البطولات الهزلية للأسد

المسرحية التي يقدمها بشار الأسد تحولت إلى وباء طال كل من حوله.
السبت 2019/11/16
صناعة البطولات

كلما امتد أمد الأزمة السورية كلما تكشفت حقيقة نظام بشار الأسد، القائد الذي “هزم” المؤامرة الكونية على بلاده، وهو مجرد ممثل من الدرجة العاشرة على مسرح السياسة العالمية. آخر من يعلم، ماذا يحدث في البلاد منذ سنوات، لكنه ينضح بالفلسفة، التي تفسر كل ما يدور حوله بكل حكمة.

في مقابلة الأسد الأخيرة مع الإعلام المحلي، نفى علمه بعملية قتل زعيم داعش أبوبكر البغدادي. أراد أن يحرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي شكر سوريا على مساعدتها في نجاح العملية، رغم أنه امتدح ترامب في وضوحه ومباشرته في ما يفعله، مقارنة بالرؤساء السابقين للولايات المتحدة.

لن يخطر ببال الأسد أن المساعدة السورية، التي تحدث عنها ترامب، قد تأتي من غيره في نظامه المنيع. فالأسد يمسك بكل خيوط اللعبة ويعلم الجهر وما يخفى في بلاده، باستثناء ما يدور في القواعد العسكرية الروسية والإيرانية على الأراضي السورية، وبعض الزيارات المفاجئة له من مسؤولي البلدين.

يحتاج الأسد بين الحين والآخر إلى تذكيره بحقيقة صلابة سلطته، فيخرج مسؤول إيراني أو روسي ليقول إنه لولا بلاده لرحل الأسد منذ العام الأول للثورة السورية. لا يكترث بشار لذلك، ويواصل حياته كرئيس لبلاد ثلثها مدمر وثلثها مهجور وثلثها مضطهد، وكلها محتلة من قبل خمس دول أجنبية.

كم يثير الشفقة عندما يتملكه وهم النصر؟ يخرج رأس السلطة في دمشق إلى الإعلام ليتفاخر بإنجازاته ويتوعد بطرد دول ومحاربة جيوش واسترداد آبار نفط وأراض تمردت على سلطته. يتجنب الروس والإيرانيين إحراجه في الرد رسميا على ترهاته، فيدفعون بإعلامهم ليتكفل بالمهمة.

لا يهم ذلك أيضا. فلكل الإهانات السياسية والإعلامية وحتى الشخصية، تحليلها الرياضي وتفسيرها المنطقي في خطب ومقابلات السيد الرئيس. فما يأتي من الحلفاء هو نقد بناء، وما يقوله الخصوم يكون بدافع الغيرة من صمود الأسد وصمود بلاده، التي تنتمي إلى محور المقاومة المهترئة.

الحملة التي شنها الإعلام الروسي ضد الأسد مؤخرا، توضح صورة الرئيس في أعين موسكو. وحتى لو لم يؤنب الروس الأسد على إهانته للرئيس رجب طيب أردوغان، كان يكفي مراقبة مجريات الأحداث منذ بدء العدوان التركي على مناطق الشمال، لتدرك وهم النصر الذي يعيشه النظام. 

الأسد انتظر طويلا وقوع العدوان التركي كي يهرول إليه أكراد الشمال صاغرين يطلبون الحماية، ولكن ما حدث هو أن الأكراد ذهبوا للروس في قاعدة حميميم وأبرموا معهم اتفاقا نفذه الأسد بحذافيره، ثم نفذ اتفاقا أبرمه الرئيس فلاديمير بوتين مع أردوغان في منتجع سوتشي دون زيادة أو نقصان أيضا.

لم ينخرط الأسد في مواجهة العدوان التركي كما كان يزبد ويرعد، وإنما نشر قواته حول المناطق التي احتلها الأتراك. لم تكن المسألة تتعلق بتحرير الأراضي المغتصبة، وإنما هرول الأسد إلى شرق الفرات ليستعيد حقول النفط ويجد لنفسه موطئ قدم، إلى جانب القوات الروسية والتركية والأميركية والكردية. ومن هناك يعلن للعالم انتصارا جديدا في حربه الدونكيشوتية.

لا يستعجل “الأسود” تحرير الأراضي السورية التي تحتلها دول، يركزون فقط على المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. مات الأسد الأب دون أن يحرر لواء الإسكندرون والجولان، وجاء الابن لينسى المنطقتين، ويتنازل عن أماكن أخرى للروس والإيرانيين والأميركيين والأتراك، مقابل أن يبقى رئيسا ولو على بضعة أمتار حول القصر الجمهوري في دمشق. 

لا نبالغ في القول إن أخر شخص يريد انتهاء الأزمة السورية هو بشار الأسد، لأن انتهاءها يعني انتهاء سلطته الوهمية. ولأجل هذا يبذل الرئيس كل ما هو غالٍ ونفيس، لتأخير أي حل للأزمة يقوم على القرارات الدولية بإجراء انتقال سياسي بعد إعداد دستور جديد وإجراء انتخابات رئاسية.

بقي الأسد يماطل في إعداد فريقه للجنة الدستورية في جنيف، وعندما أجبره الروس على ذلك، أرسل وفدا قال إنه يحظى بدعم الحكومة ولكنه ليس رسميا. طبعا لا يكترث الروس لهذا الهراء لأنهم الآن هم من يمثل دمشق رسميا في جنيف وأستانة وسوتشي وفي كل مكان حول العالم.

البطولات الهزلية للأسد تحولت إلى وباء طال كل من حوله. جميع شخوص النظام باتوا يتقمصون دور البطولة هذا، ويمارسون الانتصار في خطبهم وتصريحاتهم وكتاباتهم وحتى تغريداتهم وتعليقاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي.

الأمثلة كثيرة من بينها، البطل الخارق وليد المعلم الذي شطب القارة الأوروبية عن خارطة العالم، وبشار الجعفري عنترة مجلس الأمن والأمم المتحدة، مرورا بنابغة مجلس الشعب خالد عبود، الذي اعتبر اعتراف دونالد ترامب بسلطة إسرائيل على الجولان انتصارا لسوريا، وليس آخرهم أحمد الكزبري فارس الوفد “المدعوم” من الحكومة إلى اللجنة الدستورية في جنيف.

ليس ساسة النظام وحدهم من أصابهم جنون الانتصار. فرسان إعلامه طالهم الداء أيضا. ذلك المراسل المسكين الذي كان يتباهى بالباصات الخضر، التي تقل المعارضين الرافضين للتسوية مع الروس، وقد تم الاستغناء عن خدماته لاحقا. وتلك المذيعة الغاضبة التي طردت من مقر الأمم المتحدة في جنيف، بعدما انتصرت بالصراخ على وفد المعارضة المشارك في إحدى جولات المفاوضات مع النظام بالمدينة السويسرية.

رغم وجود قوات عسكرية لخمس دول تحتل سوريا، ورغم كثرة الدلائل على تحول نظام دمشق إلى شبه سلطة يتجاوزها سياسيا أصغر مسؤول روسي أو إيراني. لا يزال الأسد يعتبر نفسه منتصرا في الحرب. لا يهم انتصاره على من؟ ولا يهم ماذا كلف البلاد انتصاره هذا؟ المهم كما في رواية “خريف البطريرك” أن يجد الطاغية عندما يسأل عن الوقت، من يجيبه “كما تريد يا سيدي”.

9