، حينها احتل المركز الأخير في الدور النهائي، لكنه لم يأبه للهزيمة وواصل العمل وشارك في عدة بطولات عالمية قبل أن يحين موعد قطف الثمار ومعانقة النجاح الأولمبي في ريو.

ولأن قصة رجل اليوتيوب لا تكتمل إلاّ بحصول البعض من المطبات والعراقيل، فإن يوليوس كاد يغيب عن الموعد الأولمبي بسبب عدم وجود تذكرة له للتحول عبر الطائرة إلى البرازيل، ليكتب قائلا “لقد هزمت، ليست هناك تذكرة”.. لكن من حسن حظه تم تجاوز هذه المشكلة وسافر مقلعا صوب ريو.

جاء اليوم الموعود وشارك رجل اليوتيوب في نهائيات مسابقة رمي الرمح، تعرض لإصابة على مستوى ساقه، لكنه هزمها وحقق رمية موفقة فاقت 88 مترا، منحته المركز الثاني والميدالية الفضية في الألعاب الأولمبية متفوقا على أبطال اللعبة أصحاب الأجساد الهائلة والطول الفارع والعضلات المفتولة.

لقد فعلها يوليوس وسبق الجميع، فهو الوحيد الذي جسد روح الأولمبياد في أبهى معانيها، انطلق من الطبيعة العذراء وسار على دربها إلى قمم المجد الأولمبي، تجاوز كل المحن والعراقيل وأخرج روح البطولة فيه، ليجسد فعلا مقولة “نحن لا نولد أبطالا، بل البطل يولد فينا”.

كاتب صحافي تونسي

23
مقالات ذات صلة