البطولة العربية تكشف غياب ثقافة الخسارة

بعد أربعة أعوام من التوقف، عادت البطولة العربية لأندية كرة القدم، وانطلقت من القاهرة في الفترة من 22 يوليو وحتى 6 أغسطس، وكان الهدف من تجديد العودة تقريب الشباب العربي في وقت تعاني فيه الدول العربية ويلات الخلاف، ولا توجد قوة ناعمة أفضل من كرة القدم لتحقيق هذا المأرب العربي، لكن ذلك لم يتحقق بسبب غياب الوعي الرياضي.
الأربعاء 2017/08/09
التحكيم محل اتهام

القاهرة – شهدت مباراة نهائي البطولة العربية للأندية الأحد، التي فاز فيها فريق الترجي التونسي على منافسه الفيصلي الأردني (3-2)، أحداثا مؤسفة أفسدت تجمعا رياضيا عربيا طال انتظاره، وفي وقت يتأهب الجميع لرؤية نهاية مشرفة لحدث تناقلته عدة فضائيات، قام لاعبو الفيصلي بالاعتداء على حكم المباراة، المصري الدولي إبراهيم نورالدين، بعد احتسابه هدفا لصالح الترجي التونسي من تسلل واضح.

ولم تتوقف الأحداث عند هذا الحد، بل انتظر لاعبو الفيصلي إطلاق صافرة النهاية وكرروا الاعتداء على الحكم، ثم استكملت جماهير الفريق الأردني السيناريو، وأتلفت مقاعد مدرجات إستاد الإسكندرية ولوحت بإشارات استفزازية للإعلاميين، غير أن حكم المباراة رفض إلغاءها كي لا يفسد فرحة الجميع من أجل تصرف فردي غير مسؤول.

وفاز الترجي بلقب البطولة واستقبلته الجماهير التونسية استقبال الفاتحين في المطار، لكن الجميع خسر كل شيء، حتى الفيصلي الأردني أهال التراب على الأداء الرائع الذي قدمه خلال البطولة، وقاده هذا الأداء إلى المباراة النهائية.

التنافس الراقي

ما حدث بعيد كل البعد عن الروح الرياضية ومغاير تماما لمعنى التنافس الراقي، مع التأكيد على أن التحكيم كان هو الحلقة الأضعف في البطولة، والشاهد هو ما أفرزته المنافسات من أخطاء لا حصر لها، ولو لم يلتفت الاتحاد العربي إلى تلك النقطة لتكرر الأمر نفسه. ولولا تدخل عناصر التأمين الموجودة في ملعب المباراة، لتطور الأمر إلى ما لا يحمد عقباه، وكل ذلك فقط من أجل مباراة كرة قدم في بطولة شبه ودية، غير أن ما حدث يستند على شقين أولهما إداري والثاني يتعلق بالعقلية والثقافة الرياضية.

الاتحاد العربي يفكر في رفع شكوى إلى الاتحادين الدولي والآسيوي، خصوصا وأن البطولة أقيمت تحت مظلة الفيفا

يتعلق الشق الإداري بالإجراءات التي سيتم اتخاذها ضد فريق الفيصلي، وفقا لتقرير حكم المباراة الذي قدمه الاثنين إلى الاتحاد العربي. وقال عضو الاتحاد المصري لكرة القدم محمد أبوالوفا لـ”العرب”، إن الاتحاد يدرس منع الفيصلي الأردني من اللعب في مصر مدة زمنية محددة، وتوقع حجب المكافأة المالية للفريق وقدرها 600 ألف دولار، أو على الأقل حجب قيمة تكاليف تلفيات ملعب المباراة، والتي أعلن الاتحاد العربي تحملها كاملة.

وأضاف أن الاتحاد يفكر في رفع شكوى إلى الاتحادين الدولي والآسيوي لكرة القدم، خصوصا وأن البطولة أقيمت تحت مظلة الاتحاد الدولي “فيفا”، أما وكالة الأنباء الأردنية “رام”، كانت قد بثت الاثنين خبرا يفيد بنية الاتحاد العربي لكرة القدم توقيع عقوبة الإيقاف خمسة أعوام على فريق الفيصلي، فضلا عن مخاطبة الاتحاد الآسيوي برئاسة البحريني الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة، لتوقيع العقوبة نفسها، لكن كل ذلك ربما لم يحدث ويمر بالتراضي كما هو معهود، أو على الأقل سينتظر الجميع حتى شهر أكتوبر المقبل، موعد عقد اجتماع الاتحاد العربي.

وتلقى وزير الرياضة المصري خالد عبدالعزيز اتصالا هاتفيا من نظيره الأردني، للاعتذار عما بدر من فريق الفيصلي، كما أصدر الاتحاد الأردني لكرة القدم بيانا صحافيا الاثنين بشأن هذه الأحداث، ووجه الشكر لنظيره العربي على الجهود التي بذلها لإعادة إحياء البطولات العربية.

وعبر الاتحاد الأردني عن أسفه للأحداث التي أعقبت المباراة النهائية للبطولة العربية وتداعياتها، والتي لا تمت بصلة للأخلاق والعادات الأصيلة، وأكد تواصله مع الاتحاد العربي للوقوف على كافة التفاصيل، لأنها تصرفات مرفوضة وغير مقبولة مهما كانت المبررات.

وبخلاف الشق الإداري من توقيع عقوبات واعتذارات وترضيات متبادلة بين القيادات الرياضية، لا بد من التوقف عند الأمر الثاني والمتمثل في العقلية العربية التي لا تتقبل الهزيمة من أي فريق عربي، في حين أن الأمر يمر مرور الكرام إذا كان المنافس أفريقيا أو أوروبيا مثلا. الأمر نفسه يحدث بين مواطني الدولة الواحدة، وقد تحوّلت أحداث مباراة الترجي والفيصلي إلى معركة بين الجماهير المصرية على مواقع التواصل الاجتماعي، وشمتت جماهير الزمالك في الحكم الذي اعتبرته “أهلاوي” النزعة، وكثيرا ما جاءت قراراته ضد فريقها في مباريات الدوري المحلي.

الاتحاد الأردني عبر عن أسفه للأحداث التي أعقبت المباراة النهائية للبطولة العربية وتداعياتها، والتي لا تمت بصلة للأخلاق والعادات الأصيلة

العنف ينتصر

بات العنف السمة الرئيسية للمواجهات العربية على مستوى الأندية أو المنتخبات، وهو ما أرجعه الناقد الرياضي أشرف محمود رئيس الاتحاد العربي للثقافة الرياضية، إلى غياب اللوائح التي تقف عاجزة أمام مثل هذه التصرفات. وقال لـ”العرب” إنه لا بد من تطبيق عقوبات رادعة على المخطئ، وطالب بضرورة تغيير عقليات المدربين والإداريين المسؤولين عن الأندية، لأنه بالنظر إلى أحداث نهائي البطولة العربية، نجد أن الشرارة الأولى انطلقت من المسؤول الإداري لفريق الفيصلي، ولفت إلى أن اللاعب حينما يرى رئيسه خرج عن النص، سيفعل الشيء نفسه باندفاع وغضب، لذلك لا بد من القيام بدورات تثقيفية تعزز فكرة أن الرياضة هي أسمى سلوك إنساني بعيدا عن المكسب أو الخسارة.

وكشف محمود أن الجائزة المالية الكبرى التي رصدها الاتحاد العربي للبطولة كانت نقمة وليست نعمة، كما عملت على إزكاء روح التعصب لدى لاعبين وإداريين أغراهم مبلغ المليونين ونصف المليون دولار.

ووفقا للتاريخ لم تكن أحداث نهائي البطولة العربية هي الأولى، فالبطولة نفسها شهدت اصطداما بين فريقي الترجي التونسي والفتح الرباطي المغربي في مباراة نصف النهائي، التي انتهت بفوز الفريق التونسي بهدفين مقابل هدف، وعقب اللقاء حاول لاعبو الفتح الاعتداء على الحكم السعودي تركي الخضير، بسبب إشهار البطاقة الحمراء ثلاث مرات نتيجة التدخلات العنيفة بين اللاعبين، إضافة إلى أعمال شغب أخرى لجماهير الترجي، ما دفع اللجنة المنظمة للبطولة لإحالة الأمر إلى لجنة الانضباط.

وفي عام 2004 شهدت مباراة الزمالك المصري والصفاقسي التونسي، في إياب الدور نصف النهائي لدوري أبطال العرب، أحداث عنف بين لاعبي الفريقين وجهازيهما الفنيين، فضلا عن قيام جماهير الفريقين بإلقاء الزجاجات الفارغة على أرض الملعب، وجاءت المباراة عنيفة منذ بدايتها وأشهر حكم المباراة البطاقة الصفراء 15 مرة، قبل أن تنفجر الأزمة باعتراض لاعبي الزمالك على هدف التعادل لمنافسه. وعلى مستوى المنتخبات، لا تزال الأذهان تتذكر ما شهدته المباراة الفاصلة بين منتخبي مصر والجزائر، والمؤهلة إلى كأس العالم 2010 بجنوب أفريقيا، وسبقها ارتفاع حدة التعصب في وسائل الإعلام بسبب تعرض حافلة المنتخب الجزائري إلى اعتداء من قبل جماهير مصرية متعصبة، ثم انتقلت الأحداث إلى مدينة أم درمان السودانية التي احتضنت المباراة الفاصلة، ووقعت اشتباكات كارثية بين جماهير المنتخبين.

وتعتبر لقاءات منتخبي المغرب والجزائر من المواجهات الساخنة، وعادة ما تشهد تعصبا جماهيريا، ففي عام 2011 شهدت مباراة المنتخبين في التصفيات الأفريقية أحداثا مؤسفة بين الجماهير، ما استدعى تدخل رجال الشرطة والإسعاف لفض الاشتباكات ونقل المصابين إلى المستشفى.

22